دراسة الدين التاريخية/حميد المصباحي

-1تاريخ الديانات
مبحث في طبيعة الدين التاريخية، لا يعتمد على الكتاب المقدس، إلا باعتباره وثيقة تاريخية، وليكون كذلك، يتم مقارنة وصفه للأمكنة بوجودها الجغرافي في اللحظة التي تكلم فيها ثم كتب فيما بعد، مع البحث فيها أركيولوجيا، على الآثار الدالة على الحدث أو الواقعة، وأحيانا حتى على الأسماء الواردة فيه ولو كانت قبورا عليها أسماء من ذكروا في الكتاب، بعد ذلك، يتم اللجوء إلى المؤرخين الذين سجلوا الأحداث التي عايشوها وكتبوا عنها، سواء كانوا معتقدين بذلك الكتاب المقدس أو خصوما لأتباعه، ومرحلة الكتابة تخضع فيها الوثائق للدراسة التوثيقية وطبيعة اللفائف التي كتبت عليها، لتحديد زمنها ومقارنته بزمن الكتابة، حتى إن كان حجرا أو ألواحا خشبية وعظاما وجلودا لحيوانات مجففة، لذلك يتم استحضار التاريخي لمقارنته بما تضمنته الكتب المقدسة، وبعد ذلك تخضع حتى لغته للدراسة، والقديمة تختلف حتما عن الحالية، تركيبا ومفاهيم عقدية لها سياقها الديني الخاص، وأحيانا حتى تلميحاتها وأمثلتها واستحضارها لما عرف من أحداث في ذلك العصر، وبذلك تحدث مناوشات بين هذه الدراسات واللاهوت، فكيف يقارب التاريخ؟
-2تاريخ اللاهوت الديني:
اللاهوت في الدين له منطلقاته الإيمانية التي يسعى لتصديقها والدفاع عنها إيمانيا، وبذلك فهو يكتفي بتفسير النصوص المقدسة، حسب شراحه أو أتباع أنبيائه، فيعتبرهم ممثلين للصدق الإلهي بدون الحاجة للوثائق والآثار الدالة على الوقائع، فالمعجزات لا أثر لها ولا دليل على وقوعها إلا ما سطر في الكتب المقدسة، مع تفاوت في القبول بين الديانات، من حيث المسافة الزمنية التي تفصل بين الحدث الديني والتأريخ له، والوسائل المعتمدة لإثبات ذلك، لكن اللاهوتي لا يتحول إلى مؤرخ، إنه شارح للحكاية بلغته التي لها خاصيتها المعتمدة على التصديق الكلي والقبول بما يراه تعاليم يقينية لا تحتاج لغيرها ولا تستند على القياسات العقلية مهما كانت ضرورتها العلمية، بل مجرد الحكي عنها تصير حاملة لحقيقتها النهائية.
-3التاريخ التفسيري:
يحاول البحث عن الحدود الممكنة للمقبولية النصية، بإضافة نصوص مرافقة للنصوص المقدسة، مفسرة لما ورد بها من خلال من عايشوا القديسين أو من عايشهم وعرفهم، كتتبعهم وهم يتلقون ممن سبقهم تلك الحكايات، وكل الديانات اعتمدت مفسريها المفصلين لما هو عام في النصوص المقدسة، ليستخرجوا التفاصيل التعبدية أو التي تقرب من الحقيقة الدينية كما أرادها الخالق وعلم الأنبياء إيصالها للأتباع والمعتقدين في تلك الديانة أو الاعتقاد، والتفاسير محاولة لاستحضار التاريخي كسير وحياة للأنبياء والمقربين منهم، باعتبارهم الأقدر على التفسير وضبط المعاني التي تحتويها النصوص المقدسة.
