📰 آخر الأخبار
للإحتياط/الدكتورة فاطمة الديبيمسرحية لآلـئ الجذور العـُليا / جواني عبدالمن البؤر إلى الدولة: كيف تحوّل الاستيطان إلى كيان موازٍ يبتلع الضفة/الدكتور حسن العاصيحكمة الإحتراق بالألم /غفران الغريباويThe Summer Day/Mary Oliver 1935 –2019The Hollow Men/T. S. EliotFirst Light/Morgan Parkerإنْ غابَتِ ابتسامةُ أُمي؟صفاء محمدخمس وأربعون غرزة/ليلى إلهانهكذا تكلم ابن عربي:نشأة الوجود ومراتب الموجودات/نصر حامد أبو زيدفن القصة القصيرة القيم الفنية والفكرية/أحمد المدينيطور/سوران محمدقطعان آكلي الجيف/محمد عبد المرضي منصورانتحار شاعر/نعمة حسن علوانحنظلة ما زال حاضراً بيننا/وفاء حميدThe Rain Is Falling- Haibun Poem By Salim Elias Madaloضريبةٌ مضافة/عارف عبد الرحمنWho am I?By Soran Mohammedكيف نبني الوطن إذا لم نبنِ الإنسان؟غارسيا ناصحرحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة/جواد عامركورنافة */نبيل حامد-مصرإشراقة من عتمة الدجى / زيد الطهراويTHE DAWN AFTER DARKNESS By Dr. Nancy Denniss-SYDNEYThey Lied to You By Ahmed Miqdad-G a zaPoems By Kushi Nanayakkara-Sri Lanka
للإحتياط/الدكتورة فاطمة الديبيمسرحية لآلـئ الجذور العـُليا / جواني عبدالمن البؤر إلى الدولة: كيف تحوّل الاستيطان إلى كيان موازٍ يبتلع الضفة/الدكتور حسن العاصيحكمة الإحتراق بالألم /غفران الغريباويThe Summer Day/Mary Oliver 1935 –2019The Hollow Men/T. S. EliotFirst Light/Morgan Parkerإنْ غابَتِ ابتسامةُ أُمي؟صفاء محمدخمس وأربعون غرزة/ليلى إلهانهكذا تكلم ابن عربي:نشأة الوجود ومراتب الموجودات/نصر حامد أبو زيدفن القصة القصيرة القيم الفنية والفكرية/أحمد المدينيطور/سوران محمدقطعان آكلي الجيف/محمد عبد المرضي منصورانتحار شاعر/نعمة حسن علوانحنظلة ما زال حاضراً بيننا/وفاء حميدThe Rain Is Falling- Haibun Poem By Salim Elias Madaloضريبةٌ مضافة/عارف عبد الرحمنWho am I?By Soran Mohammedكيف نبني الوطن إذا لم نبنِ الإنسان؟غارسيا ناصحرحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة/جواد عامركورنافة */نبيل حامد-مصرإشراقة من عتمة الدجى / زيد الطهراويTHE DAWN AFTER DARKNESS By Dr. Nancy Denniss-SYDNEYThey Lied to You By Ahmed Miqdad-G a zaPoems By Kushi Nanayakkara-Sri Lanka

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

مسرحية لآلـئ الجذور العـُليا / جواني عبدال

Untitled 1 6



-ممسرحة عن حكاية شعبية-
.
الشخصيات:
تيـجاني: خـيّـال، في أواخر العقد الرابع من عمره، متواضع الهيئة، يلبس عباءة صوفية وسروالاً فضفاضاً.
بـادين: فلاح، في أواسط العقد الخامس من عمره, معتدل القامة والهيئة، مهلهل الثياب.
بوداري: رجل معتد بنفسه، طويل القامة في أواخر العقد الخامس من عمره، وجيه الهيئة، مرتب اللحية والثياب.
ديمان: ابنة بوداري.
بـازلي: اسم حصان بادين.
.

المشهد الأول:
الوقت: أوائل فصل الربيع.. عند الظهر.
المكان: طريق عام، تظهر في الخلفية قمم جبال تكسوها ثلوج، وثمة قرية منبسطة في أسفلها، يعلو منها دخان بخطوط متعرجة ويمتزج في سمائها بضباب رمادي.. تسمع أصوات عواء وخوار بين الفينة والأخرى..
الموقف: رجل خيال قادم من القرية، وآخر يتلقاه عرضاً:

بادين: أراك متهيئاً للذهاب، فإلى أين تنوي التوجه هذا الزوال؟.
تيجاني: في طريقي إلى ديار زوان.
بادين: يبدو أنك تأخرت في الذهاب، كان الأولى بك أن تخرج أبكر من هذا الوقت..
تيجاني: ماذا؟
بادين: كان يجب أن تخرج قبل الظهر حتى لا يتصادف مرورك بالجليل بوداري، وهو رجل سيء.
تيجاني: رجل سيء! كيف؟
بادين: هناك عند مفرق الجبل والوادي، وقبل أن تصل إلى الينبوع الأزرق خيمة نصبها رجل، ولابد أن يراك ويستضيفك.. فحذار أن يتصيدك..
تيجاني: وبعد..
بادين: قيل.. والقول على ذمة القائل -عفواً؛ خُذ هذا القول مني على أنه كذب وبهتان- بأن الجليل بوداري (وهذا اسمه) يضرب ضيوفه، وكل من يلتجئ إليه لابد أن ينال منه علقة، وطرداً وشتيمة..
تيجاني: عجيب، أمر هذا الرجل عجيب، أما من سبب وجيه؟
بادين: الطبع السيئ لا يحتاج إلى تبرير.. أليس كذلك؟..
تيجاني: هم.. هم، ألديه بنات ويغار عليهن؟، أم..
بادين: لا أدري..
تيجاني: أقول ألديه نساء حاميات ممحونات؟..
بادين: لا أعتقد.. أين شطط فكرك ؟!
تيجاني: إذن؛ يخاف على مواشيه من السرقة، وعادة هذه الأيام يكثر اللصوص.. فيضرب استباقاً ليخيف الناس أكانوا مسافرين أم أهليين.
بادين: ليست لديّ فكرة.. فلابد من ثمة تأويلات، قد يصح بعضها في توصيف حالته..
تيجاني: في هذه الحالة هو قاطع طريق، والذي يسلب الناس وينهب يغير مكانه كل مدة حتى لا يقبض عليه.. أليس كذلك؟.
بادين: نعم !
تيجاني: حتى لا يمسك بالجرم المشهود، ويتألب عليه أهالي المنطقة.. فهل تعتقد أنه ما يزال هناك رابضاً بخيمته العنكبوتية.
بادين: لا أدري ماذا أقول؟ المهم أني حذرتك، والحذر واجب الحياة..
