أدونيس .. شاعر يسرق إبداعات الآخرين/جهاد فاضل

(أدونيس منتحلاً» هو عنوان كتاب الباحث العراقي كاظم جهاد الذي يدور حول سرقات الشاعر والكاتب السوري المرشح المزمن لجائزة نوبل للأداب: أدونيس وهو شاعر وكاتب منزلته الأدبية والحقيقية موضع جدل وأخذ ورد بين الباحثين.
فهناك من الباحثين من يعتبره واحدا من كبار الشعراء، وهناك من الباحثين من يضع علامات حول القيمة الحقيقية له كشاعر بعيدا عن «الإخوانيات» وبخاصة عن ضجيج الإعلام الصحفي الذي يأخذ بالظاهر ولا يدقق التقديم اللازم.
ومن هؤلاء الباحثين الأخيرين من يتهم أدونيس بسرقات أدبية كثيرة بحاجة إلى «بوليس آداب» كي يوثقها ويحيط بها الإحاطة المقتضاة. ويقول هؤلاء إنه لا يوجد شاعر وكاتب عربي في العصر الحديث سلب ونهب ممتلكات الأدباء والشعراء الآخرين كما فعل أدونيس.
فهو المنتحل الأول وصاحب السرقات الأشهر في القرن العشرين. ويزيد في جسامة ما فعل أنه ساع وراء أعظم جائزة أدبية في العالم وهي جائزة نوبل. فهو ما فتئ من حوالي ربع قرن يدسّ اسمه في عداد مرشحي هذه الجائزة، لعل وعسى. وقد زار السويد، عاصمة جائزة نوبل، مرات لا تحصى خلال ربع القرن الماضي للاجتماع بأعضاء اللجنة المانحة دون أن يحصد النجاح الذي توقعه. والمعروف عن الشاعر نجاحه في تسويق ذاته وإدارة أعماله.
فهو ينعت عادة بأنه أفضل مدير أعمال لذاته. ولكن يبدو أن هناك حدودا للقدرة البشرية، والمرء كثيرا ما ينجح في تسويق ذاته، وفي بسط الخداع على القارئ، وكثيراً ما يفشل. ولا ينكر أحد أن الشاعر أتقن فن العلاقات العامة، وأنه أمكنه بالتالي الوصول إلى قراء وباحثين كثيرين. ولكن النتيجة لم تكن مرضياً عنها بنظره، فكثيراً ما تراجع القراء والباحثون عن الإعجاب بالشاعر إذ اكتشفوا زيف ما يبيعه للناس وعدم صحة نسبته إليه، ونسبة هذا الذي يدّعيه لسواه. وحول كل ذلك يدور كتاب الباحث العراقي كاظم جهاد.
ومن الكتاب أنه في العام 1978 نشر شاعر عراقي اسمه عادل عبدالله مقالا في مجلة الطليعة الأدبية عنوانه: «من كتب تحولات العاشق: أدونيس أم النفري»؟ المقال يثبت لأول مرة عبارات ومقاطع وافرة يأخذها أدونيس حرفيا من النفري، كان الكلام سائداً عنها في أكثر من وسط، ووحده هذا الشاعر العراقي الشاب تجثم عناء نشرها والتساؤل عن شرعية سلوك كهذا، وعما إذا كانت شهرة أدونيس وحضوره في الثقافة العربية يبرّرانه له.
وفي العام 1987 قدم الشاعر التونسي المنصف الوهايبي أطروحة دكتوراه حملت عنوان «الجسد المرئي والجسد المتخيل في شعر أدونيس: قراءة تناصية». يدرس الباحث شعر أدونيس والتواشجات الثقافية والمؤثرات الشعرية وسواها العاملة في نصه. لكنه، إلى جانب أنموذج النفري الذي يأخذه من مقالة عادل عبدالله آنفة الذكر التي يتوقف عندها، يقدم نماذج لا تدخل في باب التناص من غير عسف.
