في التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايل
(١) تمهيد
يتخذ التفكيك مظاهر عديدة: مرةً يبدو موقفًا فلسفيًّا، وثانيةً يكون استراتيجيةً سياسية أو فكرية، ومرةً ثالثة يبدو طريقةً في القراءة. وبالطبع، ينشغل دارسو الأدب ونظريته انشغالًا أكبر بقوة التفكيك بوصفِه منهجًا في القراءة والتفسير والتأويل. ولأن غايتنا، هنا، شرح الكيفية التي يُمارس بها التفكيك دورًا في الدراسات الأدبية، ثم تقييم هذا الدور، فسنجعل التفكيكَ من حيث كونه استراتيجيةً فلسفية نقطة البداية.١
قد نرى أن التفكيكَ — بوصفه استراتيجية ضمن حدود الفلسفة واستراتيجية بحث في الفلسفة — ممارسةٌ تريد القيام بمناقشةٍ دقيقة جدًّا في داخل الفلسفة، كما تريد — في الآن نفسه — إزاحة المقولات الفلسفية أو المساعي الفلسفية المُهيمنة. ومِن ثمَّ، يصِف دَريدا «استراتيجية تفكيك شاملة» على النحو الآتي: «في التعارُض الفلسفي التقليدي لسْنا أمام تعايُشٍ آمِنٍ بين الطرفين المتقابلَين، بل نحن أمام تراتُبية قامعة؛ إذ يُهيمن أحد الطرفَين على الآخر (قيميًّا ومنطقيًّا … إلخ.) فيحتل بذلك موقع السيد. ويقتضي تفكيكُ التعارُض — أولًا وعند لحظةٍ معيَّنة — قلْبَ to reverse تلك التراتبية» (مواقع، ص ص٤١، ٥٦-٥٧).
وهذا القلْب خطوة رئيسة في التفكيك، لكنه ليس سوى خطوة أولى. ويتابع دَريدا وصف هذه الاستراتيجية الشاملة موضحًا أنه يتحتَّم على التفكيك «قلب التعارُض الكلاسيكي وإزاحة النسق إزاحةً شاملة، عبر إيماءة مزدوِجة وعلم مزدوِج وكتابة مزدوِجة. وبهذا الشرط وحده، يُقدم التفكيك أدواتٍ من أجل قلقلة حقل التعارُضات الذي ينتقِده والذي هو أيضًا حقل إلزاماتٍ أو قوًى غير خطابية» (هوامش الفلسفة، ص٣٩٢/SEC ص١٩٥). وعليه، يشتغل مُمارِس التفكيك ضمن حدود العلاقات المُتبادلة في النسَق بهدف تصديع النسق.
ثم يُقدم دَريدا صياغةً أخرى لهذه الاستراتيجية الشاملة، على النحو الآتي: «إن «تفكيك» الفلسفة يعني، إذن، الاشتغال عبر الجينالوجية التي شَيَّدَت مفاهيمَ الفلسفة اشتغالًا يُقِيمُ عند هذه المفاهيم إقامةً يُداخلها الشكُّ، ويُعَيِّنُ في الوقت نفسه — من منظورٍ خارجي ليس بالإمكان منحه اسمًا أو وصفًا بعدُ — ما قد حجبَه هذا التاريخ أو أبعده؛ ذلك التاريخ الذي أنشأ نفسَه من أوله إلى آخِره تاريخًا لهذا القمع. وها هنا يكمُن الرهان» (مواقع، ص ص٦، ١٥).
ويُمكننا إضافة صياغة ثالثة إلى الصياغتَين السابقتَين، هي: إن تفكيك خطابٍ يعني إظهارَ الكيفية التي بها يجعل الخطابُ أسسَ الفلسفة تشرع في التآكُل حين يؤكِّدها هذا الخطابُ. أو يعني إظهارَ الكيفية التي تشرع بها التعارُضات التراتُبية التي يتكِئ عليها الخطاب في التآكُل. ولن يحدث ذلك إلا عن طريق تعيين ماهية العمليات البلاغية الناشطة التي تُنتِج الأساسَ المُفترَض الذي يُقِيمُ البرهانَ في النص، سواء أكان هذا الأساس مفهومًا مفتاحيًّا أم مقدمة منطقية. وعلى اختلاف تلك الصياغات الواصفة لاستراتيجية التفكيك الشاملة فيما تُشدِّد عليه، نجدها تميل حين الممارسة إلى الالتقاء عند نقطة واحدة. ولإيضاح ذلك سنتأمَّل بإيجازٍ حالةً مِن التفكيك يقوم بها نيتشه، ألا وهي تفكيكه لمبدأ السببية.
إن السببية مبدأ رئيس من مبادئ جنسنا البشري؛ إذ ليس بمقدورنا أن نحيا أو نُفكر — مثلما تعوَّدنا دائمًا — من دون افتراض أن حدثًا يتسبَّب في حدثٍ آخر، وأن الأسباب تُولِّد النتائجَ على الدوام. ولْنلاحظ، عند هذا المستوى، أن مبدأ السببية ينطوي على تأكيد أسبقية السبب المنطقية والزمنية على النتيجة. ولكن نيتشه يرى في شذرات من كتابه إرادة القوة Will to Power أن مفهوم البنية السببية هذا، ليس مُعطًى في حدِّ ذاته، بل هو نتاج نشاط بلاغي أو مجازي مُستحكِم، أو هو نتاج عملية قلب كرونولوجي نقوم بها. لنفترض أن شخصًا شعر بألمٍ، هذا الشعور سيدفعه بلا شكٍّ إلى البحث عن سبب الألم، قد يُفتش مثلًا عن دبوس ثم يفترض ارتباطًا بين الشعور بالألم والدبوس، فيقلب بذلك الترتيب الحِسِّي أو الظاهراتي الذي بمُقتضاه يحدُث الألم أولًا ثم اكتشاف الدبوس ثانيًا؛ ليُنتِج التسلسلَ السببيَّ الآتي: دبوس pin ثم ألم pain. «إن ما نَعِيه مِن العالَم الخارجي يأتي بعد وعيِنا بالتأثير الذي حدث لنا، ثم نظنُّه فيما بعد «سبب» ذاك التأثير. وبذلك نعكس الترتيب الزمَني للسبب والنتيجة، على غير مُقتضى ظاهراتية «العالم الداخلي»، فتغدو الواقعةُ الأساسُ في «التجربة الداخلية» أننا نتخيَّل السببَ بعد حدوث النتيجة» (الأعمال الكاملة، مجلد ٣، ص٨٠٤). وهكذا تُنتِجُ الكنايةُ أو (عملية إحلال السبب محلَّ النتيجة) مُخططَ السببية. وإذا كان ذلك كذلك فلن ينطوي المُخطط السببي على أساسٍ راسخ يُقِيمُه بل يُصبح نتاجَ عمليةٍ مجازية ناشطة.
ولْنكن واضِحين قدْر الإمكان بخصوص مؤدَّيات تلك الحالة:
- أولًا: لا يؤدِّي تفكيك مبدأ السببية — بتلك الكيفية — إلى استنتاج عدم صحة المبدأ حتى نتخلَّى عنه، بل على العكس من ذلك يَتكِئ التفكيكُ نفسُه على فكرة السبب؛ إذ يدَّعي التفكيكُ أن تجربة الألم تتسبَّب في اكتشاف الدبوس ومِن ثمَّ تتسبَّب في توليد السبب. وحين يكون ذلك كذلك، يقتضي تفكيك السببية تشغيل فكرة السبب وتطبيقها على العملية التي بمُقتضاها يحدث السببُ نفسُه، وبذلك لا يلجأ التفكيك إلى مبدأ منطقي يعلو على مبدأ السببية، بل يستعمل المبدأَ نفسَه الذي يسعى إلى تفكيكه. ليس مفهومُ السبب خطأً كان يمكن للفلسفة ألا تقع فيه أو كان يتحتَّم عليها ألا تقع فيه، بل هو مفهوم لا مفرَّ منه، سواء في الحِجاج الذي يقوم به التفكيك أو في أي حِجاجات أخرى.