فهم حفظة ما قيل وهم رسل المرسلين، المؤتمنين على ما عرفوا، وهم مراجع شرح القول وحتى القول نفسه، لذلك هناك من قدسهم وهناك من قال بعصمتهم وتعاليهم عن النزوعات المصلحية والأهواء البشرية، فلا تصح مساءلة ما ورد في نسخهم أو تفسيرهم، لكن المؤرخ لا يصدق إلا ما ثبت بوثيقة سجل عليها القائل قوله، فصار كتابة أو أملاه على ناسخ نسخه، وصادق عليه قائله صراحة.
4- التاريخ الأركيولوجي:
هو علم الآثار، الذي يعتبر اللغة المعبرة عن الحقيقة، صامتة ينطقها عالم الآثار ولو بافتراضات يسعى للتحقق من صدقها، فكل أثر مصنوع دال على فترة تاريخية كان فيها الفكر تمثلا خاصا للعالم، واليد الصانعة تأثرت بذلك فعبرت بالصناعة عما اعتقد الصانع أو الآمرين له بذلك الفعل المعبر، فحتى القبور تفوح منها رائحة الثقافة الدينية وتصرها للموت أو لما بعد الموت، وكذلك الأجساد، كيف وضعت والأمكنة التي دفنت بها كمقابر، وفيها حتما رموزها الخاصة، التي تميز كل عقيدة عن غيرها وكل طقس عما عداه وغايره.
وبذلك تم التأكيد على أن ما يخزن في طبقات الأرض، قد يكون مكملا للوثائق وأحيانا مثبتا أو مكذبا لها، وهو دليل وخيط يقود للخفي أو ما أريد له أن يظل خفيا ومضمرا.
وفق هذه المحددات، تجد الأركيولوجيا نفسها عندما تقارب قضايا الدين، تقترب مما يشبه أنثروبولوجيا الديانات، التي تجد الوثيقة وإذا ما اكتفت بها، يظهر عالم الآثار، ليفحص المكان الذي عثروا فيه على الوثيقة، آملا الحصول على ما نسي أو تم تجاهله بدافع من الدوافع أو حتى نسيانا. فماذا عن الديانات ورجالها وماذا عن الدراسات التي تهتم بالإسلام؟؟
5- إسلام الفقه وإسلام التاريخ:
أ- إسلام الفقه: إسلام التصديق الإيماني المعتمد على القرآن وشروحات الصحابة وتابعيهم، ممن آمنوا وصدقوا، وفيه قسم شارح للنصوص ومفصل لها، في شقيها، العقدي والتشريعي.
وهو مؤسس على قواعد مصنفة للحديث، كالتواتر والآحاد وأهم ما ينبغي أن يتصف به الراوي، هو صحة إيمانه وألا تشوب حياته الإيمانية أية شائبة، رغم صعوبة التحقق من ذلك، وبذلك صنفت الأحاديث إلى صحيحة وحسنة وضعيفة السند، وقد يعتد بها تشريعيا أو يستأنس بها أخلاقيا.
فأما إن لم يوجد فيما اجتهدوا فيه حديث، لجأوا للسيرة التي لا تعتبر حياة خاصة للرسول، بل هي أيضا من خلال السيرة الحلبية وابن هشام الملقح لما كتبه ابن إسحاق، وكذلك الطبقات الكبرى للطبري وهي أجزاء، تفاصيلها كثيرة وفي كل مناحي الحياة، تنضاف إليها قواعد أخرى، مثل إجماع علماء الأمة وكذلك القياس في القضايا التشريعية، مع وجود بعض التوجهات التي حاولت فرض ما يستحسنه العقل أو القلب السليم، لكنها بقيت على هامش التشريع مشكلة اتجاها معتزليا، تجنبته الشيعة وحتى السنة.
هكذا صارت الشريعة محتوية على المحكم قرآنيا، والمجتهد فيه بشريا من طرف كبار الأئمة والمفسرين، الذين نشطوا في العصر العباسي الذي عرف فيه التدوين مرحلة متقدمة، أما المختلف حوله، فمصدره آيات متشابهات، شرحها اختلف فيه وتولدت عنها صراعات قادت لحروب واغتيل على إثرها أكثر خلفاء الدولة الإسلامية، من العصر الأول والأموي وحتى العباسي.
