العقل العربي/حميد المصباحي

هل كان العقل بجنس قوم أم بتجاربهم وحمولات تلك التجارب وما ولدته من معاني، هل ينتج العرق آليات خاصة به تميزه عن غيره، تمثلات وتصورات وحتى هيامات؟
إن التعريف بالعرق لا يحدث إلا إن استحال غيره، فالناس تنسب للمنطقة وأحيانا تعرف بعرق ساكنيها، وهو ما يقصد به عندما نتحدث عن العقل العربي، بمعنى مميزات القوم قبل أن ينخرطوا في أية ثقافة، وهذا يفترض أن نعتبر العرب قبل الإسلام كانوا يعيشون بدون ثقافة، أي بالطبيعة، وهذا أمر صعب الإثبات، فكيف كانت ثقافتهم قبل الإسلام، وهل كان هناك قعل منتج لها؟
بماذا تميز هذا العقل وما كانت آليات إنتاجه لقيمه ومعارفه وطقوسه؟
1_خيال الأعرابي
كان عقل الترحال، أرقه الزمن والتحول، جاور الديانات جميعا، موحدة وحكمية ووثنية مجسدة، اعتنق بعضها وتحرر من أخرى، وانحاز لمن كان أتباعها أقوياء أو جيران له عندما يقيم، وما أن يرتحل حتى ينساها وينسى طقوسها بحثا عما يلائم ترحاله لا إقامته، ترك الخيام وحاول العرب إقامة القبيلة ضمانا للاستقرار مع الحفاظ على التنقل للرعي والتجارة وحتى الغزو، أحاطوا بمكة لتصير سوقا للكلم والشعر واكتشاف ما حصلوه تجارة من أقوام غيرهم، لكأنهم بالترحال فكروا حتى وهم مستقرون، فالعمران بمثابة سجن لخيال الأعرابي الذي ينحت قوله بما يشاهد في ترحاله، والمدينة غزاها بخياله لتكون لحظة استراحة واستجماع للأنفاس وربما كانت،،خزينة لمال لم يستوعب ضرورته مادام عاشقا لانتزاع ما يرغب فيه بالقوة من الغريب، وأما ما لدى القريب فهو له إن كان من علية القوم، فإن لم يكن حصله بكرم الأخ وابن القبيلة، فما عساه يكون هذا العقل وبأية بنية يشتغل وماذا ينتج؟
لذلك لم يجرد وإن فكر عقديا، بل أقام تشابها شعريا بين المشاهد والغائب عن الحس كما سمع، لا كما تأمل وخمن، والفروق هنا تحدث تحولات أو تعيقها، بحيث أنه يضيف للفكرة أكثر مما يبدعها، بحيث تصير له بالإضافة لا بالخلق والإبداع، وهي أي الفكرة، بما يضيف إليها تصير مختلفة عن أصلها بدون أن تفقد ما يميزها كخيالات لا مجردات، وهذه الطاقة التي عطلت، سوف تنبعث بقوة خيالا وفكرا بمجرد ما أتيحت له فرصة تأمل تأملات الغير ليخلق بها تأملاته الخاصة.
إنه يتعرف على الوجود خاما ويحبه، وإن وجد فيه أثرا لغيره مجه، إن حب الطبيعة ينفر من كل مختلف عنها أو مضيف لها، فحتى اجتماع القبيلة كان طبيعة وامتثالا لروح الأجداد الذين هناك عاشوا وأنجبوا وقاتلوا وقتلوا، هي ذكرى أثرت على وجهات الخيال الجمعي، فلا يعرف تميزا إلا باللغة، تلك المغايرة والمخلدة لمجد الجماعة والدالة على تساكن الجن والبشر، فالشاعر شاعر بما تملكه من كائنات كأنها روح الأجداد المحلقة عاليا والمنبعثة من عالم غريب، تهب بعض رجالاتها لسانها الذي ينبعث من عبقر، مكمن الجن الخارق، فقد كانت الكلمة للجماعة، استمرارا لمجدها وتاريخها وقوتها وحتى قهرها لغيرها من القبائل، ونادرا ما كان الشاعر يصير ناطقا باسم ذاته عنفوانا وأرقا وشكا وحكمة، لكأنه طوع حتى اللغة لخياله لتصير في خدمة العالم كما يراه لا كما يريده، فخياله لم يشيد ممكنات حياة أخرى خارج نظام القبيلة والعشيرة، فرفضها يقود إلى خارجها، لا مجال للحوار ولا النظر في حياة الجماعة بضم غيرها أو بناء مؤسسات بقانون مغاير لوجود العشيرة والقبيلة، فأنت بها لا بغيرها ولن تقبل بالانضمام لجماعة أخرى مهما كنت ومهما فعلت إلا ضيفا تنتهي حتما ضيافته أو ميتا يدفن في معاقل الجماعة إن حيا بها، فإن كان من المتمردين عليها، ترك في الصحاري منسيا ميتا كما نسي هناك حيا.