- وثانيًا: لا بدَّ من التفرِقة بين تفكيك نيتشه لمبدأ السببية وما يُقدمه هيوم Hume من أدلةٍ تنهض بالتشكيك في المبدأ، مع أن الفيلسوفَين يَبْغيان بصفةٍ عامة هدفًا واحدًا. يدَّعي هيوم في عمله رسالة في الطبيعة الإنسانية Treatise of Human Nature أن بحث السياقات السببية سيُفضي بنا إلى اكتشاف علاقات الاتصال والتتابع الزمني، وأما أنْ تعني «السببيةُ» أشياء أبعد من تلك العلاقات فهذا أمرٌ ليس بمقدورنا البرهنة عليه. حين نقول إن شيئًا يتسبَّب في شيءٍ آخر فما نخبره في الواقع هو «أن موضوعاتٍ مُتماثلة تتموضع على الدوام في علاقاتٍ مُتماثلة من الاتصال والتتابُع» (I, III, vi). ويُسائِل التفكيكُ بالطريقة نفسها السببيةَ، غير أنه يقوم في الوقت نفسه بخطوةٍ مختلفة تمامًا؛ إذ يوظِّف فكرةَ السبب نفسَها في المناقشة. وإذا عددنا «السببَ» تفسيرًا للاتصال والتتابُع فسيُصبح الألَم مِن ثَمَّ سببًا ما دُمنا نستشعره أولًا في سياق خبرتنا.٢ هذا الإجراء المزدوِج الذي بمُقتضاه تُوظَّف المفاهيمُ أو المقدمات المنطقية في النسق يُعَد تقويضًا لا يقف منه الناقد موقف المُتشكِّك المنعزل عما يفعل، بل يتورَّط فيما يفعل تورطًا لا يمكن تبريره، فيؤكد حتميةَ السببية وهو يُفنِّدها. ويُعَد ذلك وجهًا من وجوه التفكيك يَلقى الكثيرون صعوبةً في فَهْمه أو تقبُّله.
- وثالثًا: يقلب التفكيكُ التعارُضَ التراتُبي الذي يُقِيمُ مُخططَ السببية. فالحاصل أن التمييز بين السبب والنتيجة يجعل من السبب أصلًا origin بمنحه أسبقيةً زمنية ومنطقية، في حين تُصبح النتيجة مُشتقَّة وثانوية ومعتمدة على السبب. ونحن نُلاحظ أن التفكيك الذي يشتغل ضمن حدود التعارُض يُبْطِل التراتُبَ عن طريق استبدالٍ في الصفات المائزة غير عابِئ باستكشاف دوافع العملية التي بمُقتضاها يحدث التراتُبُ، أو تضمينات تلك العملية. وحين يكون ذلك كذلك، فالنتيجة هي ما يتسبَّب في السبب حتى يصير سببًا، ولذا مِن الأحرى منح النتيجة — لا السبب — مرتبة الأصل. وعن طريق إظهار أن الحُجَّة التي بمُقتضاها يحتلُّ السببُ مرتبةً أعلى، هي نفسُها الحُجَّة التي بمُقتضاها نتمكَّن من منح النتيجة المرتبةَ نفسَها؛ نستطيع أن نُعرِّي العملية البلاغية الناشطة المسئولة عن إحداث التراتُب ونُبْطِلها، مُنتِجين بذلك إزاحةً دالَّة. وإذا كان بمقدور أيٍّ من السبب أو النتيجة شَغْل مرتبة الأصل فلن يكون الأصل والحال هكذا أصليًّا، ويخسر من ثَمَّ امتيازَه الميتافيزيقي. حين يُصبح الأصل اللاأصلي مفهومًا concept لا يتضمَّنه نسقٌ سابق عليه، تنهار فكرة النسق بأكملها.
يثير تفكيك نيتشه لمبدأ السببية إشكالاتٍ عديدة، وقد اخترناه شاهدًا موجزًا على الإجراءات العامة التي نُواجهها في نصوص جاك دَريدا، وهي نصوص/كتابات تشتبك مع سلسلة طويلة من النصوص، حيث يأتي في المقام الأول الفلاسفة الكبار بالإضافة إلى آخرين: أفلاطون في كتاب التشتيت، وروسُّو في كتاب في علم أنساق الكتابة، وكانط في مقال «اقتصاد المحاكاة» وكتاب الحقيقة في الرسم، وهيجل في كتابَي هوامش الفلسفة ونواقيس، وهوسرل في مقدمة كتاب أصل الهندسة وكتابَي الصوت والظاهرة وهوامش الفلسفة، وهَيْدجر في كتاب هوامش الفلسفة، وفرويد في كتابَي الكتابة والاختلاف وكارت بوستال، ومالارمه في كتاب التشتيت، وسوسير في كتاب في عِلم أنساق الكتابة، وجان جُنيه في كتاب نواقيس، وليفي شتروس في كتابَي الكتابة والاختلاف وفي علم أنساق الكتابة، وأوستن في كتاب هوامش الفلسفة. وتتعلَّق معظم تلك الاشتباكات بإشكالٍ يُحدِّدُ دَريدا طبيعته بشكلٍ دقيق في مقاله الطويل «صيدلية أفلاطون» المنشور ضمن كتابه التشتيت، هذا الإشكال هو: في كتابته الفلسفية يَشجبُ أفلاطون الكتابةَ، لماذا؟
ما القانون الذي يتحكَّم في هذا «التناقُض»، في هذا التعارُض الذي ينطوي عليه شَجْبُ الكتابة في أثناء الكتابة، وفي قولٍ يعلن عن نفسه ضد نفسه حين يجد طريقَه إلى الكتابة، حين يُسيء إلى هُويَّته الذاتية بالكتابة ثم ينقل ما هو خاصٌّ به من وضد ونحو أساس الكتابة؟ هذا التناقُض الذي ليس إلا علاقة ذاتية ينطوي عليها أسلوبُ الأداء بما أنه يُعَارِضُ نفسَه بالنص المكتوب … هذا التناقُض ليس طارئًا. (التشتيت، ص١٥٨)
يُعَرِّف الخطابُ الفلسفي نفسَه بالتعارُض مع الكتابة، ومِن ثمَّ بالتعارُض مع نفسه، ويدَّعي دَريدا أن هذا الانقسام الذاتي أو التعارض الذاتي ليس غلطةً أو مصادفة تظهر أحيانًا في النصوص الفلسفية، بل هو خاصَّة بنيوية ينطوي عليها الخطاب الفلسفي ذاته. لماذا توجَد تلك الخاصَّةُ؟ ذلكم هو السؤال الذي يُمثل نقطة البداية في النقاش الذي يقوم به دَريدا، مما يُثير تساؤلاتٍ عديدة من قبيل: لماذا تقاوم الفلسفةُ فكرةَ أنها نوع من الكتابة؟ ولماذا يكتسب السؤال عن موقع الكتابة تلك الأهمية؟
الكتابة ونزعة مركزية اللوجوس
يُؤرشِف دَريدا في كتابه في علم أنساق الكتابة Of Grammatology، وفي كتبٍ أُخرى، المرتبةَ المُتدنِّية التي تحظى بها الكتابة في الكتابات الفلسفية. وقد افترض الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي أنَّنا نظنُّ بدَريدا الإجابةَ عن السؤال الآتي: «المُفترض أن الفلسفة هي نوع من الكتابة، فلماذا يَلقى هذا الافتراضُ مقاومةً؟ وهو السؤال الذي يتحوَّل في عمل دَريدا إلى سؤالٍ آخر يتَّسم بالاستخفاف: «ما الذي يجب على الفلاسفة أن يعتقدوه بخصوص ما تكون عليه الكتابة، وهُمُ الذين يرفضون هذا الوصف على وجه التحديد؛ ذلك أنهم يجدون فكرةَ كون الفلسفة كتابةً فكرةً تستثير انزعاجهم على الدوام؟» (الفلسفة بوصفها نوعًا من الكتابة، ص١٤٤).
