جدلية الانتظار وانكسار أفق المستقبل: قراءة تأويلية في مقولة حميد جماهري/عبد العزيز الخبشي- المغرب

تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، مجرد تأمل شعري عابر في المستقبل، غير أنها سرعان ما تكشف، عبر بنيتها اللغوية المكثفة، عن نص مفتوح على مستويات متعددة من التأويل، بحيث يتحول السؤال الفردي إلى سؤال حضاري يمس علاقة الإنسان بالزمن، وبالأمل، وبالتحولات العميقة التي تصيب العالم المعاصر. إن حميد جماهري لا يكتب عن المستقبل بوصفه زمنا سيأتي، بل يكتب عنه باعتباره بناءً ذهنيا وثقافيا ظل الإنسان يشيده عبر الذاكرة والتجربة والرغبة، ثم وجد نفسه فجأة أمام احتمال انهياره.
تبدأ العبارة باستفهام: «من أين لي أن أعرف؟»، وهو استفهام لا يبحث عن جواب، بل يؤسس لما يسميه بول ريكور بـ«هرمينوطيقا الشك»، حيث يصبح السؤال وسيلة لتقويض اليقين، وليس لاستعادته. فالذات المتكلمة لا تمتلك الحقيقة، وإنما تعترف بحدود معرفتها أمام زمن لا يمكن التنبؤ به. ويرى ريكور أن الزمن لا يكتسب معناه إلا من خلال السرد والتأويل، لأن الإنسان لا يعيش الزمن كما هو، بل كما يرويه ويفسره. ومن هذا المنطلق، فإن جماهري يعيد كتابة الزمن من داخل القلق، لا من داخل الاطمئنان، ليجعل المستقبل موضوعاً للريبة بدلا من أن يكون امتدادا طبيعيا للأمل.
ويحضر الزمن، في هذا النص، بوصفه الشخصية المركزية، وليس مجرد إطار للأحداث. وهنا يمكن استحضار تصورات جيرار جينيت حول الزمن السردي، الذي يميز بين زمن الوقائع وزمن الخطاب. فالنص لا يسرد أحداثا، وإنما يبني علاقة متوترة بين حاضر الانتظار ومستقبل يبدو أنه سبق أن غيّر اتجاهه. إن الفعل «تغيّر» يمنح المستقبل وجوداً مستقلاً عن إرادة الإنسان، وكأن الزمن أصبح فاعلا تاريخيا يمتلك قراره الخاص، بينما تحولت الذات إلى متلقٍّ عاجز عن إدراك ما يجري.
ومن الناحية الفلسفية، يستدعي النص تصور غاستون باشلار للزمن النفسي، حيث لا يقاس الزمن بالساعات، وإنما بكثافة الشعور. فالانتظار هنا ليس مدة زمنية، بل حالة وجودية ممتدة. إن عبارة «ما زلنا ننتظره» تختزل سنوات من التعليق النفسي، وتكشف أن الإنسان يعيش على وعد الغد أكثر مما يعيش في واقعه. ولذلك فإن صدمة النص لا تكمن في تغير المستقبل وحده، وإنما في انهيار الثقة التي منحها الإنسان لذلك المستقبل.
ويكتسب لفظ «جميلاً» أهمية دلالية خاصة؛ فهو ليس وصفا موضوعيا للمستقبل، وإنما يعكس الصورة التي رسمها الوعي الإنساني عنه. وهنا يلتقي النص مع أطروحة الفيلسوف إرنست بلوخ في «مبدأ الأمل»، إذ يرى أن الإنسان يعيش دائماً على إمكانية لم تتحقق بعد، وأن الأمل هو الطاقة التي تمنحه القدرة على تجاوز الواقع. غير أن جماهري يقلب هذه المعادلة رأسا على عقب، حين يوحي بأن المستقبل لم يعد وفياً لذلك الأمل، بل انحرف عنه.
إن الجملة الأخيرة: «قد تغير فعلاً… نحو الأسوأ»، تمثل الذروة البلاغية للنص. فمن الناحية التداولية، تبدأ بأداة احتمال «قد»، لكنها سرعان ما تُحسم بكلمة «فعلاً»، لينتقل المعنى من الشك إلى شبه اليقين. وهذه الحركة الدلالية السريعة تعكس التحول من الوهم إلى الصدمة، ومن الانتظار إلى الخيبة.
وفي ضوء جمالية التلقي، كما بلورها هانس روبرت ياوس، فإن النص يشتغل على خيبة «أفق التوقع». فالقارئ، وهو يتابع العبارة، ينتظر استمرار الحديث عن مستقبل جميل، غير أن النهاية تنقض هذا التوقع تماما. ويرى ياوس أن القيمة الجمالية للنص تزداد كلما استطاع أن يزعزع انتظارات المتلقي ويعيد تشكيلها، وهو ما يتحقق هنا بوضوح، إذ يجد القارئ نفسه مضطرا إلى إعادة قراءة النص بعد نهايته، لأن الخاتمة تعيد تأويل البداية.
