السميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايل

لا تمضي الروح العامة الحالية في اتجاه النقد الداخلي الشكلي، ومِن ثَمَّ يصعب تكوين رأيٍ عنه من خلال الكتابات الحديثة؛ ربما لأننا لم نَعُد نسمع الكثير عن التلاؤم بين العناصر الداخلية، وأصبحنا نسمع الكثير والكثير عن المرجع reference و«الخارج» غير اللفظي الذي تُشير إليه اللغة والذي يشترط طريقةَ عمل اللغة، بل يُملِي عليها طريقة عملها. ولم يَنتج هذا الوضعُ عن التشديد على الكُنْه الخيالي في الأدب — وهو خاصَّة الأدب المائزة التي تؤخَذ حاليًّا مأخَذ التسليم — بل نتج عن التفاعل بين العناصر الخيالية وعددٍ من المقولات التي يُقال إن لها صفة الواقع reality من قبيل: مقولة الذات self ومقولة الإنسان man ومقولة المجتمع society، أو ما يُعبِّر عنه بعضُ النقَّاد بالعبارة الآتية: «الفنان وثقافته والجماعة الإنسانية». ومِن ثمَّ، جاءت العناية الشديدة بنصوص مُهَجَّنَة hybrid texts يمكن عَدُّها أدبيةً من جانبٍ وإشارية من جانبٍ ثانٍ، وكذلك الاهتمام بالقصص الذي يَحظى برواجٍ شعبي والذي يتعمَّد إشباع حاجاتٍ اجتماعية ونفسية تعمُّدًا واضحًا، وفي الوقت نفسه الاهتمام بالسيرة الذاتية الأدبية بوصفها مفتاح فَهْم الذات، وما أشبَهَ من نصوص. وحين نتحدَّث وكأننا نمتلك القُدرة على «تجاوز الشكلية» إلى الأسئلة التي تُهمنا حقًّا فنحصد أخيرًا ثمار العكوف الطويل على درس التقنيات التي أهَّلتنا للقيام بهذه الخطوة الحاسمة — نتحدَّث وكأننا قد توصَّلنا إلى حلِّ مُشكلات الشكل الأدبي حلًّا نهائيًّا، وكأن تقنيات التحليل البنيوي قد شارفت درجةَ الكمال. ومع وجود قانونٍ داخلي ونظام ينضبط بمُقتضاه الأدب، نعكف بكل اطمئنانٍ على دراسة أمورٍ أجنبية عنه، أقصد سياسات الأدب الخارجية. وليس حالنا حالَ مَن يستشعر القدرةَ على فِعل ذلك، بل نُضمر في أنفسنا اتخاذ هذه الخطوة، على أساس أن ضميرنا الأخلاقي لن يسمح لنا بغيرها. ثَمَّ التزام أخلاقي جدير بالاحترام يتلمَّس التوفيقَ بين بِنيات اللغة الأدبية الداخلية الشكلية الخاصة وتأثيراتها الخارجية الإشارية العامة، ويدعم الثقةَ في إمكان وجود تفسيرٍ أو تأويلٍ صحيح دعمًا قويًّا، كما يدعم الاهتمامَ الحديث بالكتابة والقراءة بوصفهما أفعال كلام speech acts اجتماعية تنطوي ضمنًا على تأثير.
