رُلى براق:شعرية التركيب والاستبدال/اسماعيل ابراهيم عبد

الى روح الشاعرة الفقيدة د. رُلى براق
إذا كان التحليل التركيبي يعني تحديد بنية النص السطحية وبنية النص العميقة والعلاقة بينهما فشعرية التركيب ستُعنى بتركيب عناصر قابلة للإحلال والاستبدال بما يتيح فرصة لوجود القول متعدد الأشكال، كقول التطابق الاشاري أو التوازي أو التشابه في علاقات البنى القولية. ان قصائد رُلى براق تضم بُنى متداخلة مكتنزة الاشارات، ايحائية العلاقات، متشابكة المضامين؛ ما يجعل منها نصوصاً محيّرة، فلسفة وفناً؛ مبانيها ومشدات قرائنها تستدعي التفكيك والتصنيف، من ثم تعطي دفعاً جمالياً يجسم لذة التلقي على وفق منظومة تماسكة التوزيع على المستوى التقني والمضمر الدلالي. سنتابع بعض نصوصها المُرَكّبة وما تحوي من قوة استبدل للجملة الشعرية بالجملة المحاذية؛ (الدلالية). لنتابع.
أولاً: المضمر الدلالي: حين يكون بمقدور الغياب ان يفتح باباً لرؤية مضمرات النسيان، يسهل عليه ان يستبصر تفاصيل أخرى، تمثل عناصر غياب يمكن لأحدها ان يحل ببطانة آخر او يستبدله تماماً. في الآتي مشد (مقطع)، فيه من تفاصيل النسيان ما يُصيّره قوة مركبة ضخمة تتبادل الحيرة والغايات لمركب النصي:
“يدي الغائبةُ
عن شؤونك
وخصلةِ شعرِكَ المتمردةِ على يمين جبينك
يدي الساهرةُ
تلّوحُ لصدرِكَ
أدسّها في الفراغِ
فتعودُ باردةً
يدي المنسيةُ
فوق تلك الطاولةِ
تحاولُ غرزَ ظفرِها
في جلدِ اللحظاتِ الأخيرةِ” ـ فيس بوك، صفحة الشاعرة
أ ـ الاشارية المركبة
يلاحظ على المقطع السابق أنْ قد أُرفِقَ بُناه الكتابية ببنى أخرى تقع بمضمر اشارات متخفية وراء المظهر الكتابي؛ منها:
ـ (يدي الغائبة عن شؤونك وخصلةِ شعرِكَ المتمردةِ على يمين جبينك) / تقابل وتبادل وتكمل دلالات/ (يدي الساهرةُ تلّوحُ لصدرِكَ أدسّها في الفراغِ).
دليل ذلك ان العبارات الأُولى والثانية تمثلان دلالات الغياب عبر (غياب اليد، تمرد الخصلة)/ تقابل وتبادل وتكمل/ (سهر اليد والاندساس بالفراغ).
- هذه المنظومة تحيل الى تفاصيل لمركب النسيان.
ـ غياب اليد يجعل كل ما بعدها غائباً وهو ما يعيد للجملة الشعرية غاياتها الكثيرة، التي تضمنت القيم الفلسفية لمقولات الفراغ الفيزيائي وعلاقاته بتاريخ الحداثة وما بعدها.
ـ (فتعودُ باردةً يدي المنسيةُ)/ تقابلها وتبادلها وتكملها/ عبارة (تحاولُ غرزَ ظفرِها في جلدِ اللحظاتِ الأخيرةِ).
فاللحظات الأخيرة قد مرت فصارت جزءاً اشارياً لبنية الغياب، مثلما حدث لليد الباردة من النسيان. - تلك العلاقات المعقدة تبني أسراراً اشارية، تومئ الى تفاصيل ضخمة متشابكة العلائق، يضمها مشهد قصير، ويبطنها من تحت سطح التدوين. ويمكن ان يتبادل الوظيفة مع أي عنصر مضمر او معلن، ليصير المعلن مضمراً كما هو الحال في الفقرة اللاحقة.