أما على مستوى البنية اللغوية، فإن النص يقوم على اقتصاد تعبيري بالغ الكثافة. فلا وجود لأي حشو أو وصف فائض، وإنما تعتمد الدلالة على التوتر بين الكلمات. ويذهب صلاح فضل، في تحليلاته للأسلوبية الحديثة، إلى أن القيمة الجمالية للنص لا تنبع من كثرة الألفاظ، وإنما من العلاقات التي تنشأ بينها داخل النسق. وهذا ما نجده في التقابل بين «جميلاً» و«الأسوأ»، حيث تتحول الثنائية إلى قطبين متناقضين يختزلان رحلة الإنسان من التفاؤل إلى القلق.
ومن منظور السيميائيات، كما طورها محمد مفتاح، فإن النص ليس مجموعة كلمات، بل شبكة من العلامات المتفاعلة. فالاستفهام علامة على اللايقين، والانتظار علامة على الامتداد، والتغير علامة على الانقطاع، والأسوأ علامة على الانهيار القيمي. وداخل هذه الشبكة تنتج الدلالة بوصفها علاقة بين العلامات، لا بوصفها معنى معجميا مستقلا. ولذلك فإن النص يظل قابلا لقراءات متعددة، لأنه لا يقدم حقيقة نهائية، بل يفتح فضاءً للتأويل.
وإذا انتقلنا إلى المنظور السردي عند سعيد يقطين، وجدنا أن النص، رغم قصره، يبني ما يمكن تسميته «سردية الاحتمال». فلا توجد شخصيات ولا أحداث، لكن هناك حركة سردية كاملة تنتقل من السؤال إلى الانتظار، ومن الانتظار إلى الاكتشاف، ومن الاكتشاف إلى الصدمة. وهذه الحركة تكفي لإنتاج بنية سردية مصغرة، تؤكد أن السرد ليس رهين الحكاية الطويلة، وإنما رهين وجود تحول دلالي داخل النص.
ومن زاوية النقد الثقافي، تتجاوز العبارة بعدها الذاتي لتصبح تشخيصا لحالة الإنسان المعاصر. فقد تأسست الحداثة على الإيمان بأن المستقبل سيكون أفضل بفضل العقل والعلم والتقدم، غير أن الأزمات الاقتصادية، والحروب، والانهيارات البيئية، واتساع الفجوات الاجتماعية، جعلت هذا الوعد موضع مساءلة. وهكذا يتحول النص إلى مساءلة للفكرة الحداثية ذاتها، لا لمجرد تجربة فردية.
كما يمكن قراءة النص بوصفه نقدا لثقافة الانتظار التي تجعل الإنسان يعلق خلاصه على زمن لم يأت بعد. فالانتظار، في هذا السياق، ليس أملا فاعلا، بل استسلاما لفكرة أن المستقبل سيصحح أخطاء الحاضر تلقائيا. غير أن النهاية تكشف أن المستقبل نفسه قد يكون ضحية لإهمال الحاضر، وأن الغد لا يتحسن تلقائيا، بل يُبنى بالفعل الإنساني.
وتؤدي علامات الحذف «…» وظيفة جمالية وتأويلية دقيقة. فهي ليست مجرد توقف صوتي، وإنما فراغ دلالي يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى. إنها، بلغة أمبرتو إيكو، مساحات يتركها النص للقارئ كي يملأها بخبرته ووعيه، وهو ما يمنح العبارة طابعها المفتوح والمتجدد.
وفي المحصلة، استطاع حميد جماهري، في أربعة أسطر فقط، أن يختزل مأساة الإنسان المعاصر في علاقته بالمستقبل. فالعبارة لا تعلن موت الأمل، لكنها تنبه إلى هشاشته حين يتحول إلى مجرد انتظار. كما أنها لا تدعو إلى التشاؤم، بل إلى إعادة التفكير في مفهوم المستقبل ذاته، باعتباره مشروعا تاريخياً تصنعه الإرادة الإنسانية، لا قدرا جاهزاً يأتي من تلقاء نفسه. ومن هنا تتجلى القيمة الأدبية للنص؛ فهو يجمع بين الكثافة الشعرية، والعمق الفلسفي، والانفتاح التأويلي، ويؤكد أن النص العظيم ليس ما يجيب عن الأسئلة، بل ما يوقظها في وعي القارئ ويجعله يعيد النظر في يقيناته. وهكذا يغدو سؤال جماهري سؤالا وجوديا يتجاوز اللحظة التي كُتب فيها، ليظل صالحاً لكل زمن يشعر فيه الإنسان بأن المستقبل الذي حلم به قد بدأ، بصمت، يتجه نحو الأسوأ.



