من نقد الوعي الانتخابي إلى تفكيك صناعة الفرجة السياسية: قراءة نقدية في مقولة الشاعر بوجمعة العوفي/عبد العزيز الخبشي- المغرب

حين يصبح هذا الشعب المحروم منشغلا أكثر بمفاتن ومظاهر برلمانيات المغرب الجديدات، فهو يستحق ما آلت إليه نتائج الانتخابات !
تثير هذه المقولة للشاعر والناقد بوجمعة العوفي إشكالا يتجاوز ظاهرها الاحتجاجي على انحدار النقاش السياسي إلى مستوى المظاهر والصور، لتفتح أفقا للتأمل في علاقة الوعي الشعبي بالتمثيل الديمقراطي، وفي الكيفية التي تتحول بها السياسة من مجال للتنافس حول البرامج والمصالح الاجتماعية إلى مشهد استهلاكي تحكمه جاذبية الصورة وإغراء الفرجة. غير أن القيمة النقدية للمقولة لا تتحدد فقط بما تكشفه من اختلالات في الثقافة السياسية، بل أيضا بما تنطوي عليه من أحكام تحتاج إلى التفكيك، خصوصا حين تنتقل من نقد سلوك بعض المواطنين إلى إصدار حكم جماعي بأن الشعب يستحق نتائج الانتخابات التي أفرزتها المنظومة السياسية.
أولا: المقاربة التفكيكية — تفكيك التناقض الكامن في المقولة.
تسمح المقاربة التفكيكية، المستلهمة من فلسفة جاك دريدا، بقراءة التوتر الداخلي في خطاب بوجمعة العوفي، من خلال مساءلة العلاقة بين المفاهيم التي تبدو متقابلة: الحرمان والاستحقاق، الشعب والمسؤولية، المظهر والجوهر. فالمقولة تبدأ بوصف الشعب بأنه محروم، وهو وصف يحيل إلى واقع اجتماعي يتسم بالتفاوت والهشاشة وضعف الاستفادة من الثروة والخدمات والفرص، لكنها تنتهي إلى تحميل هذا الشعب مسؤولية ما آلت إليه نتائج الانتخابات، وكأن الحرمان الذي يعانيه لا يمنعه من امتلاك القدرة الكاملة على التحكم في شروط اختياره السياسي.
هنا يظهر التناقض المركزي: كيف يمكن أن يكون الشعب ضحية اختلالات اجتماعية وسياسية، ثم يصبح، في الوقت نفسه، مستحقا للعواقب التي تترتب عليها؟ وهل يكفي انشغال جزء من الرأي العام بمظاهر بعض البرلمانيات لإثبات أن المجتمع كله قد تخلى عن وعيه السياسي؟ إن التفكيك لا يسعى إلى إبطال المقولة بقدر ما يكشف حدودها، ويبين أن الحكم الأخلاقي على الشعب قد يحجب البنية التي تنتج السلوك المنتقد نفسه. فالمشكلة ليست بالضرورة في المواطن الذي يستهلك الصورة، وإنما قد تكون أيضا في النظام الإعلامي والسياسي الذي يجعل الصورة أكثر حضورا من البرنامج، والفرجة أكثر جاذبية من النقاش، والشخص أكثر انتشارا من الفكرة.
ثانيا: المقاربة الماركسية — من لوم الجماهير إلى تحليل البنية الاجتماعية.
من منظور المادية التاريخية والنقد الماركسي، لا يمكن تفسير الوعي السياسي بمعزل عن الشروط المادية والاجتماعية التي يتشكل داخلها. فالوعي ليس معطى مستقلا عن المجتمع، ولا يتطور في فراغ، بل يتأثر بعلاقات الإنتاج، وتوزيع الثروة، وشروط التعليم، وطبيعة العمل، وأشكال الهيمنة الثقافية والإعلامية. ومن ثم، فإن انشغال بعض المواطنين بمظاهر البرلمانيات لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير شامل لنتائج الانتخابات، لأن هذا الانشغال، حتى حين يكون قائما، لا يفسر وحده طبيعة الاختيارات الانتخابية ولا موازين القوى التي تحددها.