هكذا غدا عقله مشدودا لوحدة القبيلة، هي مرادف له وهو شبيه لها، لا يعرف نفسه إلا بها، رابطة الدم عرقا صارت، لا يربط إلا ما ربطت، ولا يسرح إلا ما سرحت، فكيف تكون الحرية في الطبيعة معشوقة، وفي القبيلة مذمومة؟؟
2- هيام الأعرابي:
هو تخيل محكوم بالأمنيات لا الممكنات المجردة، وهذه الأمنيات، هي رغبة تحقق ما هو محروم منه، طعاما وماء وكسوة، ونساء غريبات عن القبيلة ومختلفات عنهن، وهنا يستحضر حتى حريته التي لا يعترف له بها داخل القبيلة.
القبيلة ليست مقاما يطيب له، بل مقر يحتمي به من جبروت القبائل الأخرى، الطامعة في كل مفتقد لها أو ما ضاق بها، كلأ ومجدا وامتدادا، وهكذا كانت غريزة التوسع دليل قوة وحظوة للفرسان من المقاتلين الذين يغيرون ويدافعون في الوقت نفسه، عن مجالهم الحيوي.
العقل هنا حوصر بالممكنات تخيلا واستهاما، فلم يسمح له بتخطي الروابط العشرية لتأسيس روابط بديلة، يستدل بها على وجود ترابط بين سابق ولاحق، فالزمن ممتد بوجوده وهو استمرار لمن سبقوه، فلم يخلفوا له آثارا دالة على اختلافهم عنه، كتابة وفنونا، ما عدا ما حفظ من أشعارهم المفتخرة بحروبهم وكرمهم وانتصارهم على من عاداهم أو واجههم، فماذا عمن تحدوا القبيلة وتمردوا عليها، هل تأهلوا لإحداث تغيير في طرق تفكيرهم ليسعوا للتأمل؟؟
3- صعاليك الرفض:
رفضوا القبيلة وفكروا مثلها بتأسيسهم لروابط بديلة، وحدها السلب بالإغارة على الأثرياء، واعتبار ما تطاله أيديهم وسيوفهم حقا لهم، فالحياة حق لهم، ولهم في البراري سطوة يثبتون بها سيادتهم على الشارد والتاجر وحتى المقاتل الطالب لثأر من أحدهم، هؤلاء كانت لهم خيالاتهم واستهاماتهم الرافضة لتقاسم المشترك مع القبيلة، وخصوصا زعمائها الوارثون للقوة والموزعون للسيادة بينهم بحكم عرفهم وأنسابهم، رغم مناوشات المناوشين، الذين ينفون خارج القبيلة أو يقتلون تآمرا أو سرا.
هذا النمط من الحياة العنيفة، جذب الأقوياء والرافضين لأعراف القبيلة، وهم عشاق الطبع بما فيه من ترحال وتخلص من كل قيم الإقرار بالتراتب الموروث، إنهم حتى فيما بينهم، يحتكمون لقوتهم ومهارتهم القتالية، ولا أحد فيهم يورث القيادة لابنه أو أخيه، بل هو من ينتزعها انتزاعا ويذود عنها في كل حين، ويثبتها بتقدمه لهم وإقدامهم قبلهم، فالموت لا يخيفهم، بل إنه نهاية يقرون بضرورتها قتلا لا شيخوخة وكبرا وترهلا للجسد.