إن الفلاسفة يكتبون، غير أنهم لا يعتقدون أن الفلسفة ينبغي أن تكون كتابةً. والفلسفة التي يكتبونها ترى الكتابةَ وسيلةَ تعبيرٍ، في أحسن الأحوال لا علاقةَ لها بالفكر الذي تُعَبِّر عنه، وفي أسوأ الأحوال تُعَد عائقًا أمام هذا الفكر. ويُتابع رورتي موضحًا أنه فيما يتعلق بالفلسفة: «تُصبح الكتابة اضطرارًا تَعِسًا؛ لأن ما تبغيه الفلسفة فعلًا الإراءةُ والبَرْهنة والإشارة والإظهار والوصول بالمُحاوِر إلى النظرة المُحدِّقة في حضرة العالَم … ذلك أن تمامية العِلم تقتضي أن تكون الكلمات التي «يصوغ» بها الباحثُ نتائجَه قليلة وشفافة كُلما أمكن … تهدف الكتابة الفلسفية — عند هيدجر وعند الكانطيين — إلى وضع نهاية الكتابة، في حين تُفضي الكتابة عند دَريدا إلى المزيد والمزيد من الكتابة، على الدوام» (ص١٤٥).
تتميز الفلسفة بالسعي إلى حلِّ المشكلات، أو إلى إظهار الكيفية التي تكون عليها الأشياءُ، أو إلى تحليل الموضوعات الشائكة؛ ومِن ثَمَّ تتطلَّع إلى وَضْع نهاية للكتابة حول موضوعٍ بالعثور على الحقِّ فيه. وبالطبع، لا تسعى الفلسفة وحدَها إلى هذا؛ ذلك أن أيَّ فرعٍ معرفي منضبط يتحتَّم عليه افتراض إمكان حلِّ إشكالٍ والظفر بالحقيقة ثم كتابة الكلمات الأخيرة. إن الغاية المُثلَى في أيِّ فرع معرفي هي الغاية المُثلَى من أيِّ بحثٍ يصِل بالكتابة إلى نهايتها. ونقَّاد الأدب الذين يُفزعُهم تكاثرُ التفاسير أو التآويل كما يفزعهم مشهد مُستقبل تُولِّد فيه الكتابةُ مزيدًا من الكتابة — ما دامت المجلات الأكاديمية ومطابع الجامعة — يُحاولون، في الغالب، وضع تصوُّر للوسائل التي تصِل بالكتابة إلى نهايتها عن طريق إعادة صياغة غايات النقد الأدبي لكي يكون فرعًا معرفيًّا منضبطًا. وعادةً ما تُعَرِّف الدعاوَى المُثارة حول الغرَض الحقيقي من النقد مُهماته بأنها مُهمات قد اكتملت من حيث المبدأ. إذن، يلتمس أولئك النقَّاد أيضًا الأمل في قول الكلمة الأخيرة لكي تتوقَّف عملية التعليق على النصوص. والحاصل أن الأمل في الوصول إلى الصواب يدفعهم إلى الكتابة، مع أنهم يعرفون تمام المعرفة أن الكتابة لا تضع نهايةً للكتابة. وتكمُن المفارقة في أن التفسير أو التأويل الأقوى الذي يتمتَّع بسُلطة مرجعية لا يُوَلِّد إلا مزيدًا من الكتابة.
وأيًّا كان ما تُثيره الكتابة من إزعاجاتٍ يُعانيها نقادُ الأدب فإن الوضع شديد الخطورة بالنسبة إلى الفلاسفة على الأخص؛ ذلك أنهم يُفتشون عن حلِّ المشكلات المُتعلقة بشروط الحقيقة وإمكان المعرفة والعلاقة بين اللغة والعالَم، ومِن ثَمَّ تُصبح علاقة لُغتهم بالحقيقة وبالعالَم جزءًا من المشكلة. لذا، يؤدِّي عَدُّ الفلسفة كتابةً إلى صعوباتٍ كبيرة. فبما أن الفلسفة تُحدد علاقة الكتابة بالعقل، يتحتم عليها إذن ألا تكون هي نفسُها كتابة، لأنها تبغي تحديد العلاقة مِن منظور العقل لا من منظور الكتابة. وبما أن الفلسفة تُحدد حقيقة علاقة الكتابة بالحقيقة، فإنه يتوجَّب عليها أن تنحاز إلى الحقيقة لا إلى الكتابة. وملاحظة دَريدا التي اقتبستُها أعلاه — المتعلقة بالقول الذي يعلن عن نفسه ضد نفسه حين يكتب نفسَه أو حين يكون مكتوبًا — هذه الملاحظة شديدة الدقة؛ لأن ما قد كُتِبَ بدءًا من أفلاطون مؤدَّاه أن الفلسفة يجب أن تشجب الكتابةَ ويجب أن تُعَرِّف نفسَها ضد الكتابة. وادِّعاء الفلاسفة أن المنطق والعقل والحقيقة تُشَيِّد عبارات الخطاب الفلسفي ولا تُشيدها بلاغةُ اللغة التي «يُعَبِّرون» بها — يدفع هذا الخطابَ إلى تعريف نفسه بمعزل عن الكتابة.
من هذا المنظور، تُعَد الكتابةُ سطحيةً ومادية وغير مُتعالية. إن ما تُثيره الكتابة من تهديدٍ يتمثل في أن عملياتها الناشطة التي ينبغي أن تكون مجرد وسائل تعبير، قد تؤثِّر في — أو تُلوِّث — المعنى الذي من المُفترَض أن تَتمثَّله. ومن الممكن إيضاح حدود هذه الفكرة على النحو الآتي: توجَد أفكار — والأفكار هي ميدان الفلسفة على سبيل المثال — وتوجد أنساق وسيطة تُنقَل عبرها هذه الأفكارُ ويجري تبادلها، والكلام نسق وسيط تتلاشى دوالُّه حين نُطقها، فلا تتَّخذ الدوال شكلًا ملموسًا، ومِن ثمَّ بمقدور المُتكلم إزالة أي الْتباسات قد تَطرأ ليضمن أن أفكاره نُقِلَت أو جرى إيصالُها. أما في الكتابة فلا تتلاشى الهيئات الوسيطة؛ إذ تبقى الدوالُّ لأن الكتابة تُقدم اللغةَ في سلسلةٍ من الإشارات المادية التي تُمارس عملَها في غياب المتكلم. وفي الأشكال البلاغية التي تتمتَّع بفنية عالية تتَّسِم تلك الإشارات بدرجةٍ عالية من الغموض والتشابك.
إن الغاية المُثلَى هي تأمُّل الفكر على نحوٍ مباشر، ولأن هذه الغاية المُثلَى بعيدة المنال فعلى اللغة أن تكون شفافة قدْر المُستطاع؛ ذلك أن عدم الشفافية ينطوي على تهديدٍ خطير قد يؤدِّي بالعلامات اللغوية إلى حَجْب العيان المباشر فلا تُسعِف مِن ثمَّ بتأمُّل الفكر مباشَرةً، كما قد تؤثِّر في الفكر أو تُلوِّثه بشكلها المادي الوسيط المُتطفِّل. وبذلك تَسقط الفكرةُ الفلسفية في أحبولة الاحتمالات التي تنطوي عليها اللغة والتعبير، وقد تتأثر بأشكال دوالِّ اللغة، بما يؤدِّي — والحال هكذا — إلى افتراض علاقةٍ سببية بين الرغبة في الكتابة والرغبة في ظفَرِها بما هو حقٌّ. ويُعد ذلك وضعًا شديد السوء. وعلى سبيل المثال، هل بمقدورنا التيقُّن من أن فكرتنا الفلسفية عن العلاقة بين الذات subject والموضوع object غير متأثِّرة بالتساوق البصري أو المورفولوجي بين هذَين المُصطلحَين، أو غير متأثرة بكونهما يتشابهان صوتيًّا إلى حدٍّ بعيد؟ والأخطر من هذا حالة التورية التي تُعَد خطيئةً في حق العقل نفسه؛ إذ يجري احتسابُ العلاقة «العارِضة» أو السطحية بين الدوالِّ علاقةً مفهومية conceptual، فتَتعيَّن ماهيةُ اﻟ «History — تاريخ» مثلًا بوصفها «His story — قصته»، أو تنشأ علاقة بين المعنى (Sens) والنفي (Sans). إننا نتعامل مع التورية بوصفها مزْحةً مخافةَ أن تُلوِّث الدوالُّ الفكرَ أو تُفسِده.