إن المجتمع الذي يعاني البطالة وغلاء المعيشة واتساع الفوارق المجالية والاجتماعية يحتاج إلى تحليل يربط الثقافة السياسية بالاقتصاد السياسي، لا إلى خطاب يختزل أزمته في ضعف الذوق أو تراجع الوعي. فحين تضعف قدرة المواطنين على التأثير في السياسات العمومية، وتتراجع ثقتهم في جدوى المشاركة، وتتحول البرامج الانتخابية إلى وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ، يصبح من الضروري مساءلة الشروط التي تنتج العزوف واللامبالاة، بدل الاكتفاء بإدانة نتائجهما الظاهرة.
ولا يعني ذلك إعفاء المواطن من مسؤوليته، بل وضع هذه المسؤولية في سياقها الطبقي والمؤسساتي. فالناخب مسؤول عن اختياراته بقدر ما تتوافر له شروط الاختيار الحر والمستنير، بينما تتحمل الأحزاب مسؤولية التأطير، وتتحمل المؤسسات مسؤولية ضمان المنافسة النزيهة، ويتحمل الإعلام مسؤولية تمكين المجتمع من معرفة البرامج والمواقف والنتائج. ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأهم ليس لماذا انشغل المحرومون بالمظاهر، بل كيف تُنتج البنية الاجتماعية والسياسية شروطا تسمح بتهميش القضايا التي تمس حياتهم اليومية؟
ثالثا: المقاربة الفوكوية — السلطة وصناعة الفرجة وتوجيه الانتباه.
تتيح مقاربة ميشيل فوكو للسلطة والخطاب أن ننظر إلى الفرجة السياسية باعتبارها أكثر من مجرد انحراف في سلوك المتلقي؛ إنها أيضا نتيجة لطريقة تنظيم المجال العام، وتوزيع الرؤية، وتحديد ما يستحق الاهتمام وما يمكن دفعه إلى الهامش. فالسلطة لا تعمل فقط من خلال القوانين والمؤسسات والإكراه، بل تؤثر كذلك في تشكيل الخطابات، وفي إنتاج الصور والتمثلات التي يصبح المجتمع من خلالها قادرا على رؤية السياسة أو عاجزا عن إدراك بعض أبعادها.
حين تتصدر المظاهر الشخصية لبعض البرلمانيات النقاش الرقمي، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بمراقبة الحكومة والتشريع والعدالة الاجتماعية وتقييم السياسات العمومية، فإننا نكون أمام اختلال في ترتيب الأولويات داخل المجال العام. لكن هذا الاختلال لا يمكن نسبته إلى الجمهور وحده؛ إذ تتدخل فيه آليات الانتشار الرقمي، واقتصاد الانتباه، والمنافسة على المشاهدات، وطبيعة المحتوى الذي تكافئه المنصات الإعلامية.
إن الفرجة ليست نقيضا خارجيا للسياسة دائما، بل قد تصبح إحدى الأدوات التي يعاد بواسطتها تقديم السياسة نفسها في صورة استهلاكية، تُختزل فيها الشخصيات في أجسادها ومظاهرها، وتتحول القضايا العامة إلى خلفية باهتة لصناعة النجومية. ومع ذلك، لا يجوز اعتبار كل اهتمام بالمظهر دليلا على غياب الوعي، ولا افتراض أن الجمهور يتلقى الصور بصورة سلبية مطلقة؛ فالمواطن قد يشاهد ويعلق وينتقد ويسخر، لكن السؤال هو ما إذا كان هذا التفاعل يتحول إلى معرفة سياسية ومحاسبة فعلية أم يبقى محصورا في الاستهلاك اللحظي.
رابعا: المقاربة السيميائية — حين تتقدم العلامة على المضمون.
تساعد السيميائيات، كما تطورت في أعمال رولان بارت، على فهم الكيفية التي تتحول بها المظاهر إلى علامات تحمل معاني اجتماعية وسياسية تتجاوز صورتها المباشرة. فاللباس والأناقة والحضور أمام الكاميرا وطريقة التواصل ليست مجرد تفاصيل شكلية؛ إذ يمكن أن تتحول إلى عناصر في بناء صورة المرشح أو المرشحة، وإنتاج الانطباع بالكفاءة أو الحداثة أو القرب من الجمهور، حتى عندما لا تكون لهذه الانطباعات علاقة مثبتة بالأداء السياسي الفعلي.