تيجاني: ليكن، ولكن هل هو وحده أم له عصابة، عصابة صعلكة تنهب الطارقين المسافرين.
بادين: الحقيقة /وهذه مفارقة/ إنه وحده.. وهو رجل كهل، وفي العقد السادس من عمره.. ولكنه في كامل صحته ونشاطه كما نقل الحديث.
تيجاني: هكذا! قد يكون معتوهاً أو مخرّفاً.. يتبلأ الغرباء ويتحرش بهم توكيداً لذات مهشمة.
بادين: لا أعرف. أنا لا أحلل، إنما أقول الخبر وما ترويه بعض الأقاويل..
تيجاني: الأقاويل! كثيرة هي الأقاويل حتى تشاع بإشاعة ملتبسة..
بادين: عفوا على تطفلي، إنما قلت ما قلت حرصاً عليك من عوادي الطريق، ومن عاقبة السفر وحيداً غير محترس.. والسفر ليلاً فثمة قطاع طرق يتجولون في المنطقة تحت ستر الظلام..
تيجاني: ليكن؛ أنا لا أحمل شيئاً ذا قيمة كي أخاف عليه.. إنه رجل عجوز!..
بادين: تصرف كما يحلو لك.. حذرتك من مغبة الالتجاء إلى المعتبر بوداري، وأن تتجنب المبيت عنده -إن حكم المسير ذلك- القول منسوب عن مجرب، والمجرب أعرف من غير المجرب.
تيجاني: أشكرك على ما تفضلت به.. وسآخذ جانب الحذر من كل بد، فالحياة غالية والروح عزيزة..
بادين: منْ احترس أطال عمره، ومنْ استخف قصفه فندم.. على المرء أن يتعظ مما جرى للآخرين تجربة، أو ما تناقلوه من خبر..
تيجاني: عُـلم؛ أولاً وأخيراً شكراً على حرصك الخيّر.. أتعرف بأني سأصل إلى مقصدي عند الغروب أو أبعد قليلاً عند العشاء، ولم يمر من الليل سباته لأنام، بل سأتابع طريقي دون وجل من مجاهله.
بادين: حسناً.. سر على بركة الله.. فليحفظك طالعك السعيد.
تيجاني: فأنا خبير بالطريق وأعرف خفاياه جيداً، فليست المرة الأولى التي أذهب فيه.. أتدري؟.
بادين: حسناً يا عمي..
تيجاني: وسأحاول تجنب ذلك الطريق، لا تقلق عليّ؛ إني أحمل تعويذة مربوطة على عضدي تقيني عوادي الزمن..
بادين: أريد لك السلامة فتنبه لنفسك.
تيجاني: مع السلامة.
.

المشهد الثاني:
الوقت: في المساء.
المكان: خلاء؛ طريق عام، تظهر في الخلفية قمم جبال متعرجة.
الموقف: تيجاني راكباً حصانه ويسير الهوينى، يخاطبه حيناً، وحيناً آخر يخاطب نفسه..

تيجاني: آهٍ يا حصاني الكميت بازلي، لقد أتعبنا الطريق الطويل.. رغم ما كنت أدندن به من غناء حتى أقتل الوقت وأسلو الطريق، من ناحية أرفع معنوياتي بنسياني مشقته، ومن ناحية أخرى كي اشحذ همتك وأسليك، أعرف أنك تهوى الغناء ويلهيك الشدو ويؤنسك، أنت خبرت حادي العيس الذي يقود القافلة أكثر مني، إنه يغني لنفسه ولجمع الناس وللدواب من الخيل والجمال، آه على الأيام الماضيات والزمان الجميل الآفل، بناسه وكرمه وشموخه، آه على أيام الجدود وما كان يحكيه الآباء عنهم بكل ود، لقد تغير الزمان وبطلت مكارمه، لقد هزلت وكثرت مشاغله فأشقتْ أكثر من الماضي.. إن هذا الجهد الذي نبذله لأجل عيالنا وأولادنا، لأجل حياة كريمة هل سيذكرونه بخير؟ أم يقال -كما قال ابني الكبير: ما عملتموه لأجلنا، لاشيء- الذي زوّجته من سنتين وعمره لم يتجاوز السابعة عشر، حتى لا يزيغ البصر، ودعماً من زوجتي –أمه- آملة أن تحوز على كنة تساعدها في أعمال الطرش، من حلب الماشية وتجهيز العلف، وتحضير اللبن وخضه لاستخراج الزبدة والسمن، أو عمل الجبن منه.. بكلمة واحدة كي تساعدها في عملها الكثير الشاق، بعد أن انفصلتُ عن -العائلة الكبيرة- لوالدي الذي كان يعيش مع قافلة الإخوة والأعمام.. كلٌ مع زوجته وأولاده.. في جو حميم ترأسها جدتي (ماديه) لذا أقول: آه على تلك الأيام الجميلة البهيجة.
نعم زوجت ابني وهو في عمر السابعة عشر، حتى يكون فراشه دافئاً. حقيقة أنه لا يقصر في شيء، فهو يعمل ما يلزم، من رعي وتعليف وجزّ صوف، إنه يعمل لنفسه، بالمحصلة هذا ماله ولإخوته من بعدي.. فلمن يكون غيرهم؟.. نعم عيني عليه باردة، لقد زوجته قبل عمري بخمس سنوات، فحين بلغ عمري عشرين سنة أو أقل بسنة تزوجت، فقلت لنفسي: حرام أن أتركه من دون زواج، رغم دعوة والدته حتى لا أحرم منه كما حرمت منه، وأولاً وأخيراً هو شيء لا بد منه آجلاً أم عاجلاً..
آهٍ يا بازلي لقد هذيت فيما لا داعي له، هي هواجس وخواطر ترف على ذهني فأرطن بها.. أقولها لك، منها سجعاً ومنها غناء ومنها إدغاماً، تزجية لنفسي العطشى، وحياتي التي انقصفت فيما لا أمل فيه، لها، كم كانت لي أحلام وردية.. زوجتُ ابني حتى لا أتزوج أنا وآتي بزوجة أخرى –ضرة- تساعد الزوجة الأولى في أعمال البيت وتربية الحيوانات، ومداراة كثرة الأولاد على أن يكبروا ويسدوا النقص في اليد العاملة.. كما فعل جدي وبعض أعمامي والكثير من أهل منطقتنا.. هذه واحدة والأخرى أن أملك قطيعاً من الماشية وأسرح بها، أولدها فتتكاثر ويعظم شأني.. وأخرى بعد ذلك أتملك بعضاً من الأراضي البور فاستأجر غلمان يعملون في أرضي، ويصبح لي شأن في الجوار المحيط، وينتشر صيتي بين الناس أجمعين..