وأُريدُ، الآن، التفكير بإيجازٍ في هذا النزوع بحدِّ ذاته، من حيث هو واقع تاريخي مُتواتر لا سبيل إلى إنكاره، بصرْف النظر عن مدى حقيقته أو زيفه، وبصرف النظر عن قيمته سواء أكانت قيمةً مرغوبة أم مرفوضة. والحقُّ أن هذا النوع من التفكير يحدُث مرارًا وتكرارًا في الدراسات الأدبية. من ناحية أولى، لا يُمكننا التسليم بأن الأدب وحدة مُتناهية تنطوي على معنى إشاري وكفي؛ وحدة يمكن لنا فكُّ شفرتها من دون أن يتبقَّى منها شيء يستعصي على الفك. إن الشفرة بارزة ومركَّبة وغامضة على نحوٍ غير عادي؛ فهي تلفت انتباهًا عاليًا إلى نفسها، ويتطلَّب هذا الانتباه منهجًا صارمًا. إذ لا يُمكننا، بحالٍ من الأحوال، تجنُّب لحظة التركيز البنيوي على شفرة لا تَني تُشير إلى ذاتها؛ فالأدب ينتج بالضرورة شكليتَه. ولا تنشأ الابتكارات التقنية في درس الأدب منهجيًّا إلا حين يُهيمن هذا النوع من الانتباه. وعلى سبيل المثال، لعلَّه من الصواب القول — من وجهة نظر تقنية — إن القليل جدًّا من تلك الابتكارات قد ظهر في النقد الأمريكي منذ الأعمال المُبتكرة في ظل مدرسة النقد الجديد New Criticism. والحقُّ أنه منذ ذلك الحين ظهر العديد من الكتب النقدية الممتازة، غير أنه لا كتاب منها استطاع أن يمضي بتقنيات الوصف والتفسير أو التأويل شوطًا أبعد مما كانت عليه تقنيات القراءة الفاحصة close reading التي استقرت في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته. تبدو النزعة الشكلية ربَّةً مُستبِدَّة أنانية تعكف على نفسها، والأمل في أن يكون المرء أصيلًا على مستوى التقنية وبليغًا كلما دعت الحاجة، لن يُولَد بعيدًا عن تاريخ النقد الأدبي.
ومن ناحية ثانية — ولعل هذا هو الغموض الحقيقي — لم تكن لتُثار شكليةُ الأدب، كَلَّا ولا كيفية ضبط قُدراتها التحليلية وإثرائها، من دون أن تتعرَّض لاختزالٍ واضح كلما أمكن. إذ حين يُعَد الشكل مجرد زخرفٍ خارجي يُغلِّف المعنى أو المحتوى الأدبي، يصير سطحيًّا ومُبتذلًا. وقد غيَّر تطوُّر النقد الداخلي الشكلي في القرن العشرين من تلك الصيغة، إذ صار الشكل حاليًّا مقولةً أنانية في عملية استبطان الذات، وصار المعنى الإشاري خارجًا غير جوهري. لقد تحرَّك قطبا الداخل والخارج أحدُهما مكان الآخر، غير أن مبدأ القطبية ذاته ظلَّ فاعلًا: صار المعنى الداخلي إشارةً خارجية، وأما الشكل الخارجي فصار بِنية داخلية. وعلى الفور، اقتفت نسخة اختزالية جديدة خُطى هذا الانقلاب؛ ففي الغالب توصَف الشكليةُ هذه الأيام وصفًا مجازيًّا يُشير إلى حالةٍ من الأسْر ورُهاب الاحتجاز، من قبيل: «سجن اللغة» و«الطريق المسدود الذي يؤدي إليه النقد الشكلي»، إلى آخِره من أوصاف. في رواية بروست، لا تكفُّ الجَدَّةُ عن حثِّ مارسل الشاب على الخروج إلى الحديقة بدلًا من استغراقه العقيم في غرفة القراءة التي يخلو فيها إلى نفسه، كذلك يفعل النقَّاد الذين يبحثون بشتَّى السبل عن معنًى إشاري في الهواء الطلق. ولا عجب، عندئذٍ، من أن يبدو التوفيق بين الشكل والمعنى شديد الجاذبية في ظلِّ شفرة غير شفَّافة ومعنًى يتلهَّف إلى تخطِّي حاجز الشكل. وجاذبية التوفيق هي الأساس الذي يَميل إلى توليد صِيَغٍ واستعارات زائفة، بما يُفسِّر الصيغة الاستعارية التي ترى الأدب صندوقًا ينفصل فيه الداخل عن الخارج، والقارئ — أو الناقد — هو مَن يرفع الغطاء حتى يفكَّ إسارَ ما كان مستورًا في الداخل يتعذَّر علينا بلوغه. ومِن المُهم نسبيًّا إذا ما كنَّا نُسمِّي داخل الصندوق محتوًى أم شكلًا، وخارج الصندوق معنى أم ظهورًا. إن السجال الجاري الذي يُعارض النقد الداخلي بالخارجي ترعاه استعارة الداخل/الخارج، وهي استعارة لم تتعرَّض لمساءلة جادَّة حتى الآن.