في هذا السياق، تصبح البرلمانية أحيانا علامة إعلامية قبل أن تكون فاعلة مؤسساتية، ويصبح حضورها البصري قابلا للاستهلاك والتداول بمعزل عن مواقفها التشريعية والرقابية. إن الخطر لا يكمن في الأناقة أو الجاذبية في حد ذاتهما، بل في استبدال الدلالة الشكلية بالمعيار السياسي، بحيث يُقاس الحضور بما يثيره من اهتمام، لا بما يحققه من أثر في حياة المواطنين.
غير أن النقد السيميائي يقتضي أيضا الحذر من إعادة إنتاج المنطق نفسه الذي ينتقده. فإذا كان الخطاب يعترض على اختزال السياسة في مفاتن البرلمانيات، ثم يجعل أجسادهن ومظاهرهن محور التقييم، فإنه يظل أسير العلامة التي يدعي تجاوزها. كما أن تخصيص النساء بالنقد قد يعيد إنتاج تصور ذكوري يقيس حضورهن من خلال المظهر، بدل التعامل معهن باعتبارهن فاعلات سياسيات يخضعن للمعايير نفسها التي يخضع لها الرجال.
لذلك، فإن المعيار الديمقراطي السليم لا يسأل عن مظهر البرلمانية، بل عن طبيعة ممارستها السياسية، وعن استقلالية قرارها، ومواقفها من القضايا الاجتماعية، ومدى خضوعها للمساءلة العمومية.
خامسا: المقاربة التداولية والخطاب النقدي — من المسؤول عن النتائج الانتخابية؟
من منظور تحليل الخطاب، لا تنقل مقولة بوجمعة العوفي ملاحظة اجتماعية فحسب، بل تنجز فعلا خطابيا يتمثل في التوبيخ والإدانة، وتستند إلى صيغة شرطية تنتهي بحكم قيمي قاطع: إذا انشغل الشعب بالمظاهر، فإنه يستحق نتائج الانتخابات. وتكمن قوة هذه الصيغة في حدتها البلاغية وقدرتها على استفزاز القارئ، لكن مكمن ضعفها يتمثل في تحويل علاقة معقدة ومتعددة الأسباب إلى علاقة سببية تبدو مباشرة: الانشغال بالمظاهر يؤدي إلى نتائج انتخابية سيئة، ومن ثم يستحق الشعب تبعاتها.
هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة تتجاوز الانطباع. فلا يكفي رصد انتشار صور بعض البرلمانيات لإثبات أن هذه الصور أثرت في اختيارات الناخبين، كما لا يمكن الجزم بأن نتائج الانتخابات تعكس مستوى الوعي السياسي وحده. فالنتائج تتأثر بطبيعة العرض الحزبي، والموارد المالية، وشبكات المصالح، ودرجة الثقة في المؤسسات، ونمط المشاركة، وشروط المنافسة، فضلا عن عوامل محلية واجتماعية متعددة.
كما أن عبارة «الشعب يستحق» تنقل النقاش من مستوى تفسير الظاهرة إلى مستوى إصدار حكم أخلاقي على جماعة واسعة ومتنوعة. وهنا ينبغي التمييز بين مساءلة المواطن عن اختياراته وبين تحويل المسؤولية الانتخابية إلى عقاب جماعي؛ فالشعب ليس كتلة متجانسة، ولا يصوت جميع أفراده بالطريقة نفسها، ولا يشارك جميعهم في الانتخابات، ولا يتحملون بالدرجة نفسها مسؤولية النتائج المترتبة عليها.
إن الخطاب النقدي الأكثر صلابة هو الذي يحدد المسؤوليات بدقة، ويميز بين الناخب والمرشح والحزب والمؤسسة والإعلام، بدل جمعهم في حكم واحد يعفي بعض الفاعلين من المساءلة ويحمّل المجتمع بأكمله وزر الاختلالات.