حقيقة يا بازلي الحياة قمينة أن تعاش بعز وسؤدد، الحياة يأتي بعدها الموت، يُذكر المرء بما ترك خلفه من مآثر ووقفات عز، كذب وبهتان من يقول عن النسل من خلف ما مات. لا يا سيدي ليس هكذا يكون الأمر، إن الكلاب أيضاً تخلف النسل، ولكنها تموت دون دمعة أو حسرة أو قول بعد مدة.. الإنسان لا يعيش لبطنه ودونه، لا وهذا اضعف الإيمان مما يكتسبه المرء، ثمة آفاق للحياة وثمة آمال للعلا, أكان العمر قصيراً أم طويلاً معتدلاً. ستمر الأيام وخلفها السنون كماء يجري في واد، لا تعرف كيف تجري، وإذا بقربة العمر تهرأ وتفرغ، فهاهو فتي وشباب ورجولة وكهولة وشيخوخة والعمى في عينه، والدنيا تأخذنا في مساربها هيناً دون ضجة.. رتيبة مملة.
آهٍ يا بازلي لقد خرفت باكراً وهرمت من جراء الأعمال والمهام التي لا تنتهي صولاتها، كل شيء يهترئ فيّ مما استهلك -من المرأة والأولاد والعمل والبيت والآخرون- حتى النفس ذاتها اهترأت.. وفرغ دماغي إلا من ترهات اجترها لك يا صاحبي.. ومن لي غيرك يتقبل ترهاتي ورذاذ لعابي المتطاير، يسمع نزقي ويحس بآمالي وتطلعاتي، من غيرك؟. فالكل سيضحك مني ويهزأ لو كان أخي أو كانت زوجتي أو حتى ابني وابنتي.. الكل يهزأ دون التفكر لحظة، أما لماذا يهزؤون، لأنها بعض مهم من هواجسهم ورؤاهم وتطلعاتهم.. فإنهم أخفقوا بها لذا لا يتمنون أو لا يرتضون أن تتحقق لأحد آخر، أو أنهم جربوا تلك الخواطر دون أن تسمن من جوع..
آهٍ يا بازلي هكذا هي حياتنا، لأننا هكذا وجدنا آباءنا وكل المحيطين بنا، ففي بداية كل ربيع نُخرج الماشية للرعي، فنذهب بها إلى منطقةٍ ملأى بالكلأ والماء.. تحضيراً للولادات والحلب والجز وما إلى هناك من مشاغل، بعد شتاء تربض فيه الماشية فنضطر إلى إعلافها في حظائر ومسارب نتكفل بها، فهي عماد معيشتنا، فيجمع الأهالي بعضهم ويسيرون مع ماشيتهم وآخرون يحملون الخيام وعائلاتهم معهم إلى المراعي الجبلية البكر, وقد استحدث من يرسل ماشيته ومن ثم يلحق بهم، أو يسرح له غنمه بأجرة أو مقايضة أو ما شابه.. لقد ذهب ابني وزوجته التي لم ترزق بطفل بعد، ومعهم زوجتي وابني الآخر وبناتي الثلاث في الأيام الأوّل، آه الطريق طويل وقد قلت كل شيء ولم يبقَ في جعبتي شيء لم أقله.. حكيت لك عن طفولتي، وعن فتوتي وشبابي.. عن لهوي ومجوني، عن حبي ونية زواجي من أخرى، عن معاركي مع أترابي، وشقاواتي مع بعض الشباب من العشائر التي تسكن جوارنا، حكيت لك عن بعض هناتي التي أخفيها عن الناس، نعم أريد أن أنساها، ولكنها معربشة في قمة الذاكرة، ولابد من قولها حتى أرتاح من وزّها وطنّها على أذني، ووزرها على قلبي، إن قولها أشبه بخنقها وطمرها في التراب، فإن خرجت من لساني فقد أنطفئ أوارها.. لذا أقولها بكل أريحية لعلمي بأنك صديق صدوق ولن تكشف سري وتهتك أمري.. من جلّ كلامي الفارغ.
آهٍ يا بازلي لقد تاهت بوصلتي وأضعت الاتجاهات.. إلى أين وصلنا وها هو المساء قد بسط جناحيه، والظلمة أسدلت رويداً سدولها.. لقد أخذنا الحديث في مغاربه، وأخذنا الطريق في مساربه، فأطبقت الظلمة دوننا.. لقد زاد الجو الربيعي الزخم بالندى والأرض الرطبة، تعبنا مشقة، فتهدجت أنفاسنا، ونشف ريقنا، وخوى جسمنا فتسرب إليه البرد حتى العظم.
ها قد اقتربنا من القرية، ماذا أرى يا كحيلة، ثمة فتاة خفراء، امرأة كاملة هنا.. آه يا حلوة تفتح الشهية.
(يقترب من الفتاة ديمان القادمة التي تحمل جرة فوق رأسها)
تيجاني: عمت مساء يا …
ديمان: وأنت أيضا.
تيجاني: لمن هذه المرابع.
ديمان: لأبي.
تيجاني: ومن يكون أبيك هذا.
ديمان: رجل من الكرام.. فتفصل على الرحب والسعة.
تيجاني: أود أن تدليني على طريق زوان.. فأنا ذاهب إليها.
ديمان: أنا لا أعرفها. بإمكانك أن تسأل أبي، وهو سيدلك حتما.. تفضل على الرحب والسعة.
تيجاني: جميل والله جميل. بداية جميلة، لنتابع. (يتفحص حوله).. آهٍ يا أنا إلى أين وصلت؟.. آهٍ أرى ثمة خيمة هناك يعلو منها دخان، وثمة نار تلهب تحتها.. سألتجئ إلى هناك أستفسر عن إمكان تعريفي بالطريق إلى ديار زوان شرفدين، فهل أخطأت السير من كثرة رغيي بالكلام الغث والسمين.. أو أنت يا بازلي /والدنيا ربيع/ سقتني من شبقك إلى ما يحلو لك إلى فرس اشتممت رائحة بولها المعطر.. آه يا بازلي لا تحرحر وتهز رأسك وتغضب، إني أمزح، واتشاقى، أتعرف أنه منذ أسبوع ذهبت زوجتي (ميرانه) بعيداً عني، فأشتاق هائجاً، فلابد أن تكون أنت أيضاً. هه.. أوه بما أخرف يا هذا لهذا؟!.
آهٍ الحذر؛ إني اقترب من الخيمة، كما اني أرى رجلاً طالعاً من تحتها، قادماً باتجاهي، أم أنه يقصد الخلاء لقضاء حاجته، سأنادي عليه: آه يا عم.. بالتأكيد لقد رآني، إنه من الصعب القول: إنه لم يرني، لأن في هذا الخلاء الأعين مفتحة على الجوار بكل ما تستطيع، والكلاب هنا تحرس وتراقب كل نأمة وحركة غريبة غير مألوفة، فتنتبه إليها بسرعة البرق وتنبه الآخرين.