ولا أطمح إلى إزاحة تلك الصيغة الاستعارية الراسخة بمقالة قصيرة؛ فالاستعارات metaphors تتمسَّك بالبقاء أكثر مما تتمسَّك به الوقائع facts، بل أريد فحسب التفكير الدقيق في مجموعةٍ مختلفة من المصطلحات التي ربما تتمتَّع علاقاتها الاختلافية بحِدَّةٍ أقلَّ مما عليه التضادُّ الثنائي المُتناقض تمامًا بين الداخل والخارج، والتي تدخل، من ثمَّ، بدرجةٍ أقلَّ، على الأرجح، في لعبةٍ بسيطة من الانقلابات التي يتقاطع بعضها مع بعضها الآخر. وقد استقيتُ تلك المصطلحات (التي هي قديمة قِدم الصخور) بشكلٍ نفعي من ملاحظة التطورات والسجالات في عِلم المنهج النقدي الحديث.
يتزامن أحد هذه التطوُّرات — وهو التطوُّر الذي يُثير جدلًا قويًّا — مع مدخلٍ جديد إلى علم الشعر new approach to poetics، أو ما يُطلَق عليه في ألمانيا علم الشعر poetology بوصفه فرعًا من فروع السميوطيقا العامة general semiotics. وفي فرنسا، ظهرت سميولوجيا الأدب semiology of literature ثمرةً من ثمار التلاقي بين العقل الأدبي الفرنسي النبيل ومقولة الشكل، وهو اللقاء الأكثر دويًّا الذي تأخَّر طويلًا. السميولوجيا — بوصفِها مقابلًا لعِلم الدلالة semantics — هي علم العلامات، أو هي العِلم الذي يدرس العلامات بما هي دوال signifiers، فهي لا تتساءل عما تَعنيه الكلمات بل عن الكيفية التي تؤدِّي بها المعنى. وعلى خلاف النقد الجديد في أمريكا — الذي استمدَّ استبطان الشكل [تجذير الشكل داخليًّا] internalization of form من ممارسة الكُتَّاب المُحدثين ذوي الوعي الذاتي العالي — اهتمَّت السميولوجيا الفرنسية باللغويات وَفْقَ نموذجها؛ فجعلت من سوسير Saussure وياكوبسون Jakobson مصادر لها بدلًا من فاليري Valery أو بروست Proust. لقد وُضِعَت قضيةُ المعنى بأكملها بين أقواس، بعد إدراك اعتباطيةِ العلَّامة (سوسير)، وإدراك الأدب بوصفه تعبيرًا يتَّخذ من ذاته غايةً «ويُسلط الضوء على الطريقة التي يُعبِّر بها» (ياكوبسون). وبذلك، تَحرَّر الخطاب النقدي من مُهمة إعادة الصياغة التي كان هَمُّها الحفاظ على المعنى. وما هو جدير بالنظر — ضمن حدود سياق النقد الثيماتي thematic criticism والنقد التاريخي historical في فرنسا — قدرة السميولوجيا على فكِّ الغموض. فقد أوضحت السميولوجيا أن إدراك أبعاد اللغة الأدبية أمرٌ تكتنِفه صعوبة كبيرة حين ينقاد المرء بشكلٍ غير نقدي إلى سلطة الإشارة. كما أماطت اللثامَ عن الكيفية التي تُواصِل بها هذه السلطة تأكيد نفسها، بدأَب، عبر عددٍ من حِيل التنكُّر تبدأ من أشدِّ أنواع الأيديولوجيا ابتذالًا إلى أرقى أشكال الحُكم الأخلاقي والجمالي. وتُقلِّل السميولوجيا، بصفةٍ خاصة، من شأن أسطورة التجاوب الدلالي بين العلامة والمرجع؛ ذلك الأمل التوَّاق إلى امتلاك هذَين السبيلَين، أمل في الوجود، بغرَض إعادة صياغة ماركس Marx في الأيديولوجيا الألمانية German Ideology — ماركس الناقد الشكلاني في الصباح الأخلاقي الشيوعي في المساء — أمل توَّاق إلى الوفاء بكلٍّ من تقنية الشكل وجوهر المعنى. وجاءت النتائج في ممارسة النقد الفرنسي مُثمرةً على نحوٍ لا يمكن الإغضاء عنه. فقد استطاع النُّقاد الفرنسيون — للمرة الأولى منذ أواخر القرن الثامن عشر — أن يكونوا أقربَ إلى نوعٍ من الإدراك اللغوي الذي لم يَكفَّ عن التأثير في شعراء هذا القرن وروائييه فاضطرَّهم جميعًا بمَن فيهم سانت بوف Sainte Beuve إلى كتابة أعمالهم الرئيسة «ضد سانت بوف». والحقُّ أن هذه المسافة لم تُوضَع في الحسبان في إنجلترا والولايات المُتحدة الأمريكية، ولا يعني ذلك أننا قادرون في هذا البلد على التغاضي كليةً عن بعض الإجراءات السميولوجية المفيدة.