يبدأ الوهايبي كلامه عن النقل لدى أدونيس بالإشارة إلى جُمَل قصيرة وأدبيات معزولة، بعضها يعمل بمبدأ الإدغام فيخلط المصادر ويخرج جملاً تفصل بينها لغات وعصور، ووحدهما يكشفان عنها عمل الصدفة وثقافة الناقد، وهكذا يذكرنا الوهايبي بأن قول أدونيس مخاطبا القارئ: «وأنت أفهمني أيها الضائع، أيتها الشجرة المنكوسة، يا شبيهي» (من ديوانه مغرد بصيغة الجمع من قصيدة «تاريخ» ص554) إن هو إلا ادغام لبيت بودلير الشهير: «أيها القارئ المرائي، يا شبيهي ويا أخي» (قصيدة «إلى القارىء» في أزهار الشر) ولجملة للمسعودي معروفة لكل من تصفح المرجع الأساسي للعرب «مروج الذهب» ينسب فيها إلى أفلاطون قوله: «إن الإنسان نبات سماوي، والدليل على هذا أنه شبيه بشجرة متكوسة أصلها في السماء وفرعها في الأرض» هذا الإدغام لمقولات وجمل «هائمة» في التراث العربي والعالمي يخترق في الواقع وبلا مبالغة عمل أدونيس كله، ويكفي أمامه أن يعُمل القارئ ذهنه ويستنفر ذاكرته الثقافية ليقع على العجيب من الأخذ الذي لا يقع أبداً في باب توارد الخواطر، والذي يخلو أحياناً من كبير تمعّن بالقول المأخوذ.
كما يفعل مثلا بالصور البودليرية: «حلمي الحجري» و«ورمحي الوثني» وسواها المشهورة في «أزهار الشر» والتي تتسرب حرفيا إلى «أغاني مهيار الدمشقي، وكان أدونيس يعمل يوم كتابته له على ترجمة بودلير، أو عندما يأخذ عبارة سارتر الشهيرة في «جوهرة العارض» فيكتب في «مفرد بصيغة الجمع» أنه «يجوهر العارض ويغسل الماء».
أو أخذه كلام ديريدا عبر عروضنا لفكرة المتزامنة وكتابة أدونيس لـ «شهوة تتقدم خرائط المادة» وتعريفنا لتفكيك ديريدا للتصور الميثافيزيقي الغربي الذي كان يتفاعل والكتابة باعتبارها «سمّا وترياقا» في آنٍ معا.فيكتب أدونيس في القصيدة المذكورة «أن الشاعر ينبغي أن يعرف كيف يوحد بين الترياق والسمّ». وهذا كله أنت واجد نماذج أخرى منه في أمكنه مختلفة من كتاب كاظم جهاد.
في مقال آخر بعنوان «أدونيس في ديوانه الأخير، تتقدم الشهوة والشعر لا يتقدم» يقدم الشاعر العراقي صلاح نيازي قراءة متعمقة ولماحة لعلاقة أدونيس الارتجالية والإشكالية بعبارات التراث وتصوراته لا تعادلها إلا إشكالية علاقته بالواقع نفسه الذي يجهد في عكسه أو تحويله في عبارته الشعرية. علاقة أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها تفتقر إلى التمعن والنفاذ والصدقية.
يستغرب صلاح نيازي إلحاح أدونيس في قصائده، كما في محاوراته ومقالاته على «المجهول» ومصطلحات أخرى وتوظيفها كأنها من بنات أفكاره- يرجع نيازي إلحاح أدونيس في قصائده، كما في محاوراته ومقالاته على «المجهول» ومصطلحات أخرى وتوظيفها كأنها من بنات أفكاره – يرجع نيازي مقولة المجهول هذه إلى رامبو الذي كتب كما يعرف الجميع في إحدى رسالتي «الرائي» في ضرورة «الكشف عن المجهول» وحاجة الشاعر في ذلك إلى «أشكال جديدة». كما ويحيل مقولة أدونيس في «تأسيس لغة عمودية» إلى باشلار مبتكر المصطلح نفسه، القائل إن الشعر إنما يحطم زمن الأطر الاجتماعية، “زمن الأشياء” و”زمن الحياة” من أجل بلوغ «زمن الذات – المركز، زمن تمحى فيه الأفقية المسطحة» ولا يعود الزمن يجري بل ينبجس».