تنبذ الفلسفةُ الدالَّ signifier بالطريقة نفسها التي تنبذ بها الكتابةَ، ألا وإنه لَنَبْذٌ تُؤسِّس به الفلسفةُ نفسَها فرعًا معرفيًّا منضبطًا غيرَ متأثر بمكائد الكلمات وما تنطوي عليه من علاقاتٍ احتمالية: ضبط الفكر والعقل. وهكذا، تحدِّد الفلسفةُ نفسَها بكونها تتجاوز الكتابةَ وتعلو عليها، كما تسعى إلى تحرير نفسها من تلك المشكلات التي تنطوي عليها الكتابة؛ فترى الكتابةَ بديلًا اصطناعيًّا عن الكلام، وما قد أَسْعَفها بذلك أنها حدَّدت طبيعةَ الدور الذي تقوم به اللغةُ في الكتابة. لقد تمتَّعت إدانةُ الكتابة — وهي الإدانة التي نجِدها عند أفلاطون وعند غيره من الفلاسفة — بأهميةٍ متزايدة، ولذلك سببان: الأول أن «نزعة مركزية الصوت» phonocentrism التي ترى الكتابةَ تمثيلًا للكلام والتي تضع الكلامَ في علاقةٍ مباشرة وطبيعية مع المعنى، هذه النزعة مرتبطة ﺑ «نزعة مركزية اللوجوس» logocentrism في الميتافيزيقا ارتباطًا لا خلاص منه؛ والثاني أن توجيه الفلسفة نحو نظامٍ مِن المعنى — الفكر والحقيقة والعقل والمنطق والكلمة — قد عُدَّ انوجادًا لها في ذاتها وتأسيسًا. والإشكال الذي يُحدد طبيعتَه دَريدا لا يتضمن علاقة الكلام والكتابة في الخطاب الفلسفي وكفى، وإنما يتضمن أيضًا الزعم أن الفلسفات المُتنافسة ليست إلا نسخًا عن نزعة مركزية اللوجوس. ويراها دَريدا على هذا النحو؛ لأنها تتفق جميعها في البحث عن أساسٍ وعن شيءٍ لا نتخطَّاه، وهذا ما يجعلها فلسفاتٍ تتنافس على ذلك الأساس.
لقد أسَّست الفلسفةُ «ميتافيزيقا الحضور» metaphysics of presence، وهي الميتافيزيقا الوحيدة التي نعرفها. يقول دَريدا: «من الممكن إيضاح أن كلَّ الأسماء تعود إلى أُسس أو إلى مبادئ، أو تعود إلى مركزٍ يُشير دومًا إلى استمرارية الحضور» (الكتابة والاختلاف، ص٢٧٩، ٤١١).
إن نزعة مركزية الصوت، أي الامتياز المُنعقد للصوت، تندمجُ، على طول التاريخ، مع تحديد معنى الوجود عمومًا بأنه حضور، كما تندمج مع كل التحديدات الفرعية التي تستند إلى هذا الشكل العام وتُنْشِئ ضمن حدوده نسقَها وروابطها التاريخية بشكلٍ عضوي (حضور الموضوع إلى النظر بوصفه وجودًا حقيقيًّا eidos، والحضور بوصفه جوهرًا/ماهية/وجودًا أصليًّا غائيًّا ousia، والحضور الزمني بوصفه «نقطة» stigme الآن أو «اللحظة» nun، والحضور الذاتي الذي ينطوي عليه الأنا أفكر The Cogito والوعي والذاتية، وحضور الذات والآخر معًا والتفاعل بين الذوات من حيث هو ظهور الأنا ego ظهورًا قصديًّا … إلخ). على هذا النحو، تنعقد نزعةُ مركزية اللوجوس في تحديد وجود الموجود من حيث هو حضور. (في علم أنساق الكتابة، ص١٢، ٢٣)
إن كل مفهوم من تلك المفاهيم التي تنطوي جميعها على فكرة الحضور قد اتَّخذ في كل المشروعات الفلسفية صفةَ الأساس وتمَّ احتسابُه مركزًا؛ أي قوةً أو مبدأً يُرتكَز إليه. ففي تعارُضات من قبيل: معنى/شكل، روح/جسد، حَدْس/تعبير، حَرْفي/مجازي، طبيعة/ثقافة، عقلي/حِسِّي، إيجابي/سلبي، متعالٍ/تجريبي، جادٍّ/غير جادٍّ؛ يُعْزَى الطرفُ الأعلى إلى اللوجوس فيحتلُّ وضعَ حضور أعلى، في حين يُؤشِّرُ الطرف الأدنى على سقوطٍ أو تَدَنٍّ. ومِن ثمَّ، تفترِض نزعة مركزية اللوجوس أسبقيةَ الطرف الأول، ولا تَفْهَمُ الطرفَ الثاني إلا بالرجوع إلى الأول على ظنِّ أنه حالة ثانوية من الطرف الأول أو نفي له أو مظهر له أو تمزُّق فيه.
وعندئذٍ، يُصبح الوصف أو التحليل مشروعَ عودة «استراتيجية» — في عملية بمُقتضاها تنشأ الأَمْثَلَةُ [بفتح الثاء: بمعنى جَعْل الشيء مثاليًّا] — إلى أصل أو إلى «أوَّلية» معدودةٍ بسيطةً وبِكْرًا وسَويَّةً ونقيةً ومعياريةً ومتطابقةً مع نفسها، مما يؤدِّي بعدئذٍ إلى التفكير في عملية الاشتقاق وحالة الثانوية والانحطاط والمُصادفة … إلخ. وقد مضى كلُّ الميتافيزيقيين في طريقهم على هذا النحو بدءًا من أفلاطون إلى روسُّو، ومن ديكارت إلى هوسرل: الخير قبل الشر، والإيجابي قبل السلبي، والنقي قبل المُهجَّن، والبسيط قبل المركَّب، والجوهري قبل العارِض، والمُحاكَى قبل عملية المحاكاة … إلخ. وليست هذه مجرد إيماءةٍ ميتافيزيقية واحدة من بين إيماءاتٍ أخرى، بل هي مُقتضًى ميتافيزيقي وإجراء يتمتع باستمرارية فائقة وعُمق وهيمنة. (الشراكة المحدودة، ص٦٦، ٢٣٦)
ونفترض، عمومًا، أن هذا هو الإجراء المتبع في أيِّ تحليلٍ «جادٍّ»: على سبيل المثال أن نقوم بوصف حالة من التفكيك تتَّسم بالإطلاق والسَّواء والمعيارية؛ أي نُنَمذِج صورةً إيضاحية لِكُنْه «جوهري» في التفكيك، وعلى ضوء هذا الكُنْه الجوهري نُناقش حالاتٍ أخرى من التفكيك بوصفِها حالات ثانوية واشتقاقية تتَّسم بالنقص. وما يُعد علامةً على شمول نزعة مركزية اللوجوس وتغلغُلها، صعوبةُ تخيُّل — أو ممارسة — إجراءات بخلاف ذلك الإجراء.
ومن بين المفاهيم المألوفة التي تستند إلى قيمة الحضور: الحِسُّ المباشر، وحضورُ الحقائق المطلقة إلى وعيٍ إلهي، وحضورُ أصلٍ حضورًا ناشطًا في سيرورة تاريخية، والحَدْسُ العَفْويُّ أو الحَدْسُ من دون وسيط، والفرضية المتجاوزة التي تقود الفرضية والنقيضة في التركيب الجدَلي، والحضورُ ضِمن نطاق الكلام في بِنيات الخطاب وبِنيات قواعد اللغة، والحقيقة بوصفها ما يوجَد خلف الظواهر، وحضورُ غايةٍ حضورًا ناشطًا في الخطوات المؤدية إليها. إن سلطة الحضور المرجعية، أي قوته التي تنطوي على تثبيت، تُشَيِّد كلَّ تفكيرنا؛ ذلك أن أفكارًا مِن مثل «الوضوح النموذجي» و«الإمساك بنقطة البدء» و«البَرْهنة» و«الكشف» و«إظهار ما يُعد الحالةَ بألف ولام التعريف»؛ تستحضر كلُّها فكرةَ الحضور. والادِّعاء أن اﻟ «أنا» تقاوم الشكَّ الجذري، كما يحدث في الكوجيتو الديكارتي، لأنها حاضرة إلى نفسها في فعل التفكير أو في فعل الشكِّ؛ هذا الادعاءُ يُعَد طريقةً من طرق الاستناد إلى الحضور. وأما الطريقة الأخرى فهي تصور أن معنى أيِّ منطوق حاضرٌ إلى وعي المُتكلم؛ أي إلى «نِيَّة» المُتكلم أو المُتكلمة عند النطق.