من الخصائص اللافتة جدًّا للانتباه في السميولوجيا الأدبية — كما تُمارَس حاليًّا في فرنسا وبلدان أخرى — استعمال البِنيات النحوية grammatical structures (وبصفة خاصة التركيبية syntactical منها) بكيفية تجمعها بالبِنيات البلاغية rhetorical structures، من دون وعيٍ واضح بالتناقُض المُمكن بينهما. ففي التحليلات الأدبية عند بارت Barthes وجينيت Genette وتودوروف Todorov وجريماس Greimas وأتباعهم، نجِدُهم يَبسطون مبادئ ياكوبسون ثم يتراجعون عنها، حين يجعلون النحو grammar والبلاغة rhetoric يقومان بدَورٍ يرتبط فيه أحدهما بالآخر ارتباطًا وثيقًا، بما يُمكِّنهم من الانتقال من البِنيات النحوية إلى البِنيات البلاغية بلا أدنى صعوبةٍ أو عائق. والحقُّ أن دراسة البنيات النحوية قد تطوَّرت في النظريات المُعاصرة المُتعلقة بالنحو التوليدي generative والتحويلي transformative والتداولي distributive، بكيفيةٍ جعلت مِن دراسة المجازات tropes والصور البلاغية figures (وهو ما أقصده من مصطلح البلاغة rhetoric في استعمالي له هنا؛ إذ لا أعني به المعنى المُستمَد مِن فنِّ التعليق comment أو فنِّ الفصاحة eloquence أو فنِّ الإقناع persuasion) توسُّعًا في حدود النماذج النحوية grammatical models والعلاقات التركيبية المتسلسلة تسلسُلًا داخليًّا مُستقلًّا. في موسوعة علوم اللغة Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage، يذكُر دكرو Ducrot وتودوروف أن البلاغة كانت وَفيَّةً على الدوام بالرؤية الاستبدالية paradigmatic view للكلمات (إحلال الكلمات بعضها محلَّ بعض)، من دون اختبار علاقاتها التركيبية syntagmatic (التجاور contiguity). ولا بدَّ من وجود منظورٍ آخر، يُتمِّم الأولَ، لا يجري بمُقتضاه تعريف الاستعارة مثلًا بأنها استبدال بل تُعرَّف بأنها نمَط خاصٌّ من التضامِّ combination. وقد بدأ البحث الذي يستلهم اللغويات، أو على نحوٍ أدق، يستلهِم دراسات التركيب syntactical studies في الكشف عن هذا الإمكان، بل يظلُّ هذا الإمكان قابلًا لسَبْر أغواره. لقد رأى تودوروف — وهو مَن أطلق على أحد كُتبه عنوان نحو الديكاميرون Grammar of the Decameron — أن عمَلَه وعمل زملائه مِن الأعمال الرائدة الأولى التي طوَّرت مِن النحو النسَقي في الطرائق الأدبية والأنواع وكذلك الصور الأدبية البلاغية. ولعلَّ أميز الأعمال النابعة من هذه المدرسة — أعني دراسات جينيت لطرائق الصور البلاغية figural mods — يُمكنه إيضاح ما تنطوي عليه التحوُّلات البلاغية rhetorical transformation أو التضامَّات combination من شَبهٍ بالأشكال النحوية التركيبية. وعلى هذا الأساس، تُوضِّح إحدى الدراسات الحديثة — المنشورة حاليًّا في Figures III وعنوانها «الاستعارة والكناية عند بروست» Metaphor and Metonymy in Proust — الحضورَ التزامُني الذي يضمُّ الصورَ البلاغية الاستعارية الاستبدالية إلى البِنيات الكنائية التركيبية، من خلال شواهد متنوعة مُنتقاة بعنايةٍ ومهارة. وتُعالج هذه الدراسةُ التضامَّ combination بينهما بشكلٍ وصفيٍّ غير جدَلي لا يضع في حسبانه إمكان التوترات المنطقية.
