كتاب فكرة إسرائيل✍وفاء حميد

يعد كتاب “فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة” للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، واحداً من أبرز الأعمال التي سعت إلى تفكيك البنية الأيديولوجية للرواية الصهيونية الرسمية، إذ يحاول بابيه، من خلال منهجية “المؤرخين الجدد”، تجاوز السردية التقليدية، ليقدم مقاربة تفهم “عقل المحتل” من خلال كشف الآليات الأكاديمية والإعلامية التي سوقت بها إسرائيل كدولة ديمقراطية حداثية، في مقابل تشويه صورة المقاومة الفلسطينية ووصمها بـ”التعصب” أو “ثقافة العنف”.
جاءت مناقشة هذا الكتاب في جلسة حميمية نظمتها أكاديمية دار الثقافة، قدمها الدكتور ثائر عودة، بمشاركة المناضل أبو علي حسن والدكتور حسن حميد، حيث قدم كل منهما مقاربة نقدية مختلفة الابعاد
أشار أبو علي حسن إلى مفارقة لافتة، مفادها أن نحو 250 باحثاً وجنرالاً وسياسياً اشتغلوا على فهم الكيان الصهيوني لعقود، ومع ذلك لم تترجم من المؤلفات الـ17 سوى 7 كتب فقط، ولم تقف أي هيئة فلسطينية أو عربية رسمية أمام هذا المشروع، مما يعكس تأخراً في فهم الأدوات الأكاديمية الغربية.
وناقش أبو علي حسن الظروف التي نشأت فيها حركة “المؤرخين الجدد”، وكان قبل بابيه كلاً من بيني موريس وآفي شلايم، حيث شكلوا رؤية موحدة لإعادة كتابة التاريخ الإسرائيلي بعيداً عن الأسطورة الرسمية، وقد كلفهم هذا الموقف اتهامات بالخيانة، ومضايقات أكاديمية وسياسية، بل ومحاولات لعزلهم وظيفياً، وبينما تراجع بعضهم تحت الضغط، رفض بابيه الاستسلام وغادر فلسطين المحتلة ليكمل مسيرته الأكاديمية في الجامعات الأوروبية، ومن آخر اصداراته، كتاب “إسرائيل إلى الهاوية”.
وإن كتابه اسرائيل تاريخ السلطة والمعرفة تتناول الكثير من القضايا، ويصعب الإضاءة عليها كلها فهي تتكون من أربعة عشر جزءا ليضيء على بعض النقاط يقول المناضل ابو علي حسن: إن ايلان بابيه أهم من خرجوا عن المنظومة الفكرية التي تأسست عليها إسرائيل تلك المنظومة التي أراد بابيه أن يقوض ويمحض منطقها وسرديتها أخلاقيا وسياسيا وإعلاميا بوعي كامل لتاريخية الفكرة وتاريخية عملية التاسيس للدولة، مما جعله خارج الإطار كاملا أي خارج الكيان كليا وبعيدا عن العباءة الصهيونية حيث جاهد بما يملك من فن المعرفة والموضوعية أن يفند تلك الفكرة التي رافقت جيلا من الأكاذيب والادعاءات التي قام عليها الكيان بوصفها مشروعا ديمقراطيا يبحث عن الحرية والحداثة والديمقراطية بل وضع الفكرة في سياقها التاريخي والموضوعي وأرجعها إلى أصلها لمشروع استعماري الحالي لشعب اصيل له تاريخه وحضوره ووجوده التطويل وإن فكرة إسرائيل ليست إلا التمظهر لتاريخ الافكار الأوروبية وان فكرة كتابه جاءت بالهام من أعظم فلاسفة القرن العشرين البروفسور ادوارد سعيد الذي قال إذا صحيحا أن إسرائيل قد تفوقت عسكريا وسياسيا على فلسطين فالصحيح أيضا أن لفلسطين مازالت لها رواية ..
قدم الدكتور حسن حميد قراءة في “عتبات”
العتبة الاولى: لا يمكن حل النزاع مع إسرائيل إلا بالتقارب والاستماع المتبادل كل يطرح فكرته ومناقشتها لنصل إلى الحل، ولكن هذا لن يتحقق إلا عندما تضعف الدولة الإسرائيلية.
العتبة الثانية: الإسرائيليون ليسوا مستعدين لمناقشة التاريخ أو الدين بموضوعية، لأنهم يعرفون أن المحصلة النهائية هي الهزيمة، وحتى كتابهم المقدس الأول لم يكتب بالعبرية، بل لدينا التوراة السبعينية التي كتبت باليونانية خلال سبعين سنة.
العتبة الثالثة: ينحدر الإسرائيليون الى أربع تسميات أساسية (يهودي، عِبراني، صهيوني، وأخيراً إسرائيلي) والتي تحمل دلالات سياسية، فبعد حرب 1948، ربطوا التاريخ بالدين، لكنهم لن يجادلوك تاريخياً أو لغوياً أو جغرافيا، لأنك ستسألهم: أين حدود دولتك؟
العتبة الأخيرة : تعاون اليهود مرتين تاريخياً؛ الأولى حين تكاتفوا مع الكهنة لكتابة التوراة والتلمود، فظهر “التلمود المقدسي” و”التلمود البابلي”، وذلك لتأسيس روح قومية لا دينية بحتة، والمرة الثانية كانت في القرن التاسع عشر، حين تعاونوا مع الأوروبيين لصنع ثقافة قومية، تجلت في الأدب والفنون لتشكيل “الشخصية اليهودية” في الكتابات الأوروبية (من شكسبير إلى الأدب الروسي)، والتي صورت كشخصية منغلقة ومرابية، لكن بريطانيا في تلك الحقبة (أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن العشرين) ساهمت في الترويج لهذه الثقافة بدعم من شخصيات يهودية مؤثرة مثل بنيامين الذي أشار إلى روايات عديدة في هذا السياق.
كما أضاء الدكتور حميد على كتاب “أكبر سجن في العالم”، حيث يرتكز بابيه على ترداد مقولته التي يريد توكيدها وهي أن الحكومات الإسرائيلية على اختلاف انتماءاتها وخطابها وتعدده، تهدف إلى جعل البلاد الفلسطينية، ويعني الجغرافيا التي يسكنها الفلسطينيون، سجناً كبيراً، يصفه بأنه أكبر سجن عرفته الدنيا، وهو سجن يشبه في صفاته صفات المقابر، لأن السجون الإسرائيلية أعدت لتكون “هاديسا” بالتوظيف الإغريقي، أي بروفات لاعتياد حياة الموت (الإماتة)، أو الاستعداد لقبول الموت داخلها.
تلت الجلسة مداخلات الحضور التي أضفت عليها مزيدا من التفاعل والحوار.
ختاما، يبقى الصراع مع الكيان الإسرائيلي صراع روايات، لكن امتلاك الرواية وحدها لا يكفي، بل لا بد من صياغتها بأدوات أكاديمية رصينة، قادرة على المخاطبة،وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر المثقف الفلسطيني اليوم.