بوداري: منْ هناك، أأنت ابني ساندي؟، لماذا رجعت باكراً؟.. ماذا حدث؟ اقترب ودعني أراك.
تيجاني: أنا عابر سبيل يا عمي..
بوداري: نعم، لم أسمع، من أنت؟ ارفع صوتك حتى أراك.
تيجاني: ضيف؛ أنا ضيف طارق..
بوداري: أهلاً بالضيوف..
تيجاني: عمت مساءً يا عمي، أنا..
بوداري: عرفت انك ضيف، والضيف لدي هو ضيف الرحمن، فعلى الرحب والسعة، تفضل.
تيجاني: زاد الله فضلك، وأعاشك فيه مدى العمر.
بوداري: آه، قلت العمر، وما العمر إلا اللحظة التي أنت فيها، والباقي كله هباء.
تيجاني: حسناً يا عمي، أود أن أسالك عن مكان تواجدي ؟ لأني على ما يبدو أضعت الطريق إلى مقصدي، أو أضاعني الطريق.
بوداري: بل قل جاء بي الطريق إلى عين مقصدي.. فتفضل دون زيادة أو نقصان.
تيجاني: لا أريد أن أثقل عليك، فهل دللتني إلى الطريق الصواب لأتابع طريقي.
بوداري: نعم ستتابع طريقك من كل بد، وستصل في الوقت المناسب، ولكني أهيب بك أن تنزل وتتفضل، وآن العشاء قد حان فتعشى ما تيسر.. وللحديث بقية فتفضل ولا تعاند.
تيجاني: آه يا عمي لو قلت لك لست جائعاً فإني أكذب، ولكني سأتحامل على نفسي وسأتابع طريقي لأصل إلى مضارب أهلي في ديار زوان قبل أن يتمطى الليل بظلمته وبرودته الجبلية.
بوداري: لذلك أقول انزل وتفضل، واسمع الكلام دون جدال زائد.
تيجاني: حسناً..
بوداري: هذا جيد، لن تكسر في كلامي وتشدخ خاطري.
تيجاني: (لنفسه وقد مط شفتيه تعجباً) ساقني قدري إلى رجل غريب الأطوار. (متوجهاً بالكلام إلى الجليل بوداري) لن أطيل المكوث طويلاً عندك ولن آخذ من راحتك الكثير.
بوداري: دع عنك راحتي، فراحتي من راحة الضيف وما أقدمه من واجب تجاهه.. أسمعت؟.
تيجاني: سمعت يا عمي..
بوداري: (يتوجه بالحديث إلى أهل البيت) يا كسومة زوجتي، ويا ابنتي ديما، لدي ضيف من الجنوب يتوجه شمالاً ناحية ديار زوان، فهو مثلنا غنام ومَراعي.
كسومة: (صوت من الداخل) على الرحب والسعة، هلت علينا البركة والثواب.
تيجاني: (يترجل من على حصانه، ويمسك لجامه ويسير بجانب مضيفه) أين نحن؟
بوداري: حقاً، أنت في مضياف الجليل بوداري، في عين الكرم ومسكنه.
تيجاني: لا ريب في ذلك يا عمي الجليل بوداري.
بوداري: ناولني لجام حصانك، وسر معي.
تيجاني: (لنفسه جانباً) أيعقل الجليل بوداري ؟! إنه هو بذاته، لقد ساقني قدري إلى مذلتي، إلى إهانتي، إلى حتفي إن كان بقي لي حتف..
(يتوجه إليه بالكلام) لا ريب في ذلك يا عمي الجليل بوداري، إنما أقصد أين نحن من المنطقة؟
بوداري: وأنت أين تريد لأخبرك بمكان تواجدك.
تيجاني: مفرق وادي البازن قرب نبع الباران..
بوداري: هها، أنظر نحن هنا في موقع مشرفة وهو يبعد عن نبع الباران، فحين يذهب رعياننا من هنا إلى سواقيه، يمضي نصف نهار، ذهاباً وإياباً مع الماشية، أي من هنا إلى هناك ثمة مسافة أكثر من ساعتين بالخيل..
تيجاني: كثير والله، لقد أضعت طريقي.. كنت أحسب بأني سأصل إليه من قريتي (سودا) عند الغروب أو بعده بقليل.. أوه العمى على هذه الحالة.. كنت أسير على حد الوادي عسى أن أقطعه مختصراً وإذ به يلف عليّ دورانه.
بوداري: حسناً لا تأكل هماً..
تيجاني: طال علي الطريق فيما لا داع.. المهم. يسعدني إني تعرفت بك.
بوداري: أحذرك من السفر ليلاً، فثمة قطاع طرق يستجدون كاللعنات، ويجولون المنطقة ليتصيدوا الغرباء البراعم، يتسترون تحت سدل الظلام وصمته.. كمثل العناكب تفرش شباكها، وأنت لا تحمل سلاحاً تدافع به عن نفسك، وخنجرك هذا لن يسوى شيئاً مقابل سلاحهم..
تيجاني: إنه أول الليل ولم تخرج العناكب بعد..
بوداري: تمهل وكفى (يغير وجهة الحديث) لم تقل لي عن اسمك، فبماذا أناديك.. عفوا ليس استصغاراً بك، إنما لأناديك به، فكل الناس خير وبركة وذوو كرامة وجاه.
تيجاني: تيجاني ابن مامدو من عشيرة فلان..
بوداري: والنعم من عشيرة فلان وكافة أبنائها.. أذهب إلى الرواق وأرتح، (ينادي على ابنته) يا ابنتي ديما تعالي وخذي الحصان وانزعي عنه اللجام والسرج، وضعي له علفاً واربطيه قريباً حتى أقوم بواجب ما يلزم.
تيجاني: (لنفسه جانباً) آه لقد وقعت بالفخ برجليّ، وما علي سوى الرضوخ للأمر الواقع، دون أن آتي بنأمة أو حركة تصرف غير لائقة، ولأشهد ما يجري بصمت مطبق.. لأمارس دوري بهدوء وطول بال.
بوداري: ماذا بك يا تيجاني، لقد شردت وتاه بصرك وزاغ، بماذا تأول تفكيرك. قل لي دون تردد.
تيجاني: لا شيء يا الجليل بوداري، أطال الله عمرك ووهبك الصحة والعافية، وألهمك الصدق والصواب، أنا ممنون منك.
بوداري: أرى تغيرت لهجتك.. فأرجو أن تكون على سجيتك وذلك أفضل لكلينا..
تيجاني: إنه يهددني (قال أفضل لي)، يا العم بوداري، أنت جليل ولا شك، وما كان علي أن أزج بنفسي عليك، ولكن ساقني حصاني، وساقني قدري إلى باب دارك، إلى كرمك وجاهتك، فالناس للناس، والدنيا دروب وأقدار، مهما كانت المصائر.
