دينامية النص الديني/حميد المصباحي

كل نص ديني، غايته تحصين ذاته بما يضمن استمراريته ودوام تأثيره الروحي في أتباعه وتلاحمهم بخضوعهم لسلطته، التي قد تستعين بسلطة أخرى، لتمكن نفسها من حيازة قوة مادية، عندما لا تنفع الروحية أو تكون مهددة بمنافسين لها أو مشككين في مشروعيتها.
لكن المنطقين للنص الديني، بما يعتبر تفسيرا له، لا يطالبون جميعا بسلطة سياسية أو يرتبطون بها لفرض دينهم وعقيدتهم، بل أحيانا الساسة هم من يلجؤون لذلك، تقوية لسيادتهم المهددة، أو تحصينا لها بقوة اجتماعية قوي اعتقادها الديني ووثقت فيه، ثقة وإيمانا لعوامل متعددة، أهمها حفظ هوية جماعية تحتاجها المجتمعات والدول وحتى الحضارات.
وتبعا لذلك، هناك تفسيرات للنص الديني، وفقا لطبيعته ومحتوياته، حتمت أن تكون الشروحات، خادمة له وفق الفترة التاريخية، بما يحمي الجماعة من تهديدات، ليست بالضرورة خارجية، بل من انشقاقات إن حدثت مست الجماعة نفسها وألغت تميزها فذابت في تجمعات بشرية أخرى وضاعت هويتها وربما حتى لغتها وكيانها الجمعي والحضاري في سياق تاريخ، معروف بعنفه البشري أو الجغرافي الطبيعي، وقد يكون النص نفسه خادما لها مصححا لاختيارات بدت منجية، لكن الأتباع اختلفوا حولها، فكان لزاما على حكمائهم، الاحتكام إلى المطاع الأعظم، سواء كان إلها أو ناطقا باسمه أو حافظا لسره.
فكل نص ديني، لكونه كذلك، هو قابل بالضرورة لقراءات قد تصل حد التعارض، فنسجت حوله كل جماعة، آليات للحد من اتساع الدلالات، بحصرها في سياقه الثقافي، أو الوقوف عند دلالاته الأكثر اتساعا وحرفية في الوقت ذاته، وهو ما يطلق عليه الباحثون، الأرثوذكسية الحارسة للمعاني بتاريخ لاهوتي، محرم للتعدد ومحاصر للمعاني باعتبار الخصوم، أهل بدع مثلا في الإسلام، أو مجذفين في الديانة المسيحية وحتى اليهودية إلى حد ما مع اختلاف في درجات التصنيف ما بين المروق والكفر وحتى العصيان.
فما هي آليات حصر المعاني للتحكم في الدلالات المراد فرضها؟؟
1 عصمة المفسر وقداسته:
يتم التركيز على شخصية المفسر ببعدين، زمني، باعتباره الأقرب زمنيا من الرسل، والوارث بالمعايشة لأسرار الديانة التي يدافع عن حقائقها، رغم وجود حالات، تم فيها تجاهل بعضهم، إما لشذوذ تفسيراتهم عما راج في زمنهم، أو لعلة فيهم أو سوء تقدير بعضهم أو حتى لجنسهم أحيانا، فنادرا ما تجد مفسرات مثلا، أي نساء، اللهم في روايتهم التي يعتد بها بدون القبول بتفسيرهن لها.
البعد الثاني هو إجماعي واتفاقي بين اللاحقين على قداسة المفسر التي تصل حد العصمة كما هو حال المسلمين الشيعة في تعاملهم مع الأئمة.
فالأئمة من خلال السلسلة الذهبية، تواترهم من حيث الرواية لهم نسب أهل البيت، أي الرسول والأحفاد وكل من انتسب إليهم، بينما يركز السنة على المصاحبة والقرب الزمني من البعثة إضافة طبعا للنسب القرشي العام، وهو الأمر نفسه بالنسبة لليهودية التي تؤكد على ضرورة حصر النبوة نفسها في موسى وبعده اللاويين من أحفاد هارون أخيه ثم داوود فيما بعد، أما المسيحية فقد انفتحت على ما عرف بالأمم رغم عدم تنكرها للآباء الأولين الذين كانوا من اليهود ممن آمنوا بألوهية المسيح.
2 سلطة سياسية داعمة:
السلطة بقوتها كدولة، ترجح المؤهلين للتفسير وقد تفرضهم على الكل، معتبرة ذلك حماية روحية للمجتمع والحضارة، فتنال بالتفسير حظها من مشروعية، تحتاجها إلى جانب قوتها حتى لا تضطر لممارستها أو تجعلها مقبولة غير مدانة من طرف المجتمع أو الخصوم.
فكثيرة هي الدول التي لا يتم فهم تاريخها بدون استحضار تاريخ الوحي وتأويلاتها له المصاحبة لكل صراعاتها ونجاحاتها وحتى إخفاقاتها السياسية والاجتماعية كالدول الإسلامية، والمسيحية في تاريخها القديم، والتي بثوراتها ضد الكنيسة، باعدت بينها وبين مشروعيتها السياسية بالعلمانية، والأمر نفسه بالنسبة لليهودية، لكن بدرجة أقل، رغم وعيها بضرورة فصل السياسي عن الديني.