ب ـ وظيفة التبادل
ستشمل وظيفتين تخصان فعل التوضيح المتبادل، إذ ان الجزء الأول يتصل بالجزء الثاني ليوضحه، بينما الجزء الثاني يتصل بالأول ليكمله ويوضح الجزء الثالث؛ وهكذا تستمر منظومة التراكب. سنوزع الفعل النظامي لشعرية التركيب على النحو الآتي:
1ـ توجع الموضع: وقد اهتم به المدون الآتي:
“حين تأخرتْ (فاتورةُ) الحسابِ
يدي المصابةُ بصداعٍ
أخذتْ شريانَه النافرَ” ـ فيس بوك
ـ تبين اشارات الوجع عبر ثلاث علامات؛ هي:
(تأخر الفاتورة، الاصابة بالصداع، تدفق الشريان).
هذه الاشارات ضخمت قيمة الوهم وأضعفت سلطة المستحيل؛ فقد صار تأخر الفاتورة مرضاً عصياً واليد صارت رأساً مصاباً؛ ولن تقدر ان تمتد لدفع الحساب. بينما تدفق الشريان صار حلاً مدمراً.
ـ هذا يدفع الى نتيجة حاسمة هي؛ ان القول اللاحق سيستجيب لدفع الحساب مكملاً صورة الفعل القصدي الأول؛ توجع الموضع.
2ـ اتمام وجع الموضع: سيحدث في/
“بعيداً عن رأسِكَ
فسكنَ أصابعَها” ـ فيس بوك
ـ لأجل ان يأخذ وجع الموضع (الرأس واليد) تنصح الشاعرة ان ينفصل شريان العقل ويد التفكير معاً.
ـ هذا الأمر يوضح الثمن الذي تقاضى به قائمة الحساب.
ـ الثمن هذا يفتح قناة نحو التداخل الدلالي بين أجزاء المقطع كلها ليفتح طريق الوجد الفلسفي بين أجزاء المقطع نفسه مع والمقطع اللاحق، الذي سيأتي في محور (توقف الزمن).
3ـ توقف الزمن: لهذا التوقف ثلاثة احتمالات؛ هي:
ـ (اما ان السفر سيظل وَهْمَاً، واما ان سمرة الحبيب ـ الوطن ربما ـ ستنزرع بمكان بوار، واما ان السفر والزرع هما عنصران يولدان ساعة لن تغيّر الزمن كونها ساعة موتى أصلاً).
ـ نتيجة هذا المقطع؛ انه أعطي للمتن الشعري قوة انتماء الى ما سبقه من قول للقصيدة، وانه توسط بين المقكع الثاني والرابع القادم بذات النظام الذي يتمم ويوضح ويتبادل الدلالة معهما. - ذلك كله ينتجه الآتي:
“يدي المسافرةُ
مذ زرعتْ سمرتَكَ فيها
طوقتْ معصمَها
ساعةٌ متوقفةٌ عند التاسعةِ
حالمةً باللقاءِ” ـ فيس بوك
ـ يحتفظ المقطع هذا بحيويته المستقلة في بث اللا معنى الفني الفعّال، كونه ركناً من ذائقة تتحسس اللغة بمثل نغمة روح لا تعني أحداً وتعني كل فرد.
4ـ الوهم؛ الوهن: وفيه جمع غريب للوهن النفسي المقصود، كونه وَهْنَاً من صناعة الوهم. له فضيلة ان يقول الآتي بذات الآليات والرؤى السابقة في:
“يدي .. أبحثُ عنها
فأجدُها
في جيبِ الانتظارِ
ممسكةً بيدِكَ” ـ فيس بوك
ثانياً: القرائن الاشارية
هذه القرائن تستدعي أن نحدد نماذج (فنية/ فكرية) أمثلة منتقاة تصور نوع القصيدة التركيـبية. يمكن تلخيص هذا المتجه (النموذج) بالإحالة إلى نصوص القرائن الاشارية،التي تمتثل للشعرية الاحتمالية، وقرينها الموضوع المتفوق، ثم كثافة الأفعال وقرائنها من الدلالات العميقة ـ خاصة القرائن الاشارية لقصيدة آذار. لنتابع مقطعاً من قصيدة آذار على النحو الآتي:
1ـ ” آذار أيّها الغريبُ
كالفرحِ
الدافئُ
كالصديقِ” ـ فيس بوك
ـ ان عناصر قرائن آذار في المقطع السابق اشارات أربع هي؛ (الغربة، الفرح، الدفء، الصداقة).