بوداري: لا تقل هذا الكلام.. أخجلت تواضعي.
تيجاني: كان من الأفضل لي أن أسير في بغيتي حتى أصل إلى أهلي، وهم بالتأكيد بانتظاري وعينهم على الطريق، لأوبتي قريباً، ولا أريد لهم أن ينشغل بالهم كثيراً.
بوداري: هيا لا تعترض على شيء من كلامي حتى أبقى هادئاً سعيداً بلقائك،
تيجاني: كنا تأخرنا في الخروج إلى ديار زوان أسبوعاً بسب الجو الماطر من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم الاتفاق بين كبار العشيرة على بدء المسير، فسبقوني وها أنا أحاول اللحاق بهم بلهفة -وكان الأولى بي الآن- أن أتابع لانضم إليهم لمساعدتهم، وأنت عذبت نفسك وحمّلتها مشقة الاعتناء بي كضيف، أرجو ألا أكون ثقيلاً سمجاً.
بوداري: اسمع؛ لا تكثر من الكلام فتنزع مراقي.
تيجاني: (لنفسه) اهدئي يا نفسي، وتحلّي بالبرود، وتجمّلي بالصبر، ولا تثيري حفيظته المكنونة، وطبائعه المجنونة.
بوداري: إلى أين سرحت؟! أسمع؛ سيُعد خلال وقت قصير العشاء وسنتعشى، وبعدها سيحل الظلام بقتامه ويشتد البرد، السماء مغيمة وفي تجمع الغيوم تضيع الاتجاهات، فلا نجمة ولا قمر ولا أي دليل يجدي ويفيد.. فالأحرى أن تبات ليلتك هنا، إن كان مشوار سيرك قريباً أو بعيداً، فالصباح رباح، وهي نصيحة أجدادنا للمسافرين وطارقي السبيل.. أسمعت.؟
تيجاني: كان الأنسب لي أن أتابع، لقد ضيقت عليكم المكان في لزوم ما لا يلزم تجاه ضيف طارق.
بوداري: اسمع يا تيجاني؛ اللقمة الهنية تكفي عشرة، والمكان المفتوح يسع ألفاً، وكما يقول المثل: (يضيق المكان في القلوب)، فالله كافينا من خيراته، ورزقنا ألفاً، ووسع علينا ضيفاً..
تيجاني: ليزيد الله فضله عليك، ويزيد كرمك وكرم أخلاقك..
بوداري: سنتعشى، وسنفرش لك، وتتدفأ لتنام قرير العين إلى الصبح الباكر المنير.. وبعدها كلٌ منا يسير إلى مصالحه، ولن نبقيك –كما في الأيام الخوالي الجميلات- ثلاثة أيام كواجب الضيافة الحقة. فلا يجدي شيء آخر، وكفى تبريراً وتزلفاً.. فأنت ضيف الرحمن فلا تلح وتبرر مجدداً.
تيجاني: السمع والطاعة، فأنا رهن أمرك، وما تريده سيكون.
بوداري: أخيراً أجدت.. هكذا أحسن لي ولك.
تيجاني: (لنفسه جانباً) كلماته كلها أوامر، اسمع، لا تجادل! واعمل كذا ولا تعمل كذا..
بوداري: (يصيح على من في الداخل) كسومة يا زوجتي, ويا ابنتي ديما، استعجلا بالعشاء، وقبلاً هاتا لنا بعض الثمار المجففة لنتسلى بها.. (وأخرج من عبه علبة التتن ومدها لـ تيجاني قائلاً له): خُـذ عمّر لك سيجارة ودخنها، فهي من تتن الخرز، أنظر كم هي ناعمة وصفراء، وكم يحلو الحديث أثناءها.
تيجاني: حسناً.. تتن الخرز مشهور، ومشهود له بالجودة والرائحة الفواحة والدخان اللذيذ المهدئ..
بوداري: كلامك جميل، فأنا قد أصبر على المأكل والمشرب وعلى المرأة، ولا أقدر أن أصبر على الدخان.. أتدري بأنه رفيق لي مذ كنتُ في العاشرة من عمري أو أكثر قليلاً -والى الآن- قد بلغنا معاً الأربع والأربعين عاماً.. أترى هذه الصداقة؟.
تيجاني: دون تفكير ودون الكلام زائد، هي صداقة وتسلية ولذة..
بوداري: ولك يا كسومة؛ تأخر العشاء، فضيفنا بدأت جفونه تنغلق من تلقاء التعب، فهيا استعجلي..
كسومة: (صوت من الداخل) حسناً بودو، أنا أخبز على الصاج وديما تعد الحواضر.. وبعد قليل سيرجع ابنك من تبديل نوبة الرعي عن أخيه ياسو.. وسيحضر الراعي جمو معه أيضاً.. وسوف يفيق الآخر بدلاً عنه.. فأصبر قليلاً وسيتم الأمر كما تشتهي.
بوداري: والله حق، لا أعرف كيف كان سيتصرف الرجال من دون النساء، فهن كل شيء في حياتنا، ويعملن لنا دون منية، ويقدمن كل حب وود، وهم لا يملكن شروى نقير مما نملك..
تيجاني: يعملن لأجل الرجال ولا يملكن أي شيء.. صحيح.
بوداري: ولكنهن يملكننا، ليس بكاف هذا.
تيجاني: نعم.. النساء لذيذات.
بوداري: نعمة من الله، أنا لي زوجتان، ولي مضربان، هذا واحد، والأخر منصوب في الناحية الأخرى من الجبل، اقضي فترة هنا، حيث تسكن الزوجة الصغيرة، وفترة هناك عند الزوجة الكبيرة..
تيجاني: (مردداً) الزوجة الكبيرة والزوجة الصغيرة..
بوداري: أقصد الزوجة الأولى والزوجة الثانية.
تيجاني: مفهوم يا العم بوداري.
بوداري: حقيقة في بداياتي لم أكن أود الزوجة الثانية، من مبدأ عدم العدل والمساواة بينهن -كما تفعل الأغلبية- ولكنها الزوجة الأولى /يرضى الله عنها/ ألحّت أن أتزوج بأخرى حتى تساعدها في أعمال البيت والماشية والأطفال.
تيجاني: المسكينة ماذا ستفعل؟ كله على عاتقها.. نهاراً العمل المجهد، وليلاً العمل الممدد.
بوداري: الرجال معصومون عن الأعمال الوضيعة، فالرجال رجال.
تيجاني: نعم يا عمي، أللهم زد وبارك..