راق هذا التعريف لتاريخ الإسلام، للسلطة فعممته واهتدت به، بل فرضته دينيا وسياسيا، وتقبله المجتمع باعتباره مقدسا وشرطا للإيمان بالإسلام، ولأن فاعلية المقدس كأساس للوحدة ترسخت بكل أشكال العنف، المادي والرمزي ساد واعتبر كل مس به تطاولا على وحدة الأمة وإسلامها بل وإجماع خاصتها، أما العامة فعليها أن تسلم به درءا للتشكيك في إيمانها، ومع تطور المعرفة اتساع قاعدة التعلم والمعرفة، وجد نفسه في مواجهة قضايا، لا يمكن للفقيه أن يكون مقنعا فيها، بدأت عملية البحث التاريخي تطال النصوص المؤسسة، ومنها القرآن نفسه.
ب- إسلام التاريخ:
هو عودة معرفية وأركيولوجية للبحث في الآثار والوثائق، التي لم يولها المسلمون أية أهمية، خصوصا إن كانت مكتوبة ممن عاصروا الدعوة ولم يكونوا مسلمين، إذ طبقوا عليها قاعدة( يجب الإسلام ما قبله) وهو حديث تم تمديد معناه حتى للمعرفة، رغم أن المفسرين في تفصيلهم للآيات، استعانوا بما كتب في الكتب المقدسة، التوراة والإنجيل ليشرحوا ويفصلوا فيما اعتبر إشارات قرآنية، فاستعانوا مثلا بابني آدم اللذان قتل أحدهما الآخر فأسموهما حسب ما ورد بالعهد القديم، قابين أي قابيل حسب التسمية الإسلامية وهابيل الذي قتله أخوه واحتار في دفنه، فعلمه الغراب كيف يدفن أخاه.
التفسير أقدمه ما دونه ابن مسعود وبعض المسلمين الذين يجيدون الكتابة وهم قلة، لأن تقاليدهم كانت شفاهية، بل إن الرسول نفسه، نهاهم عن الكتابة لدوافع اختلفوا في تفسيرها، وبذلك تأخر حتى تدوين القرآن نفسه، وشهد الصحابة أن بعض سوره لم تدون، كآيات رضاعة الكبير وحد الرجم الذين قالت عائشة أنهما ضاعا أو أكلتهما داجنة عندما انشغلوا بموت النبي، كما أن سلطة الديني والسياسي منعت الاقتراب من الأماكن المقدسة وحرمت ذلك علنا، وبذلك فإن الآثار التاريخية للإسلام، قليلة أو ما تزال خفية في أماكن بداية الإسلام، فمثلا كل المصاحف أحرقت للحفاظ على نسخة واحدة، نسبت لعثمان وقيل أن أب بكر وعمر كانا قد بدآ تجميعه فأوقفتهما الاختلافات عن إتمام ذلك، أما الأحاديث فعرفت بكثرتها وبحمولاتها السياسية، الظاهرة والمضمرة، فكانت ناسخة لنصوص قرآنية بشكل غريب، لأن الفقه اعتبر كلام الرسول أيضا وحيا وليس اجتهادا بشريا للرسول حول قضايا دنيوية يجتهد فيها وفق خبرته وثقافته.
اعتبر المسلمون معارفهم الدينية، متعالية على التاريخ بقداسة القرآن، فحالوا بينه وبين تاريخه المادي، خوفا وتخوفا مما قد يكشف عنه التاريخ، وهو تخوف غير مشروع، لكن المعرفة الجديدة، حتما تعترضها المعارف القديمة، وهي لا تتجاوز حدود الحكي الوعظي، الخالي من الأدلة، سواء كانت وثائق أو شهادات من مؤرخين، عايشوا المرحلة ودونوا ما عجت به من وقائع وصراعات فكرية وحتى عقدية وسياسية أيضا.



