الإسلام واللاهوت / حميد المصباحي

الفكر الإسلامي كمعبر عن الدين، يلح على نفي هذه الصفة عن الديانة الإسلامية، وكأنها نقيصة أو سبة، بحيث يكررون فكرة: لا لاهوت في الإسلام، حتى بدت مسلمة عقدية، حجبت معنى اللاهوت، بل شوهته لتنسبه لليهودية والمسيحية وحدهما، وعندما تسأل عن دلالته، يأتيك الجواب الغريب، إن اللاهوت هم رجال الدين والوسطاء بين الله وعباده، وهو جواب غريب، والأغرب منه، هو سر التنكر لوجود اللاهوت في الإسلام.
فما هو فهم المسلمين للاهوت، وما هي دلالته الدينية وما سر رفضه من طرف المفكرين في الإسلام وقضاياه؟؟
1 رجال الدين في الإسلام:
يبجل المسلمون رجال دينهم بشكل مبالغ فيه، فحيث تدل صفاتهم على ذلك، فهم العلماء في الدين وحتى الدنيا، وهم شهود الحق، وهم أهل الحل والعقد، بمعناها السياسي والاجتماعي، وهم أيضا أهل الذكر وحراس العقيدة كمفتين، فيما يفهمون وحتى فيما لا يعرفون، بل إن حضورهم مبجل كما كان الحال مع الرواة والمفسرين، إذ تجد مديحهم والتنويه بهم في أي كتاب ديني، كأنه حجج العقيدة وركائزها، وبهذا الحضور صارت لهم سلطة فعلية تتجاوز ما هو رمزي، فلا يحرم الحرام إلا بهم ولا يعرف الحلال إلا بأصواتهم، سلما وحربا رفاهية ومجاعة، وبذلك، تأسست في العالم الإسلامي مؤسسات دينية كالأزهر والزيتونة والقيروان، ونتجت عنها مؤسسات للإفتاء وتعليم الفقه والأصول، التي اعتبرت موجها للسياسة الدينية التي غالبا ما تتجاوزها، حمية لأمن المسلمين الروحي، ورغم كل ذلك، تتكرر فكرة ألا وسيط بين الله وعباده في الإسلام، والمسألة حتما ليست وليدة اليوم، فهي موروث تاريخي، به نشبت حروب دامية، كان الإسلام فيها مبررا حتى بين المسلمين لقتال بعضهم بعضا عندما نشبت الخلافات السياسية حول سلطة الخلافة.
اللاهوت في أبرز مظاهره، ليس فقط طقوسيا، بل هو كل ما يتجاوز الدنيوي والمحسوس، وما لا يمكن البرهنة عليه، إلا بخطاب الإله ومن يتحدثون به وباسمه، ليضعوا تشريعات ربانية، هي بمثابة وصايا، محددة لعلاقة الناس بخالقهم وحتى فيما بينهم، وهو ما يثبته معنى اللاهوت.
2 اللاهوت:
إنه ذكاء ديني يستثير الجانب العاطفي بشكل عقلي، بحيث يفهم المستعصي من كلام الرب، بترتيبه وفهمه وفق قواعد، فيها أقوال الشهود وشروحاتهم ممن عايشوا الرسل وتعلموا منهم وحكوا عنهم وعن معجزاتهم وحتى بعض أخطائهم ممن غلطوا غضبا أو سخطا على أتباعهم، وهي حكايات يزخر بها العهد القديم ويصرح بها، عكس التاريخ الروحي للإسلام الذي ينطلق من العصمة جاعلا منها قوة نافية للخطأ مهما كانت بساطته، رغم ورودها حتى في القرآن نفسه، فقد اعتبرت مجرد تنبيهات ينبغي تجاوزها، بما عرف بأسباب النزول، مقدرة في الغيب كما هو حال النص القديم الذي كان قبل الخلق، أما بالنسبة للمسيحية، فالجسدي، أي الناسوت في المسيح، يجعله يجوع ويتعب، لكن الجسدي فيه لا يعرضه للخطأ، بحكم تجسد اللاهوت الرباني فيه، وبذلك فهو كامل، لم يقترف إساءة ولا خطأ حتى وهو على الصليب، وتمثل ذلك، في دعائه للرب – الأب- بأن يغفر لأعدائه لأنهم لا يعرفون ما يفعلون، وهو الوحيد الذي نزل من السماء صعد إليها في القيامة، فقد عاد من الموت منتصرا على النهاية ليبشر الأتباع بأن الرب المتجسد في يسوع وأنه معهم، سامعا وشاهدا كما كان بينهم حالا بينهم بتجسده في صورة البشر، صورة ودما وعظاما.