بوداري: كم رأس غنم عندك؟
تيجاني: ليس كثيراً، نحو ثلاثمائة رأس.. ومن المفترض أن يصل هذا الربيع إلى الخمسمائة رأس، فكما تعرف نبيع كل خريف الثلث.. ثم يزيد الثلث حسب المواليد في الربيع.. وهكذا..
بوداري: جيد، وأيضاً لدي ضعف العدد الذي لديك، إنما يشاركني فيه أولادي الكبار، من الزوجة الأولى ومن الزوجة الثانية كل بنسبة الثلث..
تيجاني: هما متزوجان. بالتأكيد.
بوداري: نعم، لقد كانت لي زوجة ثالثة بقيت عندي لمدة أكثر من سنة ولم تلد لي طفلاً, وكانت معاندة نكدية فطلقتها..
تيجاني: آه هكذا إذن؛ ثالثة.. “لقمة هنية تكفي مية”.
بوداري: الخير كثير، نقدها ولقمتها لا تكلف كثيراً، دعنا منها هذه السيرة، حسناً حدثني عن شيء آخر.. لقد كانت ثمة عداوة بين بيت هلون وبيت داتور.. بسبب خطيفة ابن الأول لابنة الثاني. فماذا حصل فيما بعد؟
تيجاني: تم الصلح على دية بلغت مائة رأس غنم، إضافة إلى حصان، ولم تهدأ الأمور لأن ابن الثاني هدد بقتل البنت والولد لغسل العار، ولم يسوَ الأمر إلى أن تم تبادل أخت الأول للثاني ودفع نصف دية المبلغ المتفق عليه.. أي بفارق خمسين رأس غنم دية الخطيفة فقط.
بوداري: يقتل الشاب لماذا؟.. إنه ابن الناس، ليس لهم حق في ذلك.. يغسلون العار عن شرفهم الذي لطخته ابنتهم.
تيجاني: هكذا قيل ليتم تأزيم الموقف ورفع سقفه أكثر. وبالمناسبة هم من عشيرتنا. (لنفسه جانباً) سأكبر في الكلام حتى يعرف ردة فعل عشيرتنا وغيرتها على أبنائها في حالات كهذه، سأحاول إخافته.. فلا يتطاول عليّ.
بوداري: والعداوة المستمرة بين بيت زمان وبيت رمو، سمعت أن بعض رجال الدين تدخل بينهم مرة أخرى، بعدما وصل توسط الوجهاء في مساعي الوئام إلى لا شيء.
تيجاني: الأمر كما هو، رغم تجدد بعض المساعي من هنا وهناك، إن شيخ بيت رمو يعاند كثيراً ويتبجح ويتوعدهم بالويل والثبور..
بوداري: الله يرضى عنهم، عسى أن يتطور الأمر إلى الصلح والوئام.
تيجاني: الجميع يتمنون أن يسعى أحدهم ويطفئ هذه النار بماء توافقية..
بوداري: صحيح؛ الدماء تغسل بالماء.. وأتعجب كيف يرضون أن يغسل الدم بالدم.. الله لا يجرب أحداً ولا يجبر أحداً، فلا تأتي العداوة إلى باب أحد.
تيجاني: أللهم اجعله خيراً ونجّنا مما ليس في بالنا. وبالمناسبة هم أيضاً من عشيرتنا، فنحن من عشيرة معاندة مشاكسة (لنفسه جانباً) إنه يمهد لمعرفة شكيمة عشيرتنا، إنه يخبر ليعرف عمقنا ويسبر أغوارها.
بوداري: كيف ذلك، كما أعرف أن العشيرة الأولى لا تمت للثانية بشيء، فتدعي أنهم أقرباء من عشيرتك..
تيجاني: الأولى عشيرتنا مئة بالمئة، أما الأخرى فهم أنسابنا من طرف النساء.. فندعوها عشيرتنا أيضاً. هكذا درجت العادة عندنا.
بوداري: هكذا درجت العادة إذن، بالنساء تتوحد العشائر أيضاً. (يتوجه بالحديث إلى الداخل) يا كسومة ماذا حدث لك..
كسومة: (صوت من الداخل) حسناً بودو.. انتقلا إلى الجهة الأخرى وسيقدم العشاء هناك.
بوداري: هيا بنا؛ قبل أن ترجع في كلامها.
تيجاني: وهل هذا ممكن! أنك تمزح.
بوداري: الحياة دون مزاح لا تساوي شيئاً، فالمزاح يعادل أخذ الفرح قسراً، فلخلق جو من الألفة والود، ننزع البسمة من اكفهرار الحياة ومتاعبها، ونرسمها على وجوهنا.
تيجاني: العشاء لم يكن له داع.. يا عمي بوداري.
بوداري: عدنا إلى تسميم البدن. هيا؛ لا تكثر من الكلام حتى أبقى هادئاً.
.

المشهد الثالث:
الوقت: في الصباح الباكر.
المكان: في الخلفية خيمة ومصاطب وحظائر.. طريق عام منبسطة في أسفل المنحدر.. تسمع أصوات عواء كلاب وثغاء خراف بين الفينة والأخرى.
الموقف: الجليل بوداري وتيجاني يسيران معاً:

بوداري: أيا صاحبي الكريم، يبدو أنك عزمت على الرحيل، وأنا لا استطيع أن أمنعك، وكان بودي ذلك، ولكن ليس باليد حيلة، حللت أهلاً وسافرت سهلاً، ها قد أشرقت الشمس وقد هيأت لك حصانك، (ينادي على ابنته ديمان) يا ديما هاتي الحصان، فضيفنا مصمم على الرحيل.
صوت ديمان من الداخل: حسناً يا أبتي.
بوداري: وهل جهزتِ (زوادة) الطريق لضيفنا.؟.
صوت ديمان: نعم؛ وفوقها حبة مسك.
بوداري: جيد يا ابنتي، أما سمعت بالقول، إن رجلاً أضاف مجموعة رجال وذبح لهم خروفاً.. وحين هموا بالذهاب. قالوا لبعضهم كم هو بخيل، لم يزودنا بزوادة الطريق.. فرد أحدهم: بخيل وألف بخيل.
تيجاني: آه يا عمي، إن المرء لا يشبع من كرمك ولطفك، وأقول أنا مضطر للذهاب.. وعليه أقدم كل شكري وتقديري لضيافتك وكرمك وطيبتك.. وكان بودي أن أرد لك هذا الجميل يوماً إن تصادف وزرتني أو أضاعك الطريق إلى باب داري.. وكنت حينها سأقوم بالواجب مرتين، الأولى ردك لهذه، والأخرى نيابة عني معدننا.
بوداري: يقول المثل: (جبل لجبل ما بيلتقى بس الناس بتلتقى) وإن بقي في العمر المزيد، ولنا نصيب في الدنيا، أرجو أن يتم المراد، ولكن اسمع.. إني قمت بواجب الضيافة لا لتردها لي بالمقابل كدين.