ـ ولعناصر الشعرية في (آذار) أربعة احتمالات تركيبية/
(الغربة/ تقابلها الاشارة القرينة/ الهزيمة)، (الفرح/ تقابله الاشارة القرينة/ الشحة)،
(الدفء/ تقابله الاشارة القرينة/ الفقر العاطفي)، (الصداقة/ تقابلها الاشارة القرينة/ الوفاء النادر).
ومن جنبة اخرى فللقصيدة حركات من (أفعال) تتحمل توزيع الفعل الوجداني (الانفعالي) على جُل العبارات الشعرية، وهي افعال ليست مادية. أي انها مبنى لغوي، له مضمر دلالي يفوه بالأفعال الآتية: (جئتَ، صرتَ، تفرحنا، تدفئنا، تصادقنا). - يُلاحظُ انها كلها معنوية، ليس فيها حركة انتقالية، انما فيها عمق شعوري يجمع بين وظائف المعنى المجرد والمعنى الاحتمالي المفقود.
- وقد تمر علينا لحظة الشغف كلحظة قرينة احتمالية دونما تغيير شهر او فصل من السنة، انما جُعِل آذار الفصول كلها.
2ـ “يا صندوقَ الموسيقا الحزين
أيّها السخي
كابتسامةٍ
القريبُ
كالقلبِ
يا وجهَ الكلماتِ الممزقةِ” ـ الفيس بوك
ـ ان لعناصر قرائن آذار في المقطع السابق اشارات أربع هي/
(الصندوق الحزين، الصندوق السخي، ابتسامة القريب، وجه الكلمات).
ـ ان العناصر الشعرية الاحتمالية لقرائن آذار الأربع في المشد أعلاه، لها أربعة احتمالات تركيبية؛ هي/ (الصندوق الحزين/ يقابله القرين الاشاري/ أسرار الجمال المخبأة).
(الصندوق السخي/ يقابله القرين الاشاري/ الفرح الموعود).
(ابتسامة القريب/ يقابلها القرين الاشاري/ التضامن بلا منة ولا حياء).
(وجه الكلمات/ يقابله القرين الاشاري/ ضياع القول الذي بلا نفع، المعلن عنها بصدق). - المقطع يحتفي بالأفعال التي هي حركات توزيع الفعل الوجداني(الانفعالي) على جُل العبارات الشعرية؛ وهنا لاتوجد أفعال حقيقية كمبنى لغوي، انما مضمر الدلالة يفوه بالأفعال الآتية:
(أناشد، أرى، أتمنى، ليكن). - يلاحظ ان أفعال المقطع كلها معنوية ليس فيها حركة انتقالية، انما فيها عمق شعوري يجمع بين وظائف المعنى المجرد والمعنى الاحتمالي المفقود.
ـ المشد اعلاه يمررعلينا لحظة شغف باللحظة الاحتمالية دونما تغيير شهر او فصل من السنة، انما جعل آذار هو الفصول كلها.
3ـ “أذار
عودُ
ووترُ
وأناملُ متعبةٌ
لكن الليلَ
صاخبٌ
والضوءُ
طويلٌ
كرحلةِ المغني
الفقيرِ
الأميرِ
الوحيدِ” ـ فيس بوك
ـ ان لعناصر قرائن آذار في المقطع السابق أربع اشارات، هي/
(الأنامل المتقنة المتعبة، الليل الاستثنائي الصاخب، الضوء الطويل المبشر، المغني الأمير الوحيد).