سادسا: المفارقة الديمقراطية — هل يستحق الشعب الحرمان لأنه لم يحسن الاختيار؟
تصل المقولة إلى أخطر نقطة فيها حين توحي بأن الشعب المحروم يستحق ما انتهى إليه لأنه انشغل بما لا ينبغي أن ينشغل به. فهذه الصيغة قد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى منطق يبرر المعاناة الاجتماعية باعتبارها نتيجة مستحقة لسوء الاختيار، عوض النظر إليها بوصفها قضية سياسية تستوجب المحاسبة والإصلاح.
إن الديمقراطية لا تعني أن يتحمل المواطن وحده تبعات الاختيارات الانتخابية، بل تعني أيضا أن يخضع المنتخبون للمحاسبة، وأن تتوافر للمواطنين وسائل تصحيح اختياراتهم، وأن تظل المؤسسات مسؤولة أمام المجتمع. وحتى حين يرتكب الناخبون أخطاء في تقديرهم أو ينجذبون إلى وعود وشعارات مضللة، فإن ذلك لا يسقط حقهم في الشغل والتعليم والصحة والكرامة، ولا يبرر استمرار السياسات التي تنتج الفقر والتهميش.
فالحقوق الاجتماعية ليست مكافأة تمنحها السلطة للشعب حين يحسن التصويت، وليست عقوبة تحجب عنه حين يخطئ الاختيار؛ إنها حقوق ترتبط بالمواطنة والعدالة، وتفرض على الدولة والمؤسسات واجبات لا يجوز تعليقها على مستوى الوعي الانتخابي.
ومن هنا، فإن النقد الذي يبدأ بالدفاع عن وعي المجتمع ينبغي ألا ينتهي إلى إدانة المجتمع نفسه. فالمطلوب ليس تبرئة الناخب من مسؤوليته، وإنما تحرير هذه المسؤولية من التبسيط، وربطها بشروطها الواقعية، حتى تصبح مدخلا إلى بناء وعي سياسي نقدي، لا وسيلة لإنتاج اليأس أو السخرية من الفئات المحرومة.
خاتمة: نحو نقد يفضح صناعة الفرجة ولا يدين ضحاياها.
تلتقط مقولة بوجمعة العوفي جانبا من أزمة الثقافة السياسية المعاصرة، حيث تستطيع الصورة أن تنافس البرنامج، ويستطيع الحضور الرقمي أن يحجب الأداء المؤسساتي، وقد تتراجع القضايا الاجتماعية أمام إغراء الفرجة. لكنها، في المقابل، تحتاج إلى مراجعة نقدية حتى لا يتحول الاحتجاج على سطحية النقاش إلى تعميم على الشعب، ولا تتحول مساءلة الناخب إلى تبرئة ضمنية للأحزاب والمؤسسات والفاعلين الذين يصنعون المجال السياسي.
إن الاستفادة من المناهج التفكيكية والماركسية والفوكوية والسيميائية وتحليل الخطاب تقودنا إلى نتيجة أساسية: لا يكفي أن نلوم المجتمع على ما يستهلكه من صور، بل ينبغي أن نفهم كيف تُنتج هذه الصور، وكيف تكتسب جاذبيتها، وكيف تتراجع أمامها القضايا العامة، ومن يستفيد سياسيا وإعلاميا من هذا التحول.
وعليه، فإن البديل عن خطاب «الشعب يستحق ما آلت إليه الانتخابات» هو خطاب يربط بين النقد والمساءلة، وبين الوعي والشروط الاجتماعية، وبين حرية الاختيار ونزاهة المنافسة. فالشعب لا يستحق الحرمان لأنه انشغل بالفرجة؛ بل يستحق أن يستعيد السياسة من منطق الفرجة، وأن تتحول الانتخابات من موسم لتسويق الأشخاص إلى آلية ديمقراطية لمحاسبتهم، ومن مناسبة لاستهلاك الصور إلى فرصة للتنافس حول البرامج والمشاريع والمصالح الاجتماعية.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا أمام بوجمعة العوفي وكل من يتقاسم معه هذا القلق النقدي هو: هل تكمن أزمة الديمقراطية في أن الشعب أصبح متفرجا على السياسة، أم في أن السياسة نفسها أُعيد إنتاجها بطريقة تجعل الشعب متفرجا، والمنتخب نجما، والبرنامج مجرد تفصيل ثانوي؟