تيجاني: آ يا عمي الجليل بوداري، إلى أين ذهب تأويلك.
بوداري: أحلفك بالله، كلما مررت من هنا أن تأتي لزيارتي.. وهي دعوة مفتوحة دائماً.. واحرص أن تكون وقت الغداء لأحضره لك خصيصاً.
تيجاني: سأحاول ذلك من كل بد، إن ساقني الطريق الخطأ إلى باب خيمتك وطيب إقامتك.
بوداري: وإن أية مساعدة تودها أو أنت بحاجة إليها، فالتجئ إلي، إن كان باستطاعتي القيام بها -مالاً أو وجاهة أو أي شيء- سأقوم بها عن طيبة خاطر.
تيجاني: أنت على رأسي من فوق.
بوداري: سأدلك على الطريق، أنظر؛ سر على استقامتك من خلال ذلك المرج، وبعدها التف إلى اليسار من عند حافة الجرف وانزل بهدوء.. ترجل عن الحصان وقده من رسنه حتى لا تتزحلق من نداوة العشب ومن انحدار الدرب المحجر..
تيجاني: حسناً يا عمي بوداري! كفى ارجع، لا توصي حريصاً.
بوداري: لا تقاطعني ودعني أكمل واجبي.
تيجاني: عفواً أكمل.
بوداري: وهاهي زوادة للطريق، إضافة لقد ملأت جعبة الحصان علفاً من شعير وذرة أيضاً.
تيجاني: أشكرك كثيراً، لم يكن لزوم لذلك ، فمشوار طريقي ليس ببعيد، هي -كما تقول- مسافة ساعتين بالكثير.
بوداري: نعم ولا، ولكنني أقوم بواجبي.. فهل تمنعي؟
تيجاني: حاشا وكلا.. والآن ارجع وسأتابع طريقي.
بوداري: هيا أركب حصانك وأنا ممسك بلجامه.. هيا اركب وسر.
تيجاني: حسناً كما تريد. (يركب على الحصان) و(يقول لنفسه) سأفعل ما يريد قبل أن يضربني..
بوداري: (يناوله اللجام ويقول) سر على بركة الله.. أمانة أن تنقل تحياتي وسلامي إلى كل من يسأل عني.. هيا سر بالسلامة واليمن والبركة.
تيجاني: آ.. الوداع..
بوداري: بل قل إلى اللقاء، فقد حصل بيننا خبز وملح..
تيجاني: إلى اللقاء ومع السلامة.
(بعد أن سار تيجاني عدة خطوات وبات في حكم حريته، صار يكلم نفسه)
ماذا دهاه.. هو الجليل بوداري، فهل ثمة رجل آخر بهذا الاسم؟ لقد حذرني منه بادين، بأن له صيت كيتاً وكات، وأنه سيء الطبع ومشاكس، عدواني يضرب الضيوف وطارقي السبيل، يتغالظ في الحديث ويوجه الكلمات النابية.. ماذا أرى وما اسمع، إنهما فردتان غير متطابقتين، والأفعال والأقوال متضاربة.. (ينظر للخلف فيرى العم بوداري ما يزال يلوح له) حقيقة إنك إنسان لطيف مضياف، وفوق ذلك ودود ومحب وخدوم.. لماذا هذه الإشاعة عن رجل بهذه المواصفات.. أنا الآن في حل عنه.. ولكن لماذا لا اسأله عن هذه الإشاعة الملغزة.. (يصيح عليه) يا عم بوداري؛ لي سؤال لو تكرمت وأجبتني عنه؟؟..
بوداري: حسناً تفضل. هل نسيت شيئاً أم تطلب شيئاً؟
تيجاني: لا هذا ولا ذاك.. إنما ثمة هاجس يدور في خلدي، عن أقاويل وإشاعات ة تقال عنك..
بوداري: ماذا يقال عني..؟! أهي مغرضة؟
تيجاني: لا تؤاخذني على تطفلي، إنما ناقل القول ليس قائله، على مبدأ ناقل الكفر ليس بكافر..
بوداري: ادخل في الموضوع ولا تلف وتدور.
تيجاني: يقال، والقول على ذمة الراوي، إنك تضرب ضيوفك وتغلظ في كلمات نابية.. هكذا سمعت إن كنت الجليل بوداري؟.
بوداري: أنا الجليل بوداري، هذا صحيح، أما عن مقولة إني اضرب واشتم.. هو صحيحٌ وغير صحيح..
تيجاني: كيف..؟.
بوداري: حسناً سأقول لك، هيا ترجل وتعالَ إلي..
تيجاني: لا إني أسمعك من هنا (لنفسه) لن انزل سيمارس ما هو مشاع عنه وسيضربني بعد أن مرقها لي وسيمارس ساديته.
بوداري: في المقولة، لا تصدق كل ما يقال حتى ترى ما يؤيدها، وأنا في هذه النقطة أريد أن أوضحها، لأنه يروق لي تصرفي هذا.
تيجاني: لم تحكِ لي بعد، تلف وتدور كثيراً.
بوداري: حسناً، صحيح أضرب بعض الناس وأتغالظ عليهم واشتمهم، وأطاردهم من منطقتي..
تيجاني: إذن صحيح ما يتناقل عنك.
بوداري: نعم للأسف، مثلاً أنت؛ هل قصرت معك وأغلظت القول؟..
تيجاني: لا أبداً. وأتساءل لماذا؟
بوداري: لأنك كنت مؤدباً ومتعاوناً..
تيجاني: مشاكل نساء.!؟؟.
بوداري: لا لا. لا يذهب توقعك بعيداً.. الأمر ببساطة ودون تطويل في الحديث، لأن فكرك بات مشوشاً، المنطقة معروفة بأهلها، ومسكونة بناسها، وهي منطقة كثيرة التسافر والترحال، وجلّهم من الغنامة والمراعية، تأتي جموع وتذهب جموع.. وهكذا، وأنا هنا رابض كقلعة يمر بها ما هبّ ودبّ، لدي نبع هنا، ولدي ممر جبلي يؤمه الجميع. وهذا حق للجميع، ولكن أن أجبر الظرف أحدهم وتنازل بالمرور علي، يتكبر عليّ ويتعفف.
تيجاني: كيف يتكبر ويتعفف؟
بوداري: تصور أحدهم يطرق الباب ويطلب معونة، مثل سؤال عن درب ضائع، أو معلومة ما، يريد أن أقولها له وهو واقف مستعجل، أو تصور أحدهم يبيت عندي ضيفاً ولا يسمع الكلام، والضيف يجب أن يكون مطيعاً ولا يكون متمرداً، فالغريب أديب،..