قد يتساءل المرء عمَّا إذا كان اختزال الصورة البلاغية figure إلى النحو grammar مشروعًا أم لا. وما من أحد يُنكر وجود البنيات النحوية داخل وحدة العبارة وخلفها في النصوص الأدبية، كما أن وصفَها وتصنيفها أمر لا مَفرَّ منه. لكن يبقى التساؤل عن متى وكيف يمكن حصر وجوه البلاغة في مبادئ تصنيفية عامة. ويقع هذا التساؤل في القلب من النقاش الدائر في عِلم الشعر المعاصر contemporary poetics فيُثار بأشكالٍ عديدة لا يربِط بينها رابط على مستوى الظاهر. فالحاصل أن المشهد التاريخي للنقد المعاصر شديد الاضطراب إلى الحدِّ الذي لا يمكن معه رسم خريطةٍ بمعزلٍ عن طوبوغرافيا المُمارسة النافعة. بالإضافة إلى أن هذه التساؤلات تمتزج وتتضارب فيما بينها في داخل جماعاتٍ نقدية مُستقلة أو في داخل اتجاهاتٍ نقدية محلية، بل تتعايش، غالبًا، في داخل عمل الناقد الواحد من دون تناقُضٍ ظاهر.
والحقُّ أن النظرية الكامنة في هذا التساؤل لا تُناسبها معالجة إيضاحية مُتعجِّلة، ذلك أن تمييز إبستيمولوجيا النحو من إبستيمولوجيا البلاغة مهمَّة جليلة. وعلى المستوى الأوَّلي تمامًا، نميل إلى تصور الأنساق النحوية grammatical systems في نزوعها إلى الشمول والتوليد بكل بساطة؛ فنتصوَّرها قادرةً على اشتقاق نُسَخٍ لا نهائية من نموذجٍ واحد (يتحكَّم في عمليات التحويل بالقدْر نفسه الذي يتحكَّم في عمليات الاشتقاق) من دون تدخُّلٍ من نموذج آخر يُوقعه في اضطراب. ولهذا السبب، نرى العلاقة بين النحو والمنطق، أي الانتقال من النحو grammar إلى القضية proposition، نراه انتقالًا غيرَ إشكالي نسبيًّا؛ فالقضية الصادقة لا يمكن تصوُّرها مع غياب السلامة النحوية، كما لا يمكن تصوُّرها مع غياب الانحراف المُقيَّد عن نسَق السلامة النحوية، مهما كانت درجة تعقيد هذا الانحراف. فالنحو والمنطق يكفُل أحدُهما الآخر بعلاقة ثنائية من الاعتماد المُتبادَل. ومن الممكن أيضًا الانتقال بين أفعال الكلام speech acts والنحو grammar بلا عناء، كما يحدُث في نظرية أفعال الكلام عند أوستن التي تُفضِّل منطق الأفعال logic of acts على منطق العبارات logic of statements، وهي النظرية التي كان لها تأثير قوي في الإسهام الأمريكي في السميولوجيا الأدبية. إن أداء performance ما يطلق عليه أفعالًا إنجازية [إنشائية] illocutionary acts داخل اللغة — مثل الأمر والسؤال والاستنكار والاقتراح … إلخ. — لا يتلاءم مع بِنيات التركيب النحوي في جُمَل الأمر والاستفهام والنفي والتمنِّي. يكتب ريتشارد أومان Richard Ohman في إحدى مقالاته الحديثة: «تُحدد قواعد الأفعال الإنجازية إذا ما كان فِعلٌ بعينه قد أُنجِز ببراعة، بالطريقة ذاتها التي تُحدد بها القواعد النحوية إذا ما كان ناتجُ فعل قولي locutionary act — الجملة — قد صِيغ صياغةً سليمة … غير أن قواعد النحو تهتم بالعلاقات بين الصوت والتركيب والمعنى، في حين تهتم قواعد الأفعال الإنجازية بالعلاقات بين الناس».١ وبما أن البلاغة قد جرى تصورُّها حصرًا بوصفها إقناعًا وفعلًا واقعًا على الآخرين (لا بوصفها صورةً بلاغية أو مجازًا ضمن اللغة)، فمِن البَدَهي وجود علاقة اتصال وتتابُع بين حقل الأفعال الإنشائية في النحو وحقل الأفعال التأثيرية perlocutionary acts. وعلاقة الاتصال والتتابُع هذه، التي تُصبح الأساسَ في بلاغة جديدة، هي أيضًا نحوٌ جديدٌ، كما هي الحال على وجه التحديد لدى تودوروف وجينيت.
