حنظلة ما زال حاضراً بيننا/وفاء حميد

لم يكن ناجي العلي رساماً قط، بل كان كاتباً وقاصاً ومحللاً؛ فكل رسمة من رسوماته تكتب قصة، وتحكي حكاية، وتحلل مقالاً. لم يدع فكرة أو موقفاً إلا وعبر عنه في رسوماته، التي كانت تفتح وعي كل من شاهدها، حتى جعلت الأمي يقرأ الخبر ويحلل الموقف.
في أكاديمية دار الثقافة في دمشق، أُقيمت ندوة لناجي العلي، قدمها الدكتور حسن حميد، الذي أشار إلى قيمة هذه الذكرى التي يجب ألا يغفل عنها أبناء الشعب الفلسطيني، فإن تكرار تذكره في كل سنة هو إعادة بناء وعي جديد في روح الأجيال.
افتتحت الندوة بقصيدة للشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، ألقاها عبر شاشة قاعة الأكاديمية. كما شارك في الندوة الأستاذ محمود فرحان والأستاذ وليد محمد.
عبر الأستاذ فرحان، عن ذكرى ناجي العلي بقصة جميلة حكت ماضيه، منذ خروجه من بلدته الشجرة إلى رحلته في البلدان، والذي كشف غسان كنفاني موهبته التي امتدت إلى ما بعد حدود الوطن العربي. فكتب فرحان:
في يوم النكبة الأسود عام 1948، كان عمر ناجي العلي الفتى عشر سنين، عمراً كبيراً كعمر الشجرة، أرادوا أن يقتلعوه فهجروه جسداً. كبر، وكانت ريشته تخترق جدار الصمت، وكانت سلاحاً حاداً لا يعرف المواربة. لم يكن مجرد رسام كاريكاتير، بل كان جراحاً يضع يده على مكان الألم العربي.
أما الأستاذ وليد، فأشار إلى علاقة الصحفي الكبير طلال سلمان بصديقه المقرب ورفيق دربه ناجي العلي، وكيف استمرت علاقتهما إلى أن أصبح مدير تحرير جريدة “السفير”، وكان ناجي الرسام الناقد فيها. فكان طلال يقول: عندما كنت أكتب مقالاً وأرى رسومات ناجي، أمزق مقالتي، لأني أرى رسومات ناجي تكتب أكثر مما أريد، أو أكتفي برسمته. وعندما قتل ناجي، لم يحدد هوية من قتلوه، بل قال إنهم خنازير.
وختمت الندوة بقصيدة للشاعر مظفر النواب في رثاء ناجي العلي، ألقاها الأستاذ الناقد أحمد هلال، ومما جاء فيها:
رأيتُكَ أنت الحضورُ، وفي ذلك المقعَدِ المُتكوّنِ في الظلِّ،
تلبسُ ثوبَك بالعكسِ، تلهو وتبكي،
تحاولُ أن ترسمَ الثورةَ الآن بالعكسِ،
هذا بكاؤُكَ، تلهو وتبكي، تدبّجُ بالخطِّ مقتَكَ أنظمةً، وتغرّدُ حنظلةً.
كما أثرت الندوة مداخلات قيمة من الحضور. ومما أضافه الدكتور ثائر عودة: اليوم، لا نحتفي بالرسام والموقف للتذكير باستشهاده فقط، بل لنؤكد أن الوفاء للشهيد وأفكاره يكون من خلال الاستمرار بنهجه، بأن نجعل من رسوماته نصلا لاستئصال الأورام من جسد الأمة، والحفاظ على البوصلة التي حكمت اتجاهه، وحددت مسارنا باتجاه الأهداف التي عاشها واستهدف من أجلها.