تيجاني: متمرداً؟
بوداري: نعم: فحين يجلس، يجلس عند الباب، فأقول له تفضل لك الصدر، فيرد علي بجفاء: لا لا هنا أحسن، حين أقدم له مأكلاً أو مشرباً يتعفف ويقول: في خرجي بعض الأكل وسأتناول منه، وحين أقدم علفاً لحصانه، يقول إن معلف حصانه مملوء به. آه يا صديقي، الخير كثير عندي بفضل الله -إيه لا تقاطع حديثي- وحين أقدم له مكاناً للنوم وأفرش له يقول بأنه سينام في معطفه ولا داعي لشيء..
تيجاني: وماذا في ذلك؟ قد يكونوا معذورين.
بوداري: لا تكن مثلهم.. فهؤلاء يمنعون عني كرم ضيافتي، ويحرموني من كبريائي، هذه واحدة، ومن ناحية أخرى يمنعون عني ثوابي ويقصفون حسناتي.. أيعجبك هذا التصرف الأرعن؟.
تيجاني: لا قطعاً!.
بوداري: لذا أتغالظ عليهم وأضربهم صفعاً وركلاً دون رحمة، وأطردهم أيضاً..
تيجاني: هكذا إذن!
بوداري: نعم؛ فمثلاً أنت، قلت لك: تفضل فتفضلت، قلت لك: تعشى، فتكرمت وتعشيت وتعشيت معك، قلت لك: اجلس في صدر المكان فجلست، وتعظمت فتعظمت بك، قلت لك: بات هنا والصباح رباح، ففعلت، وفرشت لك أفضل الفرش، لأن المضيف يقدم أفضل ما عنده للضيف.
تيجاني: صحيح.
بوداري: وهذا ما فعلت، وإلا ما يعني تجميل المنازل وتكديس الفرش وغيرها؟ إن لم يجمل الضيوف حياتنا، ويشحذ أزرنا ملتجئ، الكبرياء والكرم لا يأتيان إلا بالضيوف، وهؤلاء –المعنيون- يضنون بذلك، وذلك شيء يقهر ويغضب، وأبخل شيء مقتاً هو أن الخير موجود وكثير.
(ينزل تيجاني من ظهر حصانه، وقد أعظمه موقف الجليل بوداري، يأخذ بخاطره بكلمات مواسياً، ويطبطب على كتفه)
تيجاني: معك حق.. الجبال تبقى في مكانها، والناس يتحركون من كل بد..
بوداري: نعم هكذا هي سير حياتنا، ففي كل بداية ربيع نذهب بحثاً عن أرض يكون فيها العشب والكلأ لأجل مواشينا، عادة نحن غنامة بامتياز، لا راحة ولا استقرار. ولكن عادة حسن الضيافة وإكرام الضيف والطوارق من عابري السبيل أصيلة في مجتمعاتنا.
تيجاني: نعم، فالمسافات هنا كبيرة بين المجمعات السكنية، فان لم يجد المرء –الطارق- لقمة يأكلها سيسرق ألف لقمة، وستكون المنطقة غير آمنة على تعاشرها الاجتماعي، بما تجره هذه اللقمة.
بوداري: وشيء آخر، أنت كنت اليوم ضيفي، وربما غداً أكون ضيفك، وإن لم أكن أنا، فإن أحدهم سيكون ضيفك وهكذا الجميع.. الضيافة شيمتنا، وهو الشيء الوحيد أو الثاني في المرتبة لاكتسب الأصدقاء والمعارف، وإذاعة الصيت بين الناس غير عادة العداوات، وتبادل الزوجات بين الوجهاء.. الضيافة تشمل ثمة شحاذون يستجدون لقمة خبز، وثمة مغنون جوالة يغنون للحب والرجولة والوطن، وملالي يجوبون المنطقة للتعريف بأمور الدين، وجباة الولاة يجنون العشر، أو يطلبون أبناءنا لأخذهم للجندية لأجل حروب ليس للناس فيها ناقة أو بعير، حروب يفتعلونها ليمجدوا أنفسهم فيها، على سيل الدماء وكوم الجثث المثخنة بالجروح، وجموع الوجوه العابسة من الآلام التي تجرعتها أثناء نزعها الأخير المهول. أقول لك ذلك لأني كنت جندياً أيام سلطنة عبدالحميد، خبرت ذلك بنفسي، كثيرون أخذوا عنوة ولم يرجع منهم إلا القليل القليل، هؤلاء الرجال أخذوا أكداساً مابين العشرين والأربعين من أعمارهم، الذين تركوا زوجات وعرائس وأطفال، أعقبها محل وغلاء وانتشرت الأوبئة.. و(سميت سفربرلك) أي سفرة الاتحاد، ولكنها فرقت وقطعت أوصال الناس، وتلك السفربرلك طالت لأربع سنين, وما تزال آثارها باقية يعاني منها الناس معاناة مهولة.
تيجاني: نعم..
بوداري: عفواً يا صديقي، لقد أخذني الحديث فيما لا داع له، في أمور معروفة للقاصي والداني، ولكن يجب قول كل شيء وإلا تورم -ذلكم الشيء- في ذات القلب وراح الإنسان فيه.. فحين رأيتك قادماً، رأيت شبح خيال يظهر، قمت وأسرعت فأججت نار القرى وعلوت نارها ودخانها عسى أن يتجه الضيف إلينا ويقضي ليلته على الرحب والسعة، لدينا الخير كثير –بفضل الله- ومن واجبنا أن نكرم الضيف ونؤويه ونقضي حاجته إن كانت له حاجة..
تيجاني: صحيح، هذا يبدو جلياً.
بوداري: أنا لا أعرفك ولا أنت تعرفني، إنما جمعنا الطريق، آنستنا الضيافة وأهّلنا لبعضنا الواجب، أنا لا أفعل كل هذا الكرم لأجلك فقط، إنما مجتمعنا يحض علينا فعل ذلك، وهذا يدعونا إلى التودد والرحمة.. والألفة واللحمة.
تيجاني: الكرم والواجب! عمي بوداري، عفوك، لقد كبرت في عيني، لذا أطلب القرب منك، وأطلب يد ابنتك ديما، زوجة لي.
بوداري: جيد ماذا عن أهلك، ماذا عن عائلتك؟..
تيجاني: هذا مطلب زوجتي أيضاً.
بوداري: على الرحب والسعة، سنناقش ذلك في وقته. فمبدئياً لا مانع لدي.. وابنتي مطلقة سُنّة منذ سنة.
تيجاني: قبلت. فإني أريد القرب منك، وستكون هي في أوج القلب والود.. أنا مستقر في القرية ولي فيها قطعة أرض مزروعة بأشجار الزيتون وأخرى بالكرمة والجوز وغيرها.. ناهيك بالماشية و و..
بوداري: حسناً حسناً.. كل شيء في وقته جيد.

(يتصافحان ويحتضان)

انتــهت
25/1/2010

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة