حين يموت الإنسان قبل أن يموت: قراءة في نص جثة تأخرت عن الموت لعتيقة هاشمي/عبد العزيز الخبشي- المغرب

نص الكاتبة: عتيقة هاشمي- المغرب.
“جثة تأخرت عن الموت!..
صباح هذا اليوم، استيقظت باكرًا.. كان يساورني إحساس غير مألوف.. اكتشفت أنني ميتة.. بقيت صامتة، لكنني لم أتفاجأ..
تحسست قلبي، كان ينبض.. نهضت من فراشي، وتوجهت نحو النافذة، فتحتها.. كان كل شيء عاديا.. وقفت أمام المرآة، فرأيت وجهًا لم يتغير.. سألتها: إذن، من الذي مات إذا لم أكن أنا؟!.. لم تجبني..
نظرت إلى الساعة.. كانت عقاربها متوقفة عند منتصف الليل..
خرجت إلى الشارع.. كان الناس يمشون في كل اتجاه.. والمدينة تزدحم بأصوات الحياة.. حاولت أن أصرخ، أن أخبر العالم أنني ميتة، لكن صوتي خرج مألوفا، كأن الموت سرّ لا يحق للأحياء معرفته.. عند المساء، عدت إلى بيتي.. جلست على الأريكة أنتظر الموت..
انتظرته طويلًا.. مضى الليل، ثم جاء الصباح، وما زال نبض قلبي يخونني.. بعد أيام، بدأت أفهم أن موتي لم يكن حدثا، بل كان انتظارا.. كنت حينها قد توقفت عن الخوف، وعن الرغبة، وعن السؤال.. لم أعد أريد شيئا من هذا العالم، وربما لهذا السبب لم يعد بدوره ينتظر مني شيئا..
ذات ليلة، جلست أمام النافذة أتأمل الظلام.. سألته: كم يحتاج الميت كي يموت؟ جاءني صوت من داخلي: ربما لا يموت من فقد الحياة.. بل يموت من لم يعد يبحث عنها.. أغمضت عيني.. وللمرة الأولى، لم أعد أنتظر شيئا..
في صباح الغد، حين فتحت عيني.. لم أعرف هل عدت إلى الحياة، أم اكتشفت أنني كنت حية طوال الوقت.. نهضت من مكاني، وكان ذلك كافيًا..”
يكتسب نص «جثة تأخرت عن الموت» للكاتبة عتيقة هاشمي قيمته الأدبية من تلك المفارقة الوجودية التي ينهض عليها منذ عتبته الأولى: كيف يمكن لإنسان أن يكون حيًا بجسده، ميتًا في داخله؟ وكيف يمكن للموت، الذي يبدو في الوعي الإنساني لحظة فاصلة ونهائية، أن يتحول إلى حالة ممتدة من الانتظار، وفقدان الرغبة، وانطفاء السؤال؟ من هنا لا تبدو القصة مجرد حكاية عجائبية عن امرأة تستيقظ لتكتشف أنها ميتة، وإنما تتحول إلى تأمل سردي عميق في معنى الحياة والموت والاغتراب عن الذات، وفي تلك المنطقة الملتبسة التي لا يعود فيها الإنسان قادرًا على التمييز بين أن يكون حيًا وأن يواصل فقط أداء الحياة.
تنتمي القصة، من حيث طبيعتها الفنية، إلى تخوم القصة القصيرة جدًا والقصة النفسية ذات المنزع الفلسفي، مع حضور واضح للعجائبي والرمزي. غير أن العجائبية فيها ليست هدفًا مستقلًا، بل أداة فنية لقول حقيقة نفسية ووجودية. فالكاتبة لا تريد إقناعنا بأن امرأة ماتت ثم استمرت في الحركة والكلام، بقدر ما تريد أن تجعلنا نختبر ذلك الإحساس المخيف الذي قد يعيشه الإنسان حين يستمر جسده في الحياة بينما تنسحب من داخله الرغبة والمعنى.
العنوان نفسه «جثة تأخرت عن الموت» يقوم على مفارقة لغوية ودلالية ذكية؛ فالجثة هي في الأصل نتيجة الموت، ولذلك فإن القول إنها «تأخرت عن الموت» يقلب العلاقة المنطقية بينهما ويضع القارئ منذ البداية أمام سؤال فلسفي: هل الموت هو توقف القلب، أم توقف الإنسان عن البحث عن سبب للاستمرار؟ إن العنوان لا يقدم حدثًا بقدر ما يفتح بابًا للتأويل، ويجعل الموت مفهومًا قابلًا لإعادة التعريف.
تستيقظ الشخصية ذات صباح بإحساس غامض بأنها ميتة. لكنها لا تصرخ ولا تنهار، بل تتعامل مع الأمر بهدوء يكشف أن الموت الذي تتحدث عنه ليس مفاجئًا تمامًا، وإنما كان حاضرًا في أعماقها قبل أن تعترف به. تتحسس قلبها فتجده ينبض، تنظر في المرآة فتجد وجهًا لم يتغير، تفتح النافذة فترى العالم مستمرًا في عادته اليومية. كل شيء يبدو طبيعيًا، إلا هي. وهنا تتأسس المفارقة الكبرى في النص: العالم حي، والجسد حي، لكن الذات تشعر بأنها غائبة.