ومِن دون التورُّط في مغزى تلك القضية الإشكالية، يمكن الإشارة إلى أن علاقة الاتصال والتتابُع المُفترضة، ها هنا، بين النحو والبلاغة لا يُقِرُّها الفكر النظري والفلسفي من دون الاضطرار إلى اللهاث خلف الأمثلة الأمريكية، والحديثة، ومِن دون استدعاء سند من تقاليد عصر قديم. يلفت كينيت بيرك Kenneth Burke النظرَ إلى الانحراف deflection (الذي يشبِّهه بنيويًّا بمفهوم الإزاحة displacement عند فرويد)، فيعرفه على النحو الآتي: «أيُّ ميلٍ ضئيل أو حتى خطأ غير مقصود» بوصفه الأساس البلاغي في اللغة، ومِن ثَمَّ يُوصَف الانحرافُ بأنه يهدِم الترابُط الراسخ بين العلامة والمَعنى تهديمًا جدليًّا [ديالكتيكيًّا]، وهو الترابُط الذي يجري في داخل الأنماط النحوية. ومِن هنا إلحاح بيرك المعروف عنه على التمييز بين النحو والبلاغة. لقد أكَّد بيرس Charles Sanders Peirce الفرق بين النحو والبلاغة في تعريفه العلامة، وهو التعريف الذي لم تُسْبَر أصداؤه بعد. ومِن المعروف أنَّ بيرس قد أسهم مع نيتشه وسوسير في وضع أساس السميولوجيا الحديثة فلسفيًّا. يُلِحُّ بيرس — كما هو معروف — على حضور عنصرٍ ثالث حضورًا ضروريًّا، يُطلِق عليه العنصر المُفسِّر أو المُؤوِّل interpretant في داخل أي علاقةٍ تتضايف فيها العلامةُ مع موضوعها. يُمكننا تفسير العلامة إذا فهمنا أنها تقوم بعملية نقل، وذلك لأن العلامة ليست هي الشيء بل هي معنًى مُستمَد من الشيء عبر عمليةٍ يُطلَق عليها هنا التمثيل representation. وليس التمثيل عملية توليدية بسيطة تعتمد على أصلٍ أُحادي المعنى. وليس تفسير العلامة — فيما يرى بيرس — حصولًا على معنًى بل هو علامة أخرى. التفسيرُ قراءةٌ وليس فكَّ شفرة. وهذه القراءة، في تعاقُبها، لا بد أن تُفسِّرها علامةٌ أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية. ويطلِق بيرس على تلك العملية التي مِن خلالها «تَلِدُ علامةٌ علامةً أخرى» اسم البلاغة الخالصة pure rhetoric تمييزًا لها عن النحو الخالص pure grammar، وتفترض هذه البلاغةُ الخالصة إمكانَ وجود معنًى ثنائي غير إشكالي. وأما المنطق الخالص pure logic فيفترض إمكان وجود حقيقةٍ شاملة في المعاني. حين ينشأ المعنى عن العلامة بالطريقة ذاتها التي تنشأ بها العلامة عن الموضوع — أي بواسطة التمثيل — فلن توجَد ضرورة للتمييز بين النحو والبلاغة.