ويحيل نيازي قول أدونيس «أتحدث عن هذا الكون الصغير: الإنسان» إلى صيغة مكرسة لدى هيراقليطس وابن عربي مفادها «إن الإنسان كون صغير» يتساءل المرء في الواقع عن فائدة الشعر عندما يتحول إلى اقتطاف عبارات مكرسة وانتشالها من سياقاتها الأصلية. هذه العبارات تنتشر في كتابات أدونيس بلا حصر. في قول أدونيس: «وأقول الصحارى في حدائق هذا الزمان» يرى نيازي قول إليوت الذي ترجمه أدونيس إلى جانب يوسف الخال: «الصحراء في الحديقة الحديقة في الصحراء».
وعندما يقول أدونيس: «الوصل فصل» فهو لا يفعل سوى أن يمتاح مباشرة من قول أبي يزيد البسطامي: «الوصل مثل الفصل ثم الفصل من الوصل».. ويرينا نيازي أن أدونيس إذ يكتب: «ويحلو لي أن أسمّي الصخرة ماء».. ومثل هذا كثير في شعره، فانه إنما يطّبق مبدأ التعارض الذي آمن به الصوفية.. ويضيف الناقد: «ثم ألم يكن مصدر «الصخرة ماء» من الآيات الثلاث التالية: «وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار»، و«قلنا اضرب بعصاك الحجر، فانفجرت منه إثنتا عشرة عينا»،و«أن أضرب بعصاك الحجر فانبجست منه أثنتا عشرة عينا».
إلى هذه السرقات والانتحالات، ما كان منها معروفا من قبل مثل النفري أو غير معروف (الأصمعي وابن الأثير)، وما كان بخصوصه حدس وتوقع مثل سان جون برس، يطرح الوهايبي في أطروحته أبياتا ومقاطع كثيرة لرامبو ونيرفال وتسارا وإيلوار تهيمن حدوسها الشعرية على غنائية أدونيس العشقية أو «خطراته» الكونية (فلسفة التاء) إلى الحد الذي يدفع الوهايبي إلى الاستنتاج أن الجسد لدى أدونيس إن هو إلا «جسد ثقافي» تساهم في تركيبه وتكوينه وتعين خارطته مساهمات ثقافية آتية من عصور عديدة.
الوهايبي يقرّ بأن أدونيس مهما فعل ومهما قام بنقل «خطابه» من مقام الوجد الإلهي إلى الوجد الإنسي، ووجه الخطاب للعاشقة «أيتها المكتوبة» وقد كان موجهاً «أيها المكتوب» يفشل في طمس كتابة النفري من أدبه. يفشل في هذا لسبب أساسي يتعلق بالبنية. سبب يتعلق بالإيقاع غير القابل للتذويب والإعادة الذي شكل الدرع الواقي لشعرية النفري.
كتب الوهايبي بهذا الصدد: لم يستطع أدونيس رغم الجهد الذي يبذله في توليف الدلالات الصوفية توليفا جديدا وصياغتها صياغة جديدة أن يطمس محمولها الميتافيزيقي وأن يستنفد وظيفتها الابيستمولوجية». مرد ذلك أنه «إذا كان أدونيس لم يتحرر من سلطان النفري فلأنه، وقد جارى لغة «المواقف والمخاطبات» وإشاراتها ورموزها، لم يجد بدا من مجاراة إيقاعها، وذلك أن الإيقاع في نص النفري يتصل بكل عنصر من عناصر الجملة ويلابسه ملابسة، فهو جرسه الصائت ومعناه المجرد في آن، يحل حيث تحل اللفظة وينبني حيث تنبني الجملة، ويقفل حيث تقفل الفاصلة، وليس قاعدة خارجية يخضع لها الشكل الشعري كما هو الشأن في القصيد الخليلي حيث تنعدم الصلة بين طبيعة المعاني وطبيعة الأفران.
إن الإيقاع في نص النفري يتوالف والحالة ويتناسق والصورة ويتناسب والقيمة، فاللغة هي التي تخلق الإيقاع، وتنهض بنفسها دليلا عليه، وليس الإيقاع الذي يركب اللغة على نظم موزون له تصميمه المجرد في نفس الشاعر» إلى أن يخلص الوهايبي إلى القول: «لعل هذا التلابس بين اللغة والإيقاع هو الذي يجعل من نص النفري نصا يتعذر توليده دون تقليده، وتتعذر مجاراة لغته دون مجاراة إيقاعه. فإذا حاول أحد أن يرفع منه كلمة ليضع مكانها أخرى، كما فعل أدونيس، اضطرب المعنى ولم يضطرب النغم، و«برز الموروث في حالة تهيج، فكأنه نص عقيم بعبارة ابن رشيق، أو شجرة رائعة لا تتمتع بجني كريم بعبارة عبد القادر»!.