ـ ان لعناصر الشعرية الاحتمالية لقرائن آذار الأربع أربع احتمالات تركيبية؛ هي/ الأنامل المتقنة المتعبة/ يقابلها القرين الاشاري/ خيبة الفنون والمعارف الجمالية بالتغير الوجودي. الليل الاستثنائي الصاخب/ يقابله القرين الاشاري/ اللهو بالمصائر المميتة بخفة وفوضى.
الضوء الطويل المبشر/ يقابله القرين الاشاري/ البعد المتعاظم عن مصدر الخير الانساني الوضيء، الذي برغم بعده فهو حتمي الوصول الى العقول المعرفية الصافية.
المغني الأمير الوحيد/ يقابله القرين الاشاري/ اعتزال أهل التعفف والعذوبة عن الناس والاقران، ليحققوا ذاتهم المستقلة برغم خطأ هذا التوجه.
ثالثاً : شعرية تفكيك القرائن
ان من مظاهر تفكيك النص الشعري للشاعرة (رُلى براق) بقصيدة (أول المرايا)، خاصة؛ ان تعمد الى التحول الدلالي عن المعنى المظهري الغامض نحو مدلوله ذي المعنى المضمر، مضمنة إياه احتمالات التشفير. يمكننا تقسيم هذه الرؤية الى عشر قرائن، وعشر تحولات دلالية. لنتابع.
ـ المتن
“كنتَ أولَّ المرايا التي تراني
لم أفكر في شكلٍ لابتسامتي صباحاً
أو عددِ القصائدِ التي انثرُها على نافذةِ المساء
أو لونِ السترةِ التي تلائمُ بلوزتي الوحيدة
أو أيهما أفضلُ ، قراءةُ الكتبِ ورقياً أم الكترونياً؟
لم تكن لي أرقامٌ سريةٌ، لهاتفي المحمول، والكومبيوتر، والستائرِ، وحقيبتي اليدويةِ، وصوتي كلما رشفتُ اسمكَ
لا ارتعدُ إذا لم يتوقفْ نزيفُ أنفي
أو أبالي بكميةِ (صفيحاتِ) دمي القليلةِ
أو ما يتركُه الشاي من شحوبٍ في جلدي
لم اسأل لمَ (إنت عمري) تختلفُ عن كلِّ الأغنيات؟
أو كيف لا يبدو صوتُ (درويش) ساحراً؟
صارتِ الأشياءُ
مذُكَ/ مختزلةً…
وكثيرةً/
كومضةٍ” ـ فيس بوك
أـ مصادر التحولات العشرة
ان المصادر العشرة للاشتغال الشعري تتضمن الألفاظ الآتية:
(أول المرايا، ابتسامة الصباح، نافذة السماء، الأرقام السرية، الصوت الاسم،نزيف الأنف، صفيحات الدم، شحوب الجلد، صوت درويش، شبيهات الومضة).
ب ـ القرائن العشر
انها؛ (رؤية المرايا، التفكير بمرح، قصائد النثر،مفاتيح اللا جدوى، توطين الصوت، مواجهة الأسى، اللا مبالاة الحزينة، عوارض شرب الشاي، أغاني أم كلثوم، خلط الشعر والغناء، أشياء القصائد).
ج ـ التفكيك المتضامن
ان مبادي التفكيك، كونها مبادئ غير مرئية؛ تفعل فعلها العقلي والوجداني ـ كمنظومة نقدية وإبداعية، يمكنها التوصل الى المدى الأبعد للدلالة، التي تبني الأساس في القوى المعرفية المحفزة على استثمار التفكيك لأجل تشريع معرفي للاشتغال الشعري. جلها يؤلف ممسك في بنية القصيدة التي تضافر كوسيط بين المعنى والمتن. القصيدة السابقة كلها مثال لهذا التفكيك المتضامن.