وتُشير تلك الأمثلة جميعها إلى أن ميتافيزيقا الحضور تتمتَّع بانتشارٍ وألفة وقوة. ومع ذلك، فثمة إشكال تواجهه تلك الميتافيزيقا على نحوٍ مميز: حين تستشهد البراهينُ الفلسفية بشواهد مُعينة على الحضور فتجعل من هذه الشواهد أرضًا تُشَيِّد عليها أفكارًا لاحقة، تتكشَّف هذه الشواهد باستمرار عن كونها تركيبات معقدة فعلًا، فما يُفترَض أنه مُعْطًى — أي مُقوِّمٌ أوَّليٌّ — يتكشَّف عن كونه نتاجَ شيءٍ سابق عليه؛ أي يتكشَّف عن كونه تابعًا أو مُشتقًّا بكيفيةٍ تَحْرِمه من السلطة المرجعية التي ينطوي عليها الحضور البسيط أو الخالص.
ولعلَّ أفضل مثالٍ على ذلك حالة السهم المنطلق. فإذا كنَّا نرى أن الواقع هو ما يكون حاضرًا في أي لحظة مُحددة فستنطوي حركة السهم مِن ثمَّ على مفارقة؛ ذلك أن السهم موجود في نقطة مُستقلة عند كل لحظة، إنه دائمًا في نقطةٍ مستقلة لا في حالة حركة، غير أننا نرغب في الإصرار على كون السهم في حالة حركة عند كل لحظةٍ من بداية انطلاقه إلى نهايته، ولنا بالطبع مُبرِّرنا في ذلك، مع أن حركته ليست حاضرة في أي لحظة حضور. إن حضور الحركة يمكن تصوُّره، أي يمكن إنتاجُه، بقدْر ما تكون كلُّ لحظة موسومة فعلًا بآثار traces الماضي والمستقبل فحسب، وحين تكون اللحظة الحاضرة نتاجَ علاقاتٍ بين الماضي والمُستقبل لا شيئًا مُعْطًى، عندئذٍ فحسْبُ يمكن أن تكون الحركة حاضرة. ويمكن أن تحدث الحركة عند لحظةٍ مُحددة لو أن اللحظة منقسمة على نفسها ضمن حدود نفسها؛ أي لو أنها مسكونة باللاحاضر.
تلك إحدى مفارقات زينون Zeno، ومؤدَّاها البرهنة على استحالة الحركة، غير أنها مفارقة تَشِي بالعقبات التي يُواجهها نسق مؤسَّس على الحضور. والسبب في ظنِّنا أن الواقعي هو ما يكون حاضرًا عند أي لحظةٍ محددة، أن اللحظة الحاضرة تبدو لنا بسيطةً ومطلقةً على نحوٍ لا يمكن معه حلُّها إلى عناصر أبسط. إن الماضيَ حاضرٌ، لكن ما يَثبُتُ في النهاية هو أن اللحظة الحاضرة تلعب دور الأساس حين لا تكون مُعْطًى خالصًا ومستقلًّا بذاته فقط. وإذا عددنا الحركةَ حاضرةً فلا بد أن يُوسَم هذا الحضورُ بالاختلاف المُرْجِئ differance. يقول دَريدا إن علينا «التفكير في الحاضر بدءًا من علاقته بالزمن وفي حدود هذه العلاقة وحدَها بوصفها اختلافًا مُرْجِئًا» (في علم أنساق الكتابة، ص١٦٦، ٢٣٧). إن فكرة الحضور والحاضر مُشتقة: أي ناتجة عن الاختلافات differences. ويقول دَريدا: «هكذا، نسعى إلى افتراض الحضور … لا من حيث كونه نسيج شكل الوجود المطلق، بل على الأصح من حيث كونه عملية تعيين أو تحديد ونتيجة. تحديد ونتيجة ضمن حدود نسَق لم يَعُد نسقَ حضورٍ بل نسق اختلاف» (هوامش الفلسفة، ص١٧/«الاختلاف المُرْجِئ»، ص١٤٧).
ومِن ثمَّ، ليست المسألة، هنا، إلا مسألة تعارُض تراتُبي بين الحضور والغياب. ويقتضي تفكيك هذا التعارض البرهنة على أن الدور الذي يقوم به الحضور لا بد أن تكون له الخواص نفسها التي تُعْزَى افتراضًا إلى نقيضه؛ أي إلى الغياب. وبذلك يُمكننا عَدُّ «الحضور» ناتجًا عن غياب شامل، أو بإيجاز كما سنرى ناتجًا عن اختلافٍ مُرْجِئ، بدلًا من تعريف الغياب بواسطة الحضور؛ أي بدلًا من تعريفه بأنه نَفيٌ له. وتتَّضح تلك العملية الناشطة — أقصد الاختلاف المُرْجِئ — بشكلٍ أكبر إذا تأمَّلنا مثالًا آخر على العقبات التي تنشأ ضمن نطاق ميتافيزيقا الحضور. يتعلق هذا المثال بعملية الدلالة، وهي ما قد نطلق عليها مفارقة البنية والحدث.
من المقبول ظاهريًّا الادعاء أن معنى أي كلمة هو ما يَعنيه بها المتكلمون. ومعنى أي كلمة ضمن حدود نسق أيِّ لغة — وهو ما نجده حين نبحث عن أي كلمةٍ في المعجم — هو ثمرة المعنى الذي قد منحه لها المتكلمون في أفعال التواصل السابقة، وما يَصدق على أي كلمة يَصدُق على اللغة بوجهٍ عام: إن بنيةَ لغةٍ — أي نسَق قواعدها وتواتراتها — تُعَد نتاجَ أحداث؛ أي ثمرة أفعال كلام سابقة. ومع ذلك، إذا أخذنا هذه المسألة بجدية وشرعنا في النظر إلى الأحداث التي يُقال إنها تُحَدِّد بنيات اللغة فسنكتشف أن كل حدثٍ هو نفسه قد حدَّدته سلفًا بنياتٌ سابقة عليه فجعلته مُمكنًا. فإمكانُ ما نَعنيه بشيءٍ في منطوقٍ مُندرِجٌ من قبل في بِنية اللغة. وما البنيات نفسها إلا نتاجاتٌ على الدوام؛ إذ مهما أوغلنا إلى الوراء في محاولة تخيُّل «نشأة» اللغة حتى نصف الحدث الأصلي الذي يُحتمَل أن يكون قد أنتج البنيةَ الأولى، فسنكتشف أن علينا افتراض وجود عملية تنظيم سابق؛ أي وجود عملية تمايز سابق.
وكما رأينا في حالة السببية، لا نجد هنا إلا أصولًا غير أصلية فحسب. ذلك أنه إذا كان رجل الكهف قد افتتح اللغةَ بنجاحٍ حين اصطنع همهمةً خاصة يَدلُّ بها على «الطعام» فلا بد أن نفترِض أن تلك الهمهمة قد انمازت قبلًا من همهماتٍ أخرى وأن العالَم قد قُسِّم فعلًا إلى فئتي «طعام» و«لا طعام»؛ وهو ما يعني أن الأفعال التي بمُقتضاها تنشأ عملية الدلالة تستند إلى اختلافات differences، مثل التقابل بين «الطعام» و«اللاطعام» الذي يسمح بالدلالة على الطعام، أو تستنِد إلى التقابُل بين عناصر دالة بما يسمح لسياقٍ أن يؤدِّي دورًا دالًّا. وعلى سبيل المثال، لا يُعَد التتابُع الصوتي في كلمة bat تتابُعًا دالًّا إلا بتغايُره عن تتابُعات صوتية أخرى مثل: bet, bad, mat, pat إلخ. إن الصوت المسموع الذي يكون «حاضرًا» حين نتلفظ كلمة bat مسكون بآثار أشكال أخرى من أصوات لم نتلفَّظها، وما نتلفَّظه لا يؤدِّي دورًا دالًّا إلا حين ينطوي على مثل تلك الآثار. وكما رأينا في حالة الحركة، فما يُفترَض فيه أنه حاضر يتكشَّف عن أنه مركَّب ومُتمايز؛ أي نتاج اختلافات.
