غَيْمَةٌ عَلَى تَخْتِ الحَدِيد/حسين كري بري – المانيا

أحيانًا…
أُسائلُ الخُطى التي استدارتْ نحو الطفولة،
وأجلسُ عند حافّة العمر،
أحاورُ زمنًا
الرجوعُ إلى دياره محالًا.
لي في زقاق البيت غصّة،
وفي كلِّ عتبةٍ
أثرٌ منك؛
من الحبيب الذي مضى في الفراق
أعوامًا ولن يعد.
يتصارع في صدري :
لا أريد أن أتذكّر شيئًا
وأريد، في الوقت نفسه،
ألّا أنسى منك شيئًا.
صوتُك
لم يسقط
ما زال يرنُّ في أذني.
وصورُك،
أخاف عليها من السنوات؛
أخاف أن تشحب ملامحُك في رأسي،
أن أنسى تفصيلًا من وجهك،
أو أن يمحو الله من ذاكرتي
شيئًا منك.
خريفًا أتذكّر…
حين كان الوجع يعصر صغري،
فأفرُّ إلى حضنك متألّمًا،
فيسكت ….
لا أذكرُ اليوم
كم كان الوجعُ شديدًا،
لكنني أذكرُ ضبضبتكَ
على صدري حتى أنام،
وأذكرُ رائحتكَ
كأنّها لم تغادرني بعد.
وأتذكّر حديقة بيتنا…
تختَنا الحديديَّ الكبير،
ننام عليه جميعًا،
وتحيط بنا ناموسيّةٌ شفّافة
كغيمةٍ هبطت فوقنا.
نرى الليل من خلالها،
ولا يصل إلينا المزعج الممتص لدمائنا
كنّا نضحك تحتها،
وننام مطمئنّين،
ولا ندري
أن تلك الليالي البسيطة
ستصبح يومًا
من أثمن ما بقي لنا من الحياة.
وأتذكّرك في الخريف…
كم كنتَ تحبُّ النوم
تحت زخّات المطر.
كأنّ بينك وبين المطر
ألفةً قديمة،
لا نعرف سرَّها.
يمرُّ الخريف الآن،
ويهطل المطر نفسه…
لكنّ المكان الذي كنتَ تنام فيه
يعرف أن أحدًا ينقصه.
مرّت بضعُ سنوات.
وشاب فيَّ كثيرٌ من الأشياء،
إلّا صوتك.
ما زال في أذني
بالعمر الذي تركتك فيه.