4- عقل تخيلي:
الخيال كما حدد، توهم لموجود هو عدم بعناصر موجودة، تشبيها أو حتى تشبها، فالعقلي فيه، هو استباق لمتوقع، قد يحدث أو لا يحدث، أو يقع بشكل مغاير، فمن يعيش في مناطق ثلجية، يشاهد الثلج يتشكل بأشكال مختلفة، لكن طبيعته تظل كما هي، وأن ما يؤول إليه، هو ماء، أي ما كانه، فيصير التوقع صادقا، بل يدفع للربط بين الظواهر عندما يتجاوز حدود الثلج إلى موجودات أخرى، والماء فاعل، بما يفعل طبيعيا وما ينتج عنه، نباتا وكائنات وحتى طفيليات عندما يفسد، عكس الرمال، فلا ينتج عنها إلا ما صاحب المياه أو كانت هي نفسها تربة منبتة بماء مهما شح، وبذلك، تبدو الطبيعة مكررة لنفسها وكأنها ثابتة وممتدة ومهدد لكل عابر بالتيه، والتيه في الامتداد موت وضياع، وهذه الحالة لا يمكن حتى تسميتها بما عرف بحالة الطبيعة، بل هي حالة مختلفة في طبيعة معزولة، الاجتماع فيها ترحال جماعي أو إقامة مؤقتة، تفرض الاكتفاء بما تقدم أو سلب ما لم يتوفر، وهي خالقة لسراب، يحسبه الظمآن ماء، وكلما اقترب منه، اكتشف زيفه فعاد لمكانه أو قصد آخر، حالما بما لم يجد حقيقة، وهذا هو الضياع بالمعنى الرمزي وحتى المادي.
فالأمكنة محددة لنشاط الإنسان المادي وحتى الذهني على ما أعتقد، وليس غريبا، أن تجد حضارات البحر متشابهة ومتقاربة مع حضارات الأنهار والوديان، تفاعلها أكثر احتمالا، ودرجة قبولها بالمختلف عنها عالية، وهي بذلك محكومة بمنطق حياة ينشد البحث والتعرف على المزيد من الظواهر المتعددة في مجالها الحيوي، فهي تحدد الوجهات بناء على ماء تعتبره حياة لها رغم ما يشكله من أخطار لها، فهي لا تتيه في برها، بل تسترشد ببحرها أو نهرها حتى ليلا، وكلما اقتربت منه أدركت ذلك برياحه وحتى رائحته.
لكن ماذا عن هذا العقل وقد غير حامله موقعه الجغرافي أو ساهم في تحويله منتقلا من البراري إلى المدن؟؟
5- تمدن بتدين:
قد يقال وفقا لتصورات ابن خلدون، أن العمران وظهور السلطة، المعتبرة افتراضا دولة، هو انتقال من وضع إلى آخر، ينشط فيه العقل المُكَوَن ليشيد بنيته العقلية الكونية منطقا وتمثلا، لكن الحقائق التاريخية، تثبت أن العمران نفسه، يتأثر بطبيعة العقل الموروث من البيئة الأساسية، ووفقا لقيم الدين، يؤسس عمرانه و يؤثثه بما يناسب الدين الذي ساد، وكذلك الأمر حتى في طبيعة السلطة، التي انبنت كما على العصبة كما أكد ابن خلدون نفسه، فظهر حكم، رغم استفادته من تجارب السابقين، بقي جوهره، قبليا عشائريا في تصوره للحكم.
إن التمدن بالفكر، يختلف وأعتقد أنه يناقض التمدن بدين، أسس وحدة وقوة، وتمدن بناء على انتقائية استمدها من تجارب الغير، بدون أن يتماهى معها، لأنه لم يساهم في خلقها وتطويرها، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع الفكر نفسه، إذ بقي مهووسا بلاهوته الذي استمد الكثير من عناصره، مما هو مسيحي ويهودي، مع تعديل مكوناته ودمجها فيه، تفسيرا للإسلام وحتى للفلسفة إلا ما ندر منها عندما استقلت عن علم الكلام، وحاولت خلق أفق لها يتجاوز تجاورا الفلسفة اليونانية، وربما فلسفات أخرى هندية وفارسية في صيغتها الدينية.
فماذا كانت نتائج ذلك، وهل حقق نهضة فكرية وحضارية وسياسية؟؟
من مفارقات التاريخ القديم، وفي شروط ديمغرافية وجغرافية، قد تحوز حضارة أسباب القوة بقوتها العسكرية بدون أن يكون لها مشروع ثقافي متقدم عمن سوف تهزمهم، فتجد فيهم منافسين لها، عليها أن تطور علومهم ومعارفهم، وأحيانا تتعلم حتى لغتهم، ضرورة لا اختيارا، وهي عندما تكون دينية، يختلف تعاملها مع الآخرين، خصوصا إن كانت إسلامية، وهي في بداية تشكيل تصورها الديني للعالم وحتى الحضارة التي تسعى لتشييدها، ولكي تحافظ على ما تعتبره تميزا لها، تجب ما قبلها، فتلغي بعضه، وأقوى أشكال هذا الإلغاء، هو طمس لغته وتاريخه.