إن أيَّ تفسير للغة، وهو يفتش عن أساس صلب، سيأمُل بلا ريب في عَدِّ المعنى شيئًا حاضرًا في مكانٍ؛ لنقُل حاضرًا إلى الوعي عند اللحظة التي تنطوي على حدثٍ دالٍّ، غير أن أيَّ حضور نتلمَّسه يَثبُت في النهاية أنه مسكون باختلافات. وإذا حاولنا تبرير المعنى بمُقتضى الاختلاف difference بدلًا من البحث عن أساسٍ فلن نظفر بشيء؛ ذلك أن الاختلافات ليست مُعْطَاةً في حدِّ ذاتها بل هي نتاجات على الدوام. وعلى أي نظريةٍ مُدقِّقة المراوحةُ بين هذين المنظورَين؛ أي المراوحة بين منظور الحدث ومنظور البِنية أو بين الكلام واللغة. وهي مراوحة لن تؤدي إلى حلٍّ هيجلي؛ ذلك أن كلَّ منظورٍ يُبيِّن خطأَ المنظور الآخر بعمليةٍ مِن الإبدال أو التناقُض المنطقي الذي لا يقبل الحل. وكما يقول دَريدا:
فيما يخصُّ نسَق العلامات بوجهٍ عام يُمكننا توسيع حدود ما يقوله سوسير عن اللغة: «النسق اللغوي (اللغة langue) ضروري للأحداث الكلامية (الكلام parole) حتى يمكن فَهْمُها وحتى تُنتِجَ تأثيراتها، إلا أن الأحداث الكلامية ضرورية للنسَق حتى يُنشِئ نفسَه …» ثَمَّ دائرية هنا، فلو فرَّقنا تفريقًا حاسمًا بين اللغة والكلام، بين الشفرة والرسالة، بين التصميم والتنفيذ … إلخ، ولو قدَّرنا النسَقَ اللغوي وأحداث الكلام حقَّ قدرِهما فلن نعرف مِن أين نبدأ وعلى أيِّ نحوٍ يُمكن لأيِّ شيءٍ بوجهٍ عامٍّ أن يبدأ، اللغة أم الكلام؛ ولذا، علينا أن نُقِرَّ — قبل أيِّ انفصالٍ بين اللغة والكلام، بين الشفرة والرسالة، وما ينشأ عن هذا الانفصال من مُتلازمات — بإنتاج الاختلافات نسقيًّا؛ أي ﺑ الإنتاج النسَقي للاختلافات differences. وعن طريق التجريد ولأسبابٍ نوعية، ينطوي الاختلاف المُرْجِئ differance على نتائج نُمايِز بها لاحقًا لُغويات اللغة مِن لغويات الكلام. (مواقع، ص ص٢٨، ٣٩-٤٠)
يُشير مصطلحُ الاختلاف المُرْجِئ differance الذي يُقدِّمه دَريدا، هنا، إلى عدم قابلية الحسم؛ أي إلى تغايُر بين منظوري البِنية والحدث لا يقبل حلًّا هيجليًّا. إن الفعل différer يعني الاختلاف to differ والتأجيل to defer معًا. والطريقة التي ننطق بها differance (= الاختلاف المُرْجِئ) هي نفسها الطريقة التي ننطق بها difference (= الاختلاف)، إلا أن النهاية ance، وهي النهاية التي تُستعمَل في إنشاء الأسماء الفعلية، تمنح المُفردةَ شكلًا جديدًا يُفيد معنى «الاختلاف difference والتغاير differing والإرجاء defering» في آنٍ. ومن ثَمَّ يشير الاختلاف المُرْجِئ differance إلى اختلاف difference «كامن» يُعَد الشرطَ في عملية الدلالة، كما يُشير في الآن نفسه إلى فعل الاختلاف difference الذي يُنتِج الاختلافات differences. والمصطلح الإنجليزي الذي يُعادله هو spacing (= المباعدة أو التباعُد) الذي يُشير إلى التنضيد وفعل التوزيع أو الترتيب في آنٍ. وأحيانًا يستعمل دَريدا الكلمة الفرنسية الموازية، ألا وهي كلمة espacement، إلا أن مصطلح الاختلاف المُرْجِئ differance [بحرف اﻟ a] هو الأقوى والأنسب، والسبب أن الاختلاف difference [بحرف اﻟ e] مصطلح تتقاطع عنده كتابات نيتشه وسوسير وفرويد وهوسرل وهيدجر الذين أدَّت بحوثُهم في أنساق عملية إنشاء الدلالة إلى تأكيد الاختلاف والتمايُز، كما أن تعديل دَريدا المصطلح بالإضافة إلى إثباته أنَّ الكتابة لا يمكن أن تكون بعد الآن مجرد تمثيلٍ للكلام؛ كل هذا جعل الإشكال الواضح يتمثل في أن كلَّ ما يُحدد أيَّ نظرية عن المعنى هو نفسُه ما يُدمرها.
يقول دَريدا إن الاختلاف المُرْجِئ:
بِنية وحركة لا يمكن تصوُّرها على أساس تعارُض الحضور/الغياب؛ الاختلاف المُرْجِئ لعبة نسقية تنطوي عليها الاختلافات وآثار الاختلافات، لعبة مباعدة (espacement) ترتبط من خلالها العناصرُ بعضُها ببعضها الآخر. هذه المباعدة إنتاج، ناشط وكامن في آنٍ (فالحرف a في مفردة differance يؤشِّر على هذه الحيرة بين النشاطية والكمون، اللذَين لم يُهيمن عليهما بعدُ ولم ينتظمهما عضويًّا بعدُ هذا التعارُضُ بين النشاطية والكمون)، مباعدة هي إنتاج الفواصل التي من دونها لن تكون الحدود «التامَّة» دالة؛ أي لن تؤدي دورًا. (مواقع، ص ص٢٧، ٣٨-٣٩)
ويستكشف دَريدا تلك الإشكالات على نحوٍ أعمق في قراءته لسوسير ضمن كتابه في علم أنساق الكتابة، حيث يُبيِّن أن كتاب سوسير دروس في علم اللغة العام Cours de linguistique generale — وهو الكتاب الذي استلهمته البنيوية والسميوطيقا على حدٍّ سواء — يتضمَّن نقدًا قويًّا لميتافيزيقا الحضور من جهة، كما يتضمن من جهةٍ أخرى دعمًا واضحًا لنزعة مركزية اللوجوس وتورُّطًا فيها لم يكن له أن يتفاداه. ومن ثمَّ، يُرِينا دَريدا الكيفية التي بها يُفكِّك خطابُ سوسير نفسَه بنفسه، غير أن دَريدا يرى أيضًا أن حركة التفكيك الذاتي هذه — بعيدًا عن اعتلال كتاب الدروس — حركة جوهرية تمنح الكتابَ قوتَه، والأكثر من هذا أنها مُحايثة لموضوعه، وتلك نقطة ينبغي ألا تفوتنا في قراءة دَريدا: تعتمد قيمة أيِّ نصٍّ وقوته على إمساكه البارع بالطريقة التي يُفكِّك بها الأسسَ الفلسفية المُتغلغلة فيه.