طالما أدعى أدونيس التأسيس المطلق وقلما أقر بمصادره، وطالما زعم إحداث قطيعة إبيستمولوجية، وطمس آثار سابقيه ومعاصريه على شعره.
وحتى عندما يطيب لأدونيس أن يذكر بعض الصور التي قادته في عمله، فهو لا يذكرها إلا تعميما. يقول في حوار له: «تأثرت بالحركة السوريالية كنظرة، والسوريالية هي التي قادتني إلى الصوفية». أية صوفية؟ وأي متصوفة؟ يذكرنا الوهايبي بأن أدونيس «قد أغفل الإشارة إلى تأثره بالنفري في كل الحوارات الأدبية التي تحدث فيها بإسهاب عن مصادر تجربته الشعرية».
أليس من اللافت أن يكتب عام 1983مقدمة لأعماله الشعرية الكاملة فيشير إلى أن لكتابته أصولاً في تراث العرب، ولا يذكر سوى الإشارات الإلهية لأبي حيان التوحيدي؟
أليس من اللافت للنظر أن ينتظر الثمانينات حتى يخصه (أي النفري) بفصل في «الشعرية العربية»،لا ليتحدث عن تأثره به، وإنما عن كتابة النفري، معرفا به بعبارات مأخوذة هي نفسها من نص النفري ذاته؟.
في مقال له يتوقف الناقد العراقي الدكتور عبدالواحد لؤلؤة عند «النقل» الذي يمارسه أدونيس من أقوال الآخرين، كما في أخذه في «أغاني مهيار الدمشقي» النرجسية موضوعا للشعر عن الفرنسي بول فاليري، لكن حيثما يعالجها فاليري كمأساة وإشكالية يحوّلها أدونيس إلى مناسبة للعجب والزهو والهيام بالصورة الشخصية أو الاسم الشخصي.
وهنا تكمن في الواقع كل مأساة أدونيس. كتب فاليري: «ولكن أنا، نرجس المحبوب/ إلا بجوهر ذاتي وحده». كتب أدونيس: «لا أجد من أحبه. هل كثير إذن أيها الموت أن أحب نفسي؟». أو إطناب أدونيس في الكلام عن الكتابة والحروف والورق وربطها كلها بعمله «يرتاد أرض الغرابة/ غابة بعد غابة». أو يسير في «مناخ الحروف الجديدة»، والذي يراه الناقد آتيا دفعة واحدة من قول بيرس: «أنا حامل عبء الكتابة».
ومرة أخرى، فحيثما تتقدم الكتابة لدى بيرس باعتبارها مسؤولية وعبئا وامتحانا، يتصورها أدونيس مبعثاً للزهو والتفاخر. غطرسة معروفة منذ بدء الكتابة أنها لا يمكن أن تتم عن صدق كامل ولا في عمق تام في العلاقة بالكتابة التي هي أبدا وفاء وتهمّس، توسل وامتثال وتلمّس.
كما يذكرنا الناقد بكلام بيرس على لسان ربان السفينة عن وضوح كلامه إذ يتحدث عن البحر والمياه، لكن الآخرين يجدون كلامه غامضا، وتجد هذه الفكرة عند أدونيس: «لماذا كلما أوضحتْ أزددت غموضاً»؟
«بعد كل هذه المعرفة، أي غفران يرُتجى؟» يتساءل الناقد ويكتب: «إن الاعتراف أول خطوة نحو الغفران. لكن اعتراف أدونيس بالأخذ من الآخرين لا يأتي إلا مضبباً ومزهواً: «قراءة بودلير هي التي غيرت معرفتي بأبي نواس! وقراءة مالارميه هي التي أوضحت لي أسرار اللغة الشعرية وأبعادها الحديثة عند أبي تمام».
ويكتب عبد الواحد لؤلؤة في نهاية المطاف: «وأحسب لو إن أدونيس وضع من الهوامش في شعره قدر ما وضع السياب مثلاً، لكفى نفسه تعليقات كثيرة».ونتابع حديث سرقات أدونيس وانتحالاته ونهبه لنصوص الأدباء والشعراء الآخرين في عدد قادم.
ً