وقد تركت التأويل لمؤسسات دينية تلبي الحاجة الروحية للمجتمع بدون أن تجعل ذلك، مهمة من مهامها من خلال قبولها بالاختلاف الديني وعدم اعتبار أية ديانة فيها شرطا لممارسة السلطة السياسية. وهو حل دعمته العقلانية لبناء دول عصرية، هذبت سلوك الحكم بما هو ديمقراطي تناوبي باستحضار المصالح بعيدا عن الصراعات الطائفية أو الدينية.
لكن هناك ديانات أخرى، حكمية في تصورها للوجود البشري، خاصمت السياسة أو تركتها اختيارا حرا للعابد والمؤمن بها، ولم تلحقه بطقوسها، بل اعتبرته نشاطا بشريا، كالهندوسية والبوذية والطاوية بدون أن تلغي دينامية التأويل كاجتهاد ضروري لتكيفها مع مستجدات الحياة الفردية والجماعية.
3 الأغلبية الغالبة:
انقسامات المجتمعات حقيقة لا يمكن التنكر لها، وكلما كان حضور الديني قويا، كانت الحاجة ملحة لسيادة تأويل الأغلبية أو دينها المهيمن، وبفعل ذلك، يسود التأويل الأكثر قدرة على حيازة رضى الأغلبية ببساطته وبعده عن التعقيدات الفكرية التي تتطلب مجهودا ذهنيا أو سعة اطلاع واسع على محتواه.
لكن صيرورة الديني لا تظل بسيطة ليلجها الكل، بل تضاف لها تعقيدات لتصير علما، فيه ما يناله الكل، وفيه ما يظل حكرا على العالمين به، تاريخا أو حفظا أو حتى إرثا لجماعة مخصوصة به ومحتكرة لبعضه، بما تتأهل إليه اختيارا أو سلطة وتقربا.
فما دام الأمر كذلك، فمن أين يبدأ تجديد التأويل وكيف يحدث فيفرض نفسه على غيره، فيسود منتصرا على المجتمع وحتى على السلطة نفسها؟؟
4 دينامية النص الديني وثقافة المجتمع:
في مجتمعات الدين الفردي، كاختيار شخصي، تعتبر الديانة ثقافة بالمشترك اعتقادا وطقوسا لا تلغي ثقافة المتعة الفنية والفكرية والعلمية، وهي الأهم، وبناء عليها يحدث تغيير المواقع و يحدث الترقي الاجتماعي والرمزي، إذ لا تقود الطقوس لاكتساب أية حظوة، وكذلك المواعظ، إلا إن كانت معرفة متخصصة لفهم الدين كعلم الاجتماع الديني أو علوم الديانات المقارنة أو الأنثروبولوجيا الثقافية، ومع ذلك تحضر الاجتهادات في الدين من داخله وخارجه، بحثا وحوارا واختلافا كلما دعت الضرورة لذلك.
أما في المجتمعات التي يحضر فيها الدين بقوة اجتماعيا وسياسيا، فهي تعيش به معترك التعرف على ذاتها وتحصن به وحده هويتها وتكيفها معه، بأنسب التأويلات لذلك، مذهبا وفقها وتربية وتعليما، فتتطور بما يوافق ذلك وتتقبل الكوني قيما وسياسة وفق منطق المباح والمحرم، أما المصالح فتحجب به تعاليا عليها وتبخيسا لأهميتها ودورها، حتى إن كانت علوما ورقيا تكنولوجيا إلا في حالات نادرة، تحت تأثير الخوف من عدوان أو سقوط.
وبذلك فالديني حاضر بوجهين، التأويل الرسمي له والسائد، وآخر خفي يبدأ فرديا ويتطور داخل جماعات مغايرة، تتخذه وسيلة للمواجهة وتكشف به عن ذاتها لحظة قوتها لتواجه أو تفرض بعض اختياراتها مهددة أو منافسة حسب الحالات والملابسات التي تعيشها المجتمعات وهي تجدد ذاتها أو تعود بها لقديم عاش في خفاء ديناميته الارتجاعية كحل يراه مجسدا لعودة روح فقدت زمنا وآن لها أن تعود لفرض صفائها وأصلها الممثل لحق غاب أو غيب.
لكن هناك دينامية أخرى، تعرف بالتجديد الديني، أو ما عرفته أوروبا بالإصلاح الديني، وهي حاضرة بقوة نخبة، وفاعلة فكريا، ومنتجة لثقافة الحرية اعتقادا وفكرا وسياسة، تجتهد من داخل النص الديني لتأويله بما يوافق العقلانية والحداثة، وبجرأة تتزايد بحضورها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والمنتديات المعرفية والأركيولوجية الباحثة، والمنتقدة لصورة الديني، وقد نالت التصورات الإسلامية نصيبا وافرا من ذلك، بحكم عنف السلفية ولا عقلانية قيودها المفروضة على الفكر والحريات والفنون وحتى الفكر.