يبدأ سوسير بتعريف اللغة بأنها نسق من العلامات. وتُعد الأصواتُ لغةً حين تفيد في التعبير عن الأفكار أو نقلها. ومن ثمَّ، يغدو كُنْه العلامة سؤالًا مركزيًّا عند سوسير؛ أي ما يمنحها هُويَّتَها حتى تتمكَّن من أداء دورها بوصفها علامة. يرى سوسير أن العلامات اعتباطية ومتفق عليها عُرْفيًّا، وأن كل علامة لا تُعَرَّف بإضفاء خصائص جوهرية عليها، بل تُعَرَّف عن طريق اختلافات تُمَيِّزُ علامةً عن غيرها من العلامات. اللغة والحال هكذا نسَق من الاختلافات. ويفضي هذا التصوُّر إلى تعميق الفروق التي استندت إليها البنيوية والسميوطيقا: ثَمَّ فرق بين اللغة بما هي نسَق من الاختلافات (اللغة langue) وأحداث الكلام التي يُتيح النسَقُ إمكانَها (الكلام parole)، وفرق بين دراسة اللغة من حيث كونها نسقًا في زمنٍ مُحدَّد (الدراسة التزامُنية) ودراسة العلاقات المتبادلة بين عناصر من مراحل تاريخية مختلفة (الدراسة التعاقُبية)، وفرق بين نمطَين من الاختلافات ضمن حدود النسَق، أي: بين العلاقات التركيبية والاستبدالية، وفرق بين جزئَي العلامة المُكوِّنَين لها، أي: بين الدال والمدلول. وتُشكِّل هذه الفروق التأسيسية كلًّا من اللغويات والمشروع السميوطيقي اللذَين يُبرِّران الأحداث اللغوية عن طريق اصطناع نسَق مُحدد من العلاقات التي تجعل الأحداثَ اللغوية مُمكنةً.
لقد انتهى سوسير عبر بحوثه الدقيقة إلى تأكيد الكُنْه العلائقي في النسَق اللغوي بكل معنى الكلمة. الصوت نفسه — فيما يرى — لا ينتمي إلى النسق، بل يسمح بإظهار وحدات النسَق في أفعال الكلام. وينتهي سوسير فعلًا إلى أنه «ما مِن شيءٍ في النسَق سوى اختلافات؛ أي ما مِن حدود قاطعة» (الدروس، ص١٢٠، ١٦٦). وتلك صياغة جذرية؛ إذ إن النظرة الشائعة ترى اللغةَ مؤلَّفةً من كلمات — أي من كياناتٍ وضعية — يُشكِّل بعضُها مع بعضها الآخر نسقًا ومِن ثمَّ يدخل بعضُها مع بعضها الآخر في علاقات، إلا أن تحليل سوسير لِكُنْه الوحدات اللغوية يفضي إلى نتيجةٍ مؤداها أن العلامات — على العكس — نتاج نسَق من الاختلافات؛ أي ليست كيانات وضعية بالمرَّة بل هي وليدة اختلاف. وتنطوي هذه النتيجة على نقدٍ قوي لنزعة مركزية اللوجوس؛ فالانتهاء إلى أن نسَق اللغة لا يتضمَّن سوى اختلافاتٍ يُقوِّض — كما يُبيِّن دَريدا — أيَّ محاولة لإنشاء نظرية عن اللغة ترى الكلمات كياناتٍ وضعية حاضرة إما في حدث الكلام وإما في النسق. وحين ينطوي النسق اللغوي على اختلافاتٍ فحسْب، يُلاحظ دَريدا أن:
لعبة الاختلافات تتضمَّن تركيبات وإحالات تَحول دون وجود عنصر بسيط حاضر في نفسه ولنفسه ويُحيل إلى نفسه، عند أي لحظةٍ أو بأي طريقة. وسواء في الخطاب المكتوب أو المنطوق، ما مِن عنصر يؤدي دور العلامة إلا وهو مُرتبط بعنصرٍ آخر، هو نفسه غير حاضر على نحوٍ بسيط. ويعني هذا الارتباط التكويني أن كل «عنصر» — وحدة صوتية كان أم وحدة كتابية — يتكوَّن بالإحالة إلى الأثر الكامن فيه من العناصر الأخرى في السياق أو النسق. وما هذا الارتباط التكويني — أي هذا التناسُج — إلا اﻟ نص، نصٌّ قد أنتجه من البداية إلى النهاية تحويلُ نصٍّ آخر، فحسْب. ما مِن شيء حاضر على نحوٍ بسيط أو غائب، سواء في العناصر أو النسَق. ففي كل موضع لا توجَد إلا الاختلافات وآثار الآثار فحسب. (مواقع، ص ص٢٦، ٣٧-٣٨)
إن الطبيعة الاعتباطية التي بمُقتضاها تنشأ العلامة والنسق الذي لا ينطوي على حدودٍ مكتفية بنفسها، يجعلاننا أمام فكرة تتَّسم بالمفارقة، ألا وهي وجود «أثر مؤسَّس» instituted trace؛ أي وجود بنية إحالة لانهائية لا يوجَد فيها سوى آثار: آثار تسبق أيَّ كيانٍ بكيفيةٍ تغدو معها الآثارُ أثرَ الآثار.
وفي الوقت نفسه، يتضمَّن عمل سوسير تأكيد نزعة مركزية اللوجوس؛ ذلك أن مفهومَ العلامة نفسَه الذي استنَّه سوسير مؤسَّسٌ على تفرقةٍ بين الحِسِّي والعقلي يُصبح بمُقتضاها الدالُّ مجردَ مجاز إلى المدلول، ومن ثمَّ يحتل وضعًا أدنى مقارنةً بالمفهوم أو المعنى الذي ينقله. وعلى ذلك، لا بد للُّغوي من افتراض القُدرة على الإمساك بالمدلولات مُتخذًا منها نقطة بداية لكي يُمكنه تمييز علامةٍ من أخرى، ولكي يُحدِّد اللحظةَ التي تصبح معها التغيرات المادية ذات معنًى. وبذلك يشتبك مفهوم العلامة مع المفاهيم الرئيسة في نزعة مركزية اللوجوس، وهي مفاهيم كان يصعب على سوسير تغييرها أو تعديلها حتى لو أراد ذلك. ومع أن خطواتٍ عديدة في تحليله تدفعه إلى التغيير أو التعديل فقد دَعَمَ بوضوحٍ فَهْمَ العلامة فَهْمًا مُتمركزًا لوجوسيًّا، ومِن ثمَّ يَتجذَّر تحليلُه ضمن حدود نزعة مركزية اللوجوس. ويبدو ذلك صراحةً في تعامل سوسير مع الكتابة حين يمنحها وضعًا ثانويًّا مشتقًّا، وهو ما يُثير اهتمام دَريدا إلى حدٍّ بعيد. ومع أن سوسير قد استبعد الصوت في حدِّ ذاته — على وجه التحديد — مِن النسَق اللغوي وألحَّ على أن للوحدات اللغوية المنطوقة سِمَةً شكلية فقد عاد ليؤكد أن «موضوع التحليل اللغوي لا تُحدِّده توليفةٌ من الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة: الكلمة المنطوقة وحدَها هي ما يؤسِّس الموضوع» (الدروس، ص ص٢٣-٢٤، ٤٥)؛ ذلك أن الكتابة ليست إلا مجرد وسيلة لتمثيل الكلام؛ أي ليست إلا أداة تقنية أو مُلْحقًا بَرَّانيًّا لا ضرورة لوضعه في الحسبان عند دراسة اللغة.
ويبدو ذلك خطوةً حسنة النِّيَّة نسبيًّا، غير أنها تمثل في الحقيقة نقطة يتقاطع عندها التراث الغربي حين يفكر في اللغة، على نحو ما يُبيِّن دَريدا؛ ذلك التراث الذي رأى الكلامَ تواصلًا طبيعيًّا مباشرًا ورأى الكتابة تمثيلًا اصطناعيًّا غير أمين في تمثيله. وعند تبرير تلك الأوَّلية الممنوحة للكلام، يُستشهَد في الغالب بحقيقة أن الأطفال يتعلَّمون الكلام قبل تعلُّمهم الكتابة، أو أن ملايين الناس يتكلَّمون من دون معرفتهم بالكتابة حتى في الثقافات الرفيعة، ولا تُؤخَذ تلك الوقائع برهانًا على مجرد أسبقية الكلام على الكتابة واقعيًّا أو محليًّا، بل تُؤخَذ برهانًا على أسبقيةٍ سائدة وشاملة. لقد عُومِلَ الكلامُ بوصفه عملية مِن التواصُل المباشر: تتدفَّق الكلمات من المُتكلم وكأنها علامات عَفْوية تَشِفُّ — شفافية تامَّة — عن فكره الحاضر الذي يُريد مُستمِعُه الظفرَ به. وأما الكتابة فتتألف من إشاراتٍ مادية تنفصل انفصالًا تامًّا عن الفكر الذي أنتجها، وتؤدي دورَها المُتميز عند غياب المُتكلِّم فتقترِب من فكره بشكلٍ غير مضمون، كما تبدو إشاراتها وكأنها مجهولة المصدر بالكلية؛ أي مبتورة عن المُتكلم أو المؤلِّف. ومِن ثمَّ، فالكتابة مجرد أداة تقنية لتمثيل الكلام، بل تقوم بتحريف الكلام. هذا الحُكمُ على الكتابة قديمٌ قِدَمَ الفلسفة ذاتها؛ ففي محاورة فيدروس Phaedrus يشجب أفلاطون الكتابةَ لكونها شكلًا لقيطًا من أشكال التواصُل، أي لكونها مفصولةً عن الأب أو لحظة الأصل، ولذا تُثير الكتابةُ كلَّ أنواع إساءات الفهم؛ لأن المُتكلم غير موجود لكي يوضِّح للقارئ ما يدور في ذهنه.