وعلى أقلِّ تقدير، تؤشِّر تلك الملاحظات على وجود إشكالٍ وصعوبة الإشكال، وإيضاحُ هذه الصعوبة بشكلٍ نظري موجَز أمرٌ فوق قدراتي الآن. ولهذا السبب، أُضطَرُّ إلى العودة إلى الخطاب التداوُلي [البرَجماتي] pragmatic discourse لكي أحاول إيضاح التوتُّر بين النحو والبلاغة بأمثلةٍ قليلة من نصوصٍ نوعية. سأبدأُ بالنظر إلى ما يُعَد أحدَ الأمثلة المعروفة — الشائعة جدًّا — على التكافل الظاهر apparent symbiosis بين البِنية النحوية والبنية البلاغية، وهو ما نزعُم أنه سؤال بلاغي تُنقَلُ فيه صورةٌ بلاغية نقلًا مباشرًا من خلال وسيلةٍ تركيبية. سأستعير المِثالَ الأول من الأدبية الكامنة في وسائل الاتصال: تسأل مدام بونكر زوجها عمَّا إذا كان يريد رباطَ حذاء البولينج الخاص به معقودًا إلى أعلى أم إلى أسفل، ويُجيب الزوج أركي بونكر Archie Bunker عن سؤالها بسؤال: «ما الفرق؟» ولكون زوجته تلقَّت السؤالَ بسذاجةٍ مَهيبة، فقد أجابت بصبرٍ موضِّحة الفرقَ بين أن يكون الرباط إلى أعلى وأن يكون إلى أسفل، وأيًّا كان الغرض فالموقف يُثير الغيظَ في نهاية الأمر. «ما الفرق؟»: هذا السؤال لا يتساءل عن الفرق بل يعني: «أنا لا أُعطي أدنى اهتمامٍ لما يَكونه الفرقُ». إذ يُولِّد النموذجُ النحوي نفسُه معنيَين يستبعِد أحدُهما الآخرَ بالتبادُل؛ فالمعنى الحرفي الذي يُفتِّش عن المفهوم (الفرق) يُزيحه المعنى البلاغي. وما دُمنا نتحدَّث عن حذاء بولينج فالعواقب تافِهة نسبيًّا، فأركي بونكر الذي يؤمِن إيمانًا قويًّا بما للأصول من سُلطة مرجعية authority of origins (ما دامت بطبيعة الحال أصولًا صحيحة) يتشوَّش ذهنيًّا في عالَمٍ تتبادل فيه المعاني الحَرْفيةُ والبلاغيةُ المواقعَ، فيُبدي قدْرًا من الانزعاج. لكن على افتراض أن اسمَه هو de-bunker (= الفاضح) بدلًا من Bunker (= المستودع المُقفل والغرفة المُحصَّنة تحت الأرض)، وعلى افتراض أن فاضح البداية (أو الأصل) a de-bunker of the arche (or origin) — فاضح البداية an archie Debunker كما هي حال نيتشه أو جاك دَريدا على سبيل المثال٢ — هو الذي يسأل السؤالَ «ما الفرق؟» فلن نستطيع استنادًا إلى صياغته النحوية معرفة إذا ما كان يُريد «على وجه الحقيقة» أن يعرف «ما» يَكونه الفرقُ أم أنه يُخبرنا فحسب بأننا لن نمرَّ بتجربة اكتشاف الفرق. في اللحظة التي نواجِه فيها النحوَ بالتساؤل عن الفرق بين النحو والبلاغة، يسمح لنا النحوُ بإثارة السؤال. غير أن الجُملة التي من خلالها نتساءل تُنكِر إمكانَ التساؤل على الأخص. وإنني أتساءلُ: إلامَ تهدف ممارسةُ التساؤل حين لا نقدِر على الحسم حسمًا جازمًا إذا ما كان السؤال يتساءل أم لا؟
تتمثل النقطة الرئيسة على النحو الآتي: يُولِّد النموذجُ المعياري التركيبي — (السؤال) — بطريقةٍ شديدة الوضوح، جملةً لها على الأقل مَعنيان يؤكد أحدُهما صيغتَها الإنجازية [الإنشائية] illocutionary في حين يُنكرها المعنى الآخرُ. وليس الحاصل أنه يوجَد معنيان فقط، أحدُهما حَرْفي والآخر بلاغي، وأنَّ علينا حسم أيِّ المعنيين هو المعنى الصحيح في هذا الموقف المُحدَّد؛ إذ مِن المُمكن التغلُّب على هذا الاضطراب