وهو ما يتجاهله اللاهوت الإسلامي مصرا على بشرية عيسى المسيح، رغم التصريح برفعه، وأن الذي صلب، لم يكن إلا شبيها له، فكيف يخوض الإسلام في قضايا لاهوتية بدون أن يكون فيه لاهوت؟؟
3 الكهنوت:
إنه يقارب بين الكهنوت واللاهوت، فلا كهنة في الإسلام، وماذا عن فقيه الرقية وما يصاحبها من طقوسية شبيهة بالسحر، بل ماذا عن ادعاء الشفاء بالنص المقدس القرآني؟؟
إن الفقه في تاريخه وحتى حاضره، يقسم السحر، إلى ضار ونافع، أو لنقل إنه علم فيه المسيء وفيه النافع للناس، كما حال العلوم نفسها التي يقيمون لها تراتبا غريبا، وتعطى الأسبقية للعلم النافع في الآخرة أكثر من الدنيا، بل هناك علاجات شبيهة بالكهانة، كإخراج الأرواح الشيطانية والجن من الجسد البشري، والتي تمارس علنا ولا تستطيع السلطة التدخل، إلا إن نتجت عنها أضرار ماسة بصحة المبلغين إن بلغوا، أما إن صمتوا فالأمور مغضوض عنها الطرف، باعتبارها طبا تقليديا عرفيا.
ينبغي الإقرار بحقيقة اللاهوت وما يقدمه من معارف للمؤمنين الدينيين، فهو مساعد على تثبيت اليقين وربما جعله معقولا، لكن ما هي طبيعة العقل في اللاهوت؟
4 العقل اللاهوتي:
إنه مبادئ مختلفة نسبيا عما وضعه أرسطو وإن استفاد منه ووظف بعض مكوناته في استدلالاته اللاهوتية، فهناك الاستناد على المشاهدة كدليل حسي على ما وقع للرسل، من خلال حكايات الأتباع ومن عايشوا الوقائع التي تتحدث عنها النصوص المقدسة، سواء كانت في العهد القديم( التوراة) أو العهد الجديل( الإنجيل)، وقد عمل مفسرو القرآن الأمر نفسه، من خلال السيرة إضافة لما عرف بأسباب النزول، وبعض الأحاديث المفسرة التي رواها الصحابة وفق منطق الأخبار والتواتر، فالعقل اللاهوتي في الديانات يستفيد مما يحدث في دياناته وتتشابه الكثير من حقائقه، بل تتشابه حد التطابق، الشيطان، آدم وحواء، قايين- قابيل وهابيل ووقائع الطوفان ونوح وإبراهيم، مع طبعا حدوث اختلافات في الأحداث، ونجد الفكر المسيحي أبقى على ما ورد بالعهد القديم، ولم يشكك فيه رغم تكذيب اليهود للمسيح، مع العلماء أن قدماء بعض اليهود قبلوا بالمسيح المخلص وصدقوه.
الإسلام في صيغه التفسيرية، اعترف بنبوة المسيح، ناكرا الصلب وألوهية المسيح، لأنه فهمها كبنوة جسدية وليست روحية من جهة، ومن جهة أخرى، نفى تجسد الإله في المسيح لاهوتيا واعتبره كفرا وشركا، لكن ذلك لم يمنعه من تصديق الكتب السماوية السابقة عليه، بدون أن يصادق على محتوياتها، التي أعاد صياغتها وفق منطق التقارب- التباعد، من قبيل ما ورد في حديث عن أهل الكتاب( لا تصدقوهم ولا تكذبوهم).