إن الامتياز المعقود للكلام الذي بمُقتضاه تُعَد الكتابةُ تمثيلًا للكلام مُتطفِّلًا وغير تام، يستبعد سماتٍ بعينها في اللغة أو يستبعد وجوهًا من وظيفتِها. ولأن البُعْدَ والغياب وإساءة الفَهْم وعدم الإخلاص والالتباس، تُعَد كلُّها سماتِ الكتابة، فعندئذٍ يمكن عبر تمييز الكتابة من الكلام إنشاءُ نموذج تواصُل يستمدُّ معيارَه من الوضع المِثالي الذي ينطوي عليه الكلام حيث تحمل الكلمات معنًى وحيث يكون بمقدور المُستمِع الظفر — من حيث المبدأ — بما يدور في ذهن المُتكلِّم بدقة. تُشير الحماسة الأخلاقية في مناقشة سوسير للكتابة إلى شيءٍ مهمٍّ محل رهان؛ فهو يتكلَّم عن «مخاطر» الكتابة، وهي مخاطر تنطوي على «إخفاء» اللغة و«اغتصاب» دور الكلام أحيانًا. إن «استبداد الكتابة» قوي ماكر، ويُفضي مثلًا إلى أخطاء في النُّطق تُعَد «مَرَضية»؛ أي: أخطاء تؤدي إلى إفساد طرُق الأداء السَّوية في النطق أو تلويثها. واللغويون الذين يُعنَون بالأشكال المنطوقة «يسقطون في الفخ». إن الكتابة حين تكون تمثيلًا للكلام تُهَدِّد نقاءَ النسَق الذي تُخَدِّم عليه (في عِلم أنساق الكتابة، ص ص٣٤–٤٣، ٥١–٦٣).
بمقدور الكتابة التأثير في الكلام، ولذا تُصبح العلاقةُ بينهما أعقدَ مما بَدَتْ عليه للوهلة الأولى. فالمُخطط التراتُبي الذي يمنح الكلامَ أسبقيةً ويجعل الكتابةَ مُستندةً إلى الكلام، يتغيَّر مسارُه حين يتَّخذ سوسير من الكتابة مثالًا يشرح به طبيعةَ الوحدات اللغوية أو كُنْهها. كيف يمكن شرح فكرةِ تَمايُزِ وحدة لغوية من غيرها بأمثلة؟ يقول سوسير: «بما أنَّ وضعًا مُماثلًا يمكن ملاحظته في الكتابة، وهي نظام آخر مِن العلامات، فسنستعمل الكتابة في عقد بعض المقارنات التي ستُفسِّر المسألةَ بأكملها» (الدروس، ص١١٩، ١٦٥). فالحرف ب مثلًا، يمكن كتابته بطرُق متعددةٍ ما ظلَّ متميزًا عن الحروف ت، ث، ن، إلخ. ذلك أنه ما من سِماتٍ جوهرية يتحتَّم الإبقاءُ عليها؛ لأن هُويَّة الحرف هُويَّة علائقية بكلِّ معنى الكلمة.
هكذا تُصبح الكتابةُ التي ادَّعى سوسير أنه ينبغي ألَّا تكون موضوع البحث اللغوي، وسيلةً مُثلَى نستعمِلها في إيضاح طبيعة الوحدات اللغوية أو كُنْهها. ومن ثمَّ، نفهم أن الكلام شكل من الكتابة وشاهد على آلية لُغوية أساسية تظهر في الكتابة. وإذن، يُفضي النقاش بسوسير إلى هذا القلب: التراتُب المُعلن عنه يجعل من الكتابة شكلًا مُشتقًّا من الكلام وطريقةَ تمثيل طفيلية مضافة إلى الكلام؛ هذا التراتُب ينقلب، ويُقدَّمُ الكلامُ ويُشرَح بوصفه شكلًا من الكتابة. ويمنحنا هذا القلبُ مفهومًا جديدًا عن الكتابة: الكتابة المُعمَّمة generalized writing التي تنطوي على نوعَين هما: كتابة صوتية vocal writing وكتابة خطِّية graphic writing.
وبعد أن تتبَّع دَريدا عملية التفاعُل بين الكلام والكتابة في نصوص أفلاطون وروسُّو وهوسرل وليفي شتروس وكوندياك وأخيرًا سوسير، قدَّمَ إثباتًا عامًّا مؤدَّاه أنه إذا كانت الكتابة تُعرَّف عن طريق خصائص تُعْزَى إليها بشكلٍ تقليدي فسيُصبح الكلامُ عندئذٍ شكلًا من الكتابة. وعلى سبيل المِثال، كثيرًا ما استُبْعِدت الكتابةُ لكونِها مجرد تقنيةٍ لتسجيل الكلام في نقوشٍ يمكن استعادتها وتداولها في غياب قصد الدلالة الذي يدفع إلى الكلام. هذه الإعادية أو قابلية الإعادة هي الشرط في أي علامة؛ ذلك أن تتابُع الأصوات لا يؤدي دورًا دالًّا إلا حين يقبل التكرار؛ أي حين يُمكن التعرُّف عليه ثانيةً بوصفه التتابُع «نفسه» مهما اختلفت الظروف التي يُقال فيها. لا بد أن أتمكَّن مِن أن أُكرِّر لشخصٍ ثالث ما قد قاله لي شخصٌ. ولن يُعَد تتابعُ الكلام تتابعًا للعلامة إلا إذا أمكن إيراده وتداوله بين أشخاصٍ لا معرفة لهم بالمُتكلم «الأصلي» ومقاصده الدالة. إن منطوقًا مثل «ريس أورانجيس ضاحية تقع في جنوب باريس» يستمرُّ في الدلالة لأنه يقبل التكرار أو يمكن تداوله أو إيرادُه مثالًا كما هي الحال هنا، مثلما يستمر في الدلالة أيًّا كان «ما يدور في أذهان» الذين يستنسخونه أو يستشهدون به. ويُعَد إمكانُ تكراره وأدائه دورًا — بصرف النظر عن قصد الدلالة — شرطًا في العلامات اللغوية بوجهٍ عام، لا شرطًا مقصورًا على الكتابة وحدَها. قد نرى الكتابة تسجيلًا ماديًّا، غير أن دَريدا يُلاحظ أن «الكتابة إذا كانت تعني نقشَ العلامات ماديًّا (وذاك لُبُّ مفهوم الكتابة الوحيد الذي لا يمكن اختزاله)، فستستغرق الكتابةُ بوجهٍ عامٍّ حقلَ العلامات اللغوية بأكمله … إن فكرة التأسيس الفعلية — ومِن ثمَّ اعتباطية العلامة — سابقة على أُفق الكتابة، أو تقع في خارجه بشكلٍ لا يُصدَّق» (في علم أنساق الكتابة، ص٤٤، ٦٥). الكتابة بمعناها الواسع هي كتابة أصلية archi-ecriture؛ أي إن الكتابة الأصلية archi-writing أو الكتابة الأوَّلية protowriting هي الشرط في كلٍّ من الكلام والكتابة بمعناها الضيق.



