الاغتيالات السياسية في الإسلام/حميد المصباحي

لا أحد ينكر تحريم الإسلام للقتل إلا في ساحات الحروب و المواجهات، بل حتى
الحروب كان النبي يوصي أصحابه بعدم التعرض لغير المحاربين بالأذية و الأطفال و الشيوخ، و تجنب الحرق و اقتلاع الأشجار و غيرها من السلوكات الوحشية المتعارضة مع القيم الدينية الإسلامية التي دافع عنها الإسلام الروحي، و حث على احترامها فيما بعد.
فكيف يمكن للإسلام القبول بتصفية الخصوم خارج المعارك من خلال الاغتيالات؟؟و هل ذلك مشروع دينيا؟ و ماهي القياسات الشرعية التي لجأت إليها الحركات الإسلامية لتبرير القتل و التصفية الجسدية للأعداء و الخصوم؟؟
1النصوص الدينية
هناك نصوص الكل يعرف أنها ليست عامة، بل مرتبطة بحادث بعينه، غالبا ما يكون حالة الحروب، وما يعتريها من خدع و حيل غايتها النيل من العدو و إنهاكه أو شل مقاومته، و هي عمليات لا تصل حد خرق بنود الاتفاقات التي تلي استسلام العدو أو انسحابه، بل إن المسلمين أحسنوا معاملة أسراهم، مما طيب خواطرهم فآمنوا بالقيم الإسلامية و غدوا مسلمين لما لاقوه من حفاوة و احترام
لمللهم و معتقداتهم المختلفة عن العقيدة الإسلامية، وهذا ما لم تثبت صحته التاريخية بوثائق وعهود، صحيح أن هناك في التاريخ الإسلامي فظاعات حدثت تجاه المسلمين حتى في محاربتهم لبعضهم، بعد أن نشطت آليات التكفير و التجريم، التي وفقا لها أحل دم الناس، و أبيح قتلهم أمام الأشهاد، حتى أنها امتدت لحفدة النبي، و حفدة علي من آل البيت، بل طالت كل الخلفاء، باستثناء أب بكر، الذي هناك من يشكك في حقيقة موته.
2القياسات الفقهية
اختلف حولها، عندما ظهرت فكرة الافتاء، لتسد على بعض المؤولين سبل الاجتهادات المتنورة التي تحاول تطوير عمليات التدين و إبعادها عن الغايات السياسية، التي نشدتها الكثير من الفئات و التجمعات مستغلة الديانة الإسلامية لتحقيق حلمها في فرض السيطرة على المسلمين و حرمانهم من التفكير الحر في قضاياه وفق ما يمليه العصر و ما عرفه من متغيرات، تحتم على المسلمين الانخراط في عصرهم بإعادة التفكير فيما اعتقد أنه دين، بينما الحقيقة أنه لم يكن إلا اجتهادات فقهية أقحمت عنوة لتصير دينا و ثابتا شرعيا فيه لصد رغبات الاجتهاد و الحرص على إعمال الفكر و العقل في القضايا الخلافية، بما هي مجالات لا يمكن لأية فئة احتكار التفكير فيها، بسلطة الفقه الذي لم يعد معارف خفية، يتولاها البعض دون الكل، و بذلك فإن الإسلام لا يمكنه القبول عقلا و قيما بتصفية المختلفين مع بعض معتقداته، من الديانات الأخرى أو حتى غير المتدينين أصلا، بناء على أن الإسلام اعترف بأن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة، و فرض الإيمان على الكل فتشابه الخلق و تشابهت الحضارات و سادت ديانة واحدة، فالدين لله و هو حاميه و لم يفوض لأحد من الناس حمايته أو الدفاع عنه في وجه الغير لكي يتخذه مبررا للقتل و العنف و العسف. لكن وجود نصوص قرآنية وأحاديث صريحة، تحرج المسلمين باعتبارها معروفة بصريح النص وقطعية الدلالة، ومع ذلك، فإن الإلزام بها اغتراب عن القيم الكونية وإحراج لمن يسعون لأنسنة القيم الإسلامية.
3دعوية العنف:
كل الديانات يمارس أتباعها العنف الجسدي ضد خصومهم من خلال تحويلهم إلى أعداء لآلهته، بل من هذه الديانات من يأتي بأوامر إلاهية صريحة حاثة على القتل، و تحويل الأعداء إلى قرابين كما كان يحدث أيام الديانات الطوطمية و الوثنية، التي أباحت واعتبرت دم الأعداء وسيلة للتقرب من آلهة الخصب و البحار و الأنهار و الوديان في عرف تلك التجمعات الوحشية، التي ظهرت الديانات الموحدة و منها الإسلام للقضاء عليها، لكن ظهرت في لحظات محددة بعض الدعوات في الإسلام لمعاملة الأعداء بالمثل، أ ي الاغتيال السياسي للأعداء، و هنا كانت اجتهادات بعض حركات الإسلام السياسي مدافعة عن هذه الخيارات، بحيث اعتبرت ذلك من الخدع الحربية التي قبل النبي بها، و هنا عادت وسائل التقرب إلى الله بدم الخصوم، و كانت هاته الخروقات هي ما حول الإسلام السياسي من حركة و تنظيم دعوي إلى تجمعات عنيفة متعصبة و دموية في حالات كثيرة، ومازالت مثل هذه الدعوات قائمة، بحيث غدا الجهاد ضرورة ضد الأقارب بدل الأباعد الأقوياء من رجالات الغرب و حتى الصهاينة أنفسهم.
4خلاصات
جل حركات الإسلام السياسي صارت تلجأ للعنف و من هنا فهي غير رافضة للتصفيات الجسدية، لكنها لا تأمر أحدا من أتباعها، بل فقط تفعل الرغبة في الشهادة التي ما أن تصل للمريدين حتى يمتشق سكينه، سيفه أو مسدسه و يمضي لتصفية من اعتقد وفق مقولات شيوخه أنهم من أعداء الله و الديانة، و هي لعبة تمارسها حركات الإسلام الديني السياسي حتى لا تتحمل المسؤولية السياسية، وتظل هي في منأى عن المتابعات القانونية و حتى التاريخية كما حدث في العديد من الجرائم السياسية ذات الطابع الديني الإسمي السياسي في كل الدول العربية و الإسلامية.