الناشئ من خلال الاستعانة بقصد النص الخارجي، من قبيل أن آركي بونكر يضع زوجتَه على الصراط المستقيم، غير أن الغضب الفعلي الذي يبدو عليه يؤشِّر على أكثر من مجرد نفاد الصبر، إنه يوحي بيأسه الكبير حين يُواجَه ببنية معنًى لغوي لا يقدِر على التحكُّم فيها، بنية تنطوي في داخلها على احتمالاتٍ لا نهائية من الاضطرابات المستقبلية التي لها طابع الإعاقة، وكلها فاجِعة في عواقبها. وفي حقيقة الأمر، لا تُمثل الاستعانة بقصد النص الخارجي جزءًا من نصٍّ مُصغَّر mini-text يُشكِّله الوجهُ البلاغي الذي لفت انتباهنا، ما دام يظلُّ مُعلَّقًا وغيرَ محسومٍ في نهاية الأمر. وحين أَصِفُ هذا اللغزَ السميولوجي بأنه «بلاغي» فإنني بذلك أُساير العُرْفَ العام. لا يُصبح النموذجُ النحوي الذي يعمل بمُقتضاه السؤالُ بلاغيًّا حين يُتيح لنا معنًى حَرْفيًّا ومعنًى بلاغيًّا، بل يُصبح بلاغيًّا حين يستحيل علينا أن نُقرِّر — بواسطة الوسائل النحوية أو اللغوية — أيُّ المَعنيين (المُتضاربين تمامًا) يتغلَّب على الآخر. وبهذه الطريقة، تُعلِّق البلاغةُ المنطقَ تعليقًا جذريًّا، فتفتح إمكاناتٍ مُدوِّخةً من الضلال المرجعي referential aberration. ولن أتردَّد في مساواة القوة المجازية البلاغية الكامنة في اللغة بالأدب نفسه، مع ما في ذلك من ابتعادٍ إلى حدٍّ ما عن الاستعمال الشائع. وقد أشرتُ عددًا من المرات السابقة إلى مساواة الأدب بالبلاغة، وتوجَد إشارة أحدث قام بها مونرو بيردسلي Monroe Beardsley في تحريره المقالات Essays تكريمًا لويليام ويمسات William Wimsatt، حيث ألحَّ على أن اللغة الأدبية تتميز بوجود «مبدأ أعلى يتشكل، بلا ريب، من نسبة المعنى الضِّمني [أو ما أُسمِّيه البلاغي] إلى المعنى الصريح».٣
سأتتبَّعُ قضيةَ السؤال البلاغي بمناقشةِ أكثر مِن مثال. تنتهي قصيدة ييتس Yeats المُعنونة ﺑ «بين أطفال المدرسة» Among School Childern بالسطر الشعري الذائع الآتي: «كيف نُميِّز الراقص من الرقصة؟» ومع أن التعليقات الشارحة لهذا السطر تنطوي على شيءٍ من التناقُضات المُوحِية، فمن المعتاد تفسير هذا السطر أو تأويله بوصفه تعبيرًا عن الوحدة الكامنة بين الشكل والتجربة، بين المُبدع والإبداع، عبر التأكيد المتزايد على الوسيلة البلاغية. ويرى المُفسرون والمؤوِّلون أنه يُنكر وجودَ تناقُض بين العلامة sign والمرجع [المُشار إليه] referent، وهو تناقُض نتغافل عنه منذ البداية. وثَمَّ عوامل عديدة في تطور القصيدة الخيالي والدرامي تدعم تلك القراءة التقليدية. ومِن دون الاضطرار إلى الرجوع أبعدَ مِن الأسطر الشعرية السابقة مباشرةً على هذا السطر سنجِد صورًا images قويةً تُكرِّس الانتقالَ من الجزء إلى الكل، بما يجعل المجازَ المُرسَل synecdoche أغوى من الاستعارات metaphors: جمال الشجرة العضوي المُعبَّر عنه بتركيبٍ يوازي السؤالَ البلاغي ويُماثله، أو نقطة الالتقاء بين الرغبة الإيروسية والشكل الموسيقي في الرقصة:
أَيَا شجرة الكستناء المُزهرة الضاربة في عمق الأرض،
هل أنت الورقة أم الزهرة أم الجذع؟
أَيَا جسدًا يهتزُّ مع الموسيقى، أَيَا ومضة ساطعة،
كيف نُميِّز الراقِصَ من الرقصة؟


