الطائر الجريح /سنية عبد عون رشو

وقفت بثوبها الأبيض كأنها تشيع أحلامها وبراءتها الى مثواهما الأخير بينما يؤدي الجميع رقصة شعبية . كانت تريد ان تصرخ لكن صوتها أختنق بين الخوف والخذلان .
تتوجع ألما وحسرة حين دخلت قاعة الاحتفال خجلة ، لم ترفع رأسها بوجوه الحاضرين ، تمنت بداخلها ان يحدث أمر ما ، ليفشل هذا الزواج الذي خنق انفاسها وجعلها تفكر بالهرب . فهل يمكنها ان تهرب من ليلة زفافها بفستانها الأبيض . ؟؟
اجتمع الأهل والأقارب . وهي تحسبهم صنف من البرابرة أو آكلة لحوم البشر .
زُفتْ عروس لابن عمها الذي يكبرها بسنوات عديدة . اقتلعها الكبار من عالم طفولتها ، وألبسوها فستان الزفاف الذي أثقل جسدها النحيف . تاركة خلفها دميتها وأحلامها وشهادة درجاتها المدرسية .
ما تزال تجمع احلامها الصغيرة بين دفاتر المدرسة ، وتشجيع مدرساتها وصديقاتها عند وقوفها على خشبة المسرح المدرسي وهي تؤدي دورا فكاهيا أثار أعجاب الحاضرين فقررت ادارة المدرسة ان تمنحها كأس التمييز والأبداع . لكن أسرتها . من الناحية الأخرى قرروا ان يختاروا لها طريقا آخر لم تختره هي . فقد أجبروها على الزواج من ابن عمها ، لتكون الزوجة الثانية ، فزوجه الأولى لم يحالفها الحظ بالإنجاب. اذن ستكون هي الوعاء الجديد للتجربة ، وهي تعرف تماما ان ذلك لم يكن سوى القتل المتعمد لطفولتها ومستقبلها ، لكنه لا يعني شيئا بالنسبة لهم . كانت تبث همومها لشريط أسود ملصق فوق صورة أمها فقد كانت سندها والجدار الذي يحميها من قسوة والدها وتسلطه ، والذي يعتبرها كأنها حمل ثقيل عليه .
بكتْ كثيرا ، وتوسلتْ ، وأخبرتْ الجميع انها لا تريد هذا الزواج ، لكن صوتها كان أضعف من التقاليد والأعراف التي أحاطت بها كالجدران الصلدة الصامتة التي لا تسمح لصوت الأنثى ان يُسمع ، ولا تسمح لها ان تقول لا . .
وحين اقترب موعد زفافها شعرتْ ان الأيام تضيق حول عنقها ، كأنها حبل المشنقة
الذي تراءى لها في كوابيسها منذ بدأ الحكاية .
سارت وروحها تئن بين الخوف والخذلان ..
اذن عليها ان تهرب ، ولكن الأمر مستحيل فالمكان محاط بالناس من كل جانب . وربما يمسكها والدها القاسي ، أو أحد اخوانها الذكور فهم جميعا قد استلموا الثمن الباهض الذي دفعه أبن عمها ذلك العجوز البليد المتصابي . .
كانت تتظاهر بالسعادة ، لكنها تضمر خطة للهرب . خطة بسيطة تشبه براءة أحلامها ، لذلك أطاعتهم وتزينت بينما كانت الأفكار تضج في رأسها الصغير ، وهي تتذكر أسنانه السود المتقدمة للأمام فتكاد ان تتقيأ . اذن عليها ان تهرب حالا .
.كانت تبتسم للناس مجبرة لكن عينيها ترويان قصة طفلة سُرقت منها أيامها
انتظرت حتى ضجت الاصوات في القاعة وانشغل الجميع بالتحضيرات ، وقرع الطبول . جمعت شجاعتها المبعثرة ، وتسللت بخطوات مرتجفة ، كطائر جريح يبحث عن نافذة مفتوحة . كانت تهرب من حياة هي ليست عالمها . وبراءتها ترفض هذه القيود . عبرت الأزقة المظلمة ، وقلبها يخفق بقوة ، وكل خطوة كانت عبارة عن صرخة صامتة تقول : أريد ان أعيش كما أريد ، لا كما تريد العشيرة وتقاليدها ، لتجعلها تحمل مسؤولية أكبر من عمرها .
لكن القانون هو المشرع الحقيقي . لهذه المعضلة . بمن تستنجد ..؟؟ فهل ينجدها القانون . ؟؟
لا تعرف الى أين ستصل ، لكنها كانت تعرف شيئا واحدا فقط : ان البقاء يعني ان تفقد نفسها الى الأبد . .
هربت باحثة عن ملاذ يحمي حلمها البسيط لإكمال دراستها . .
اختبأت في بيت أحدى صديقاتها ، لا تحمل معها سوى خوفها وأملها بالنجاة . لكن الشائعات كانت أسرع منها ؛ فلفق بعضهم قصة أنها هربت مع شاب كانت قد اتفقت معه . .
وفي مجتمع يصدق الظنون والأكاذيب أكثر مما يسمع الحقائق ، تحولت الطفلة الى متهمة دون محاكمة . وان مجرد هروبها يعد وصمة عار لسمعة أسرتها . وهذا ما ادّعاه أبن عمها الذي صرف أموالا طائلة وهذا جلّ اهتمامه ومما جعله يستشيط غضبا . .
لم يفهموا ان القلوب الغضة لا تُجبر على الحب ، وان الزواج بالإكراه لا يولد سوى العذاب والحقد بين الطرفين والى الأبد . .
لم يسألها أحد : لماذا هربتْ . ؟ ولم يمنحها أحد فرصة لتروي وجعها . فكانت جريمتها الوحيدة أنها رفضت أن تساق الى رجل عافته نفسها .وانها حياة الجحيم معه في نظرها . .
وبين لحظات غضب والدها وكلمات أبن عمها وتجريحه لهم وطعنه لشرفهم ،
أُطفئت روحها البريئة .!!!
قبل أوانها حاملة معها أحلاما لم تكتمل وقبل ان تعرف معنى الحياة .