في مصر اعتبرت اللغة الفرعونية، لغة محرمة فقد تكلمها فرعون الذي ادعى الألوهية، وفي بلاد العراق، حيث البابليون والأشوريون وسوريا السرياليون والمغرب الأمازيغ، ولم ينجح هذا المحو في فارس، إيران وإسبانيا، والمغرب بقيت الأمازيغية شفاهية في الأقاصي، محتجبة بالجبال والصحاري، وكأن العربية كلغة للوحي، هي الجديرة بالوجود وحفظ القداسة، لكن التاريخ عاد ليحفظ الذين حافظوا على لغتهم، فاستأنفوا مسارهم الحضاري رغم حفاظهم على ما اعتبر تراثا إسلاميا، باستثناء الأندلس، إسبانيا حاليا.
6- تعثر بمعتقد:
لم تقترن المسيحية بالدولة إلا في القرن الثالث الميلادي، من خلال الرومان، وكان ذلك بفعل انتشار الفكر المسيحي، وتوجس الساسة من تحول هيمنته الاجتماعية إلى قوة سياسية، كما أن ذلك كان بفعل وجود مبرر للتحامل على اليهودية ومحاصرتها بحجة قتل المسيح، واستمر هذا الاتصال حتى القرون الوسطى، لكن الاكتشافات العلمية واصطدام العلوم برجال الدين الأكليروس، الذين قبلوا بتسيس المسيحية، انتهى بمواجهات، فعاد الفكر الأوروبي لذاته ما قبل المسيحية، ليستحضر الفكر اليوناني والعقلانية ليستأنف بها تراثه ويدعمه بها.
بذلك انتصر علميا وسياسيا وثقافيا، لكن العالم العربي عندما فكر في نفض غبار التخلف والتقدم، لم يجد إلا النموذج الخلافي في السلطة، بينما التراث الفلسفي لم يكن مدعوما بعلوم، لأنه اضطهد رجالا وفكرا وثقافة، إذ كانت كتبه أحرقت أو حرفت، فوجدوا معارف لاهوتية في التفسير جمعت القصص الخرافية والأساطير واعتبرتها كتابات شارحة مقدسة، أما العربية، فقد سيجت بالنص المقدس الذي وضعوا باسمه لها حدودا، عطلت ارتباطها باللغات الأخرى، وكانت بل صارت هي نفسها معطلة لكل أشكال التأمل الفكر الإبداعي والفلسفي، فربطوها بالشعر، وحولوها هو نفسه بانتحاله إلى خادم لعقل تكراري تقليدي جامد ومقدس لكل أشكال الجمود والتبعية، حتى غدا سلفي المحتوى والطموح، وما يزال رغم تطور العلوم اللسانية والدلالية في اللغات، محروما من خوض غمار الكشف والتحدي لتراث السابقين بإعادة قراءته وفحصه.
كانت حصيلة هذه المسارات، أن انطلق العقل الأوروبي الغربي فاتحا ومتحديا، ففرض على المسيحية، العودة لأصلها لتتفكر في الخلاص الأخروي وتدعم أخلاق الأخوة بعيدا عن التحريض، وتنتقد تاريخا في القرون الوسطى وتتبرأ منه، رغم أنها كنصوص وتعاليم لم تكن مسؤولة عن العنف الذي مورس باسمها، بل هي أحيانا لم تنج منه، أتباعا ومؤسسات دينية، بينما العالم العربي وما جره معه من الإسلامي، وجد نفسه مكبلا بما هو اعتقادي، بشعارات جرت عليه الويلات، من قبيل الإسلام دين ودولة، وهو ما زكاه حتى بعض الفلاسفة الفقهاء، مثل الغزالي، الذي يقول في المنقذ من الضلال، الملك والدين توأمان، الدين أساس والملك حارس.
هكذا عاش ويعيش العقل العربي، مزهوا بقصوره، يدعم الدين أو يؤوله في أحسن الحالات، ويخدمه خدمة للسلطة الحامية له والمحتمية بها سرا، والرافعون لسلطة العقل، مهددون ينظر إليهم نظرة ريب، ويوصفون بأعداء الدين والعلمانيين والتغريبين، وفي أحسن الحالات، يعتبرون تنويريين تفاديا للحرج.



