الصحافة المغربية بين العجز الوجيز وتزييف المفهوم: حين تُقاد “السلطة الرابعة” بضمير غائب/حسن كرياط

تتعالى في الآونة الأخيرة نبرة التشخيص السطحي الذي يختزل مسار الصحافة في مقولتي ” الأزمة” و”الاندثار”، وكأن القطاع الإعلامي جثة هامدة تُنتظر مراسم دفنها. غير أن قراءة نقدیة متأنية لواقع الصحافة في المغرب تكشف أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في موت الإعلام كحاجة مجتمعية أو كرسالة وجودية، بل في “عجز بنيوي” و”ضبابية في القيادة” يحولان دون نهوض القطاع واستعادته لأدواره التاريخية.
إن المقارنة المستمرة بين واقع الصحافة الوطنية والتجارب الدولية الناجحة—سواء في النموذج الأمريكي أو الإسكندنافي—توضح الفرق الجوهري في مفهوم الإدارة الإعلامية. ففي الوقت الذي تعيد فيه المؤسسات الرائدة بناء نفسها وتواصل تقديم التغطيات النوعية التي تؤثر في الرأي العام وتوثق الذاكرة الجمعية، يعاني المشهد الإعلامي المحلي من سطوة “التسليع” وغياب الرؤية الاستراتيجية التي تعتبر الإعلام شريكاً في التنمية لا مجرد واجهة تجارية.
ويزداد هذا الواقع تعقيداً حين يتم التغاضي عن الأزمة الأخلاقية التي تشكل الجوهر الحقيقي لتراجع الأداء الإعلامي. إن النص المرجعي للميثاق الأخلاقي المنظم لمهنة الصحافة لم يعد يجد طريقه إلى الممارسة اليومية في كثير من المؤسسات، حيث طغت الهواية والبحث عن “الإثارة المجردة” على حساب الدقة، والموضوعية، والبحث المستفيض عن الحقيقة. لقد تحولت الممارسة في أحيان كثيرة إلى مجرد سباق غير متكافئ ونشر للانطباعات، ممّا فتح الباب أمام الحملات الهوجاء وضجيج الشبهات، بعيداً عن ضوابط المهنة وأخلاقياتها.
إن تحويل الصحافة من رسالة ذات بعد مجتمعي وحضاري إلى “سلعة بائسة” يخضع لمنطق الربح السريع، هو أصل الداء. الصحافة ليست مجرد أرقام نقرات أو مساحات إعلانية، بل هي قيادة واعية ومسؤولية قانونية وأخلاقية يُفترض أن تُحمل بضمير مهني صارم.
ولن يتأتى للصحافة المغربية أن تستعيد هيبتها ووظيفتها كـ “سلطة رابعة” حقيقية إلا بالقطع مع السطحية في الطرح، وإعادة الاعتبار للميثاق الأخلاقي، وتولّي قيادات إعلامية تدرك أن قيمة الصحافة تُقاس بمدى التزامها بنبل الرسالة لا بحجم الضجيج المحيط بها.