بهذا الشكل، تصعب عملية الكشف عن المشترك في العقل اللاهوتي، اللهم منطق السبق باعتباره أساس الحقيقة، والذي أدركه اللاهوت المسيحي، فجعل نفسه مكملا للعهد القديم بعهد جديد، تمثل بالفداء للتخلص من الخطيئة التي نزه المسيح عنها بألوهيته التي حلت في الناسوت- يسوع المخلص منها.
سعى الإسلام لهذا الدور مع اليهودية والمسيحية في بدايته التاريخية، معترفا بمنطق السبق لاحتوائه، وعندما فشل التقارب، كان لزاما عليه، اعتبار من خالفوا دعوته محرفين لما ورد بكتبهم، التي فيها نبوءة بظهوره كما هو حال المسيح في التوراة على لسان داوود وأشعيا وغيرهم من رسل اليهود.
اختلافات اللاهوت عن بعضه أثرت في الطقوس وامتدت للعقيدة وتاريخ الرسل، وهذا أمر مفهوم، لكنه امتد لتصور الرب وعلاقته بمخلوقاته البشرية، سواء كانوا أتباعا أو غير مؤمنين به، فكيف هو الله في اليهودية والمسيحية والإسلام وأيهم أكثر إنسانية ومقبولية؟؟
5 الله في اللاهوت:
هو الخالق في اللاهوت كله، وهو مدبر شؤون الكون والمتحكم فيه بإرادته وحكمته، فهو لا نهائي وهو الروح المطلق، في الكون والعالم، لكنه المعاقب في اليهودية والمؤدب في المسيحية والمنتقم في الإسلام، يعتبر أبا وربا في اليهودية وحتى المسيحية، بالمعنى الروحي وليس الجسدي كما قد يتوهم البعض، لكنه في المسيحية تجسد من خلال المسيح ليحل بين البشر ويسمعوه ويروا مجده وسلطانه على الطبيعة والبشر وقدرته على الخلق وإحياء الموتى، منتهيا بالفداء للبشرية جمعاء تبشيرا بالخلاص ككفارة عن الخطيئة الأصلية، وهنا ينتهي العهد القديم ليبدأ العهد الجديد، الذي لم يعد فيه بدولة، بل بربح الإيمان الذي هو مدخل للخلاص وضمان الخلود الأبدي في الملكوت الذي التحق به المسيح من خلال القيامة وقهر الموت، مع استمرار وجوده الجوهري الروحي راعيا ومنيرا للبشرية درب حياتها بروح القدس، وهو الحضور نفسه بأشكال متعددة في الديانات الثلاث، وقديما بدا لموسى في شكل عليقة منيرة في شجرة بها نور ناري، لا ينفد باحتراق العليقة ولا ينطفئ باحتراقها، صدر منها صوت خاطب موسى بالوادي، وفي المسيحية كان لاهوتا اتحد بالناسوت كجسد لعيسى، وفي الإسلام وصف كنور في مشكاة مع استحالة رؤيته، اللهم في أوصاف أخرى كاستيلائه على العرش، وهو ما خلق اختلافات بين المسلمين، المشبهة والمنزهة.
الله حقيقة في اللاهوت اتخذت صفاته أو استمدت من رسول الديانة الذي أمره بتبليغ رسالته، فمع موسى كان راعيا لليهود ومعاقبا لأعدائهم، العذابات العشر التي سلطت على فرعون وأتباعه من المصريين، وفيما بعد ملكا مع داوود الموحد لليهود والمقاتل، ومع المسيح مخلصا ومحبا للعالم، ومع محمد مفضلا لأمة قريش ومواجها لغيرها من الأمم إلا من استسلمت فأسلمت وتابت وقبلت بأمر الإسلام وأهله.