المرآة تؤدي وظيفة رمزية أساسية. إنها تعكس الوجه، لكنها لا تستطيع أن تكشف ما وراءه. وحين تسألها الشخصية: «من الذي مات إذا لم أكن أنا؟»، لا تجيب. صمت المرآة ليس عجزًا، وإنما يحمل دلالة عميقة؛ فالهوية الإنسانية لا يمكن اختزالها في الصورة الخارجية. قد يكون الوجه كما هو، والعينان كما هما، والقلب ينبض، لكن شيئًا أكثر جوهرية قد يكون قد انطفأ. وهنا تتحول المرآة من أداة لرؤية الملامح إلى أداة لاكتشاف غياب الذات.
أما الساعة المتوقفة عند منتصف الليل، فتفتح مستوى آخر من مستويات القراءة. فالزمن هنا ليس مجرد زمن فيزيائي، وإنما زمن نفسي. منتصف الليل هو الحد الفاصل بين يوم ينتهي وآخر يبدأ، بين الماضي والمستقبل، بين الضوء والظلام، وبين الحياة والموت. وحين تتوقف عقارب الساعة عنده، يبدو أن الشخصية عالقة في منطقة بينية؛ لا تستطيع العودة إلى حياتها السابقة، ولا تستطيع العبور إلى موتها المفترض. إنها تعيش في زمن الانتظار، وكأن حياتها أصبحت معلقة بين احتمالين.
وحين تخرج إلى الشارع، تزداد حدة المفارقة. الناس يمشون، المدينة تضج، أصوات الحياة تملأ المكان، والعالم لا يبدو معنيًا بموتها. تحاول أن تصرخ بأنها ميتة، لكن صوتها يخرج مألوفًا، كأن الموت سر شخصي لا يستطيع الآخرون رؤيته. وهنا تبلغ القصة واحدة من أكثر طبقاتها النفسية عمقًا: يمكن للإنسان أن يكون وسط الزحام ومع ذلك يعيش عزلة مطلقة. وقد يكون أكثر أنواع الوحدة قسوة أن تعجز عن جعل الآخرين يرون ما يحدث في داخلك.
غير أن الموت الحقيقي لا يظهر دفعة واحدة، بل يتكشف بالتدريج حين تقول الشخصية إنها توقفت عن الخوف والرغبة والسؤال. هذه الثلاثية بالذات تكشف فلسفة النص. فالخوف دليل على التشبث بالحياة، والرغبة دليل على التطلع إلى المستقبل، والسؤال دليل على استمرار الوعي والبحث عن المعنى. وحين تختفي هذه العناصر، لا يبقى من الحياة إلا شكلها الخارجي. لذلك فإن الموت، وفق منطق النص، ليس نقيض الحياة فقط، بل قد يكون حالة من حالات الحياة حين تفقد روحها.
وهنا يتحول النص إلى تأمل وجودي في الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي قد يستمر في أداء أدواره اليومية، لكنه يفقد تدريجيًا علاقته بنفسه. يعيش، يعمل، يبتسم، يلتقي الآخرين، ثم يعود إلى وحدته محملًا بإحساس غامض بأنه لم يعد يعيش، وإنما يؤجل موته فقط. ومن هذه الزاوية، تصبح «الجثة» استعارة للإنسان الذي استسلم للفراغ، بينما يصبح «تأخر الموت» استعارة لاستمرار الجسد في غياب المعنى.
لكن النص لا يستسلم لهذا العدم. ففي لحظة التأمل أمام النافذة، يأتي السؤال من الظلام: «كم يحتاج الميت كي يموت؟» ويأتي الجواب من الداخل: «ربما لا يموت من فقد الحياة.. بل يموت من لم يعد يبحث عنها». هنا يحدث التحول الأهم في البناء الدلالي للقصة؛ فالصوت الذي كان مطلوبًا من العالم يأتي أخيرًا من الذات. الإجابة ليست خارج الشخصية، ولا في المرآة، ولا في الشارع، ولا في الساعة، وإنما في أعماقها.
وتأتي النهاية لتمنح النص بعده الإنساني الأجمل. حين تستيقظ الشخصية في الصباح لا تعرف هل عادت إلى الحياة أم اكتشفت أنها كانت حية طوال الوقت. هذا التردد لا يمثل نقصًا في اليقين، بل هو جوهر المعنى. فالعودة إلى الحياة لا تحتاج دائمًا إلى معجزة؛ قد تبدأ بفعل بسيط جدًا: أن ينهض الإنسان من مكانه. ولذلك فإن العبارة الأخيرة «نهضت من مكاني، وكان ذلك كافيًا» تختزل فلسفة النص كلها. فالنهوض هنا ليس حركة جسدية فحسب، بل فعل مقاومة، وإعلان عن استعادة الإرادة، ورفض لأن يتحول الانتظار إلى قدر.
بهذا المعنى، تنجح عتيقة هاشمي في كتابة نص يتجاوز حكايته القصيرة ليصبح سؤالًا مفتوحًا أمام القارئ: كم مرة نكون أحياء بأجسادنا، وموتى في رغباتنا؟ وكم مرة ننتظر الحياة بدل أن نذهب إليها؟ إن «جثة تأخرت عن الموت» لا تحكي عن امرأة تخاف الموت، وإنما عن إنسان اكتشف، في اللحظة الأخيرة، أن أخطر ما يمكن أن يحدث له ليس أن يموت، بل أن يتوقف عن البحث عن الحياة. وفي هذا تكمن قوة النص وجماله: أن الموت فيه ليس نهاية، وإنما سؤال، وأن الحياة ليست مجرد نبض، وإنما قدرة متجددة على النهوض.





