.سياسة إسرائيل التوسعية: من الحزام الأمني المؤقت إلى الاحتلال الدائم/وفاء حميد

الخلفية الأيديولوجية للتوسع:
استلهمت النظرية التوسعية الإسرائيلية المفاهيم التوراتية لإقامة “إسرائيل الكبرى” على مستويين أحدهما جغرافي، يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان؛ والثاني استراتيجي، يتمثل في محاولة فرض الهيمنة العسكرية والسياسية على منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بعد حرب السابع من أكتوبر 2023، وتتسم هذه السياسة بمزيج من الدوافع الأيديولوجية والأمنية والجيو-سياسية.
الخط الأصفر والحدود الجديدة في قطاع غزة.
تسارعت إسرائيل في توسيع “الخط الأصفر” داخل القطاع، مما أدى إلى تقليص المساحة الجغرافية والديمغرافية للشعب الفلسطيني، مؤخراً، داهمت قوات الاحتلال، ولا سيما في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، خيام الأهالي مع تصاعد في إطلاق النار، لتشهد غزة تجاوزاً للمكعبات الصفراء التي كانت تفصل المنازل عن خيام النازحين، وقد وضع الاحتلال في منتصف شارع صلاح الدين، أحد الشوارع الرئيسية التي تربط شمال القطاع بجنوبه، وهو ما يعكس سعي الاحتلال لمواصلة سلخ النصف الشرقي من قطاع غزة، إضافة إلى دير البلح والمنطقة الوسطى التي نجت نسبياً من عمليات التدمير والسيطرة.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية امتداد الجيش الإسرائيلي لعشرات الكيلومترات بالقرب من هذا الخط، بحجة أنها إجراءات أمنية تهدف إلى حماية قواتها، غير أن عمليات الجرف وتفجير المنازل وتفتيت الكتل الإسمنتية وردمها بالكثبان الرملية، فضلاً عن تجهيز تلة مرتفعة زودت بعشرات الكاميرات ورافعات مزودة بأسلحة تطلق النار تلقائياً تجاه كل متحرك، يعكس حجم امتداد يحدث تغيراً جذرياً في تضاريس القطاع؛ ليصبح هذا الامتداد بمثابة حدود جديدة، خصوصاً أن الترتيبات المتصلة به تشمل إنشاء هضاب وتلال مرتفعة فوق الأحياء المدمرة.
تسارع النمو الاستيطاني في الضفة الغربية.
ليس هذا فحسب، بل يتوسع الاستيطان في الضفة الغربية أيضاً عبر اقتحامات المستوطنين للبلدات والقرى، وهدم وحرق المنازل، واقتلاع الأشجار وحرق الأراضي تمهيداً لبناء المزيد من المستوطنات، فقد أعلن ما يسمى “المجلس الوزاري الأمني المصغر” مصادقته على إقامة وشرعنة 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، وذلك بعد اجتماع عقده المجلس قبل أسبوعين، اتخذ فيه القرار بشأن المنشآت الاستيطانية التي تنوي سلطات الاحتلال فرضها على أرض الواقع.
وتنتشر المستوطنات المزمع إقامتها وشرعنتها في جميع محافظات الضفة، بعضها قريب من مستوطنات قائمة، والآخر في مناطق بعيدة عن المستوطنات الأم؛ مما ينذر بالسيطرة على مساحات شاسعة إضافية من الأراضي الفلسطينية، وبهذا، تصبح التجمعات الفلسطينية محاصرة بين كتل استيطانية (مستوطنات، بؤر استيطانية، وقواعد عسكرية) وطرق التفافية، مما يفقدها مقومات التواصل الجغرافي، ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً وقابلة للحياة.
احتلال جنوب لبنان وفرض معادلات جديدة للمواجهة في المنطقة.
وفي سياق آخر، لم يكتف جيش الاحتلال بالخروقات الجوية والتوغلات البرية المحدودة قرب جنوب لبنان، رغم التهديدات المعلنة التي استمرت قرابة 15 شهراً، وما سبقها من إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه شمال فلسطين المحتلة للحد من حرية الحركة الإسرائيلية، ورغم أن إسرائيل حاولت فرض سقف عملياتي ونتائج مترتبة لتحديد مسار المواجهة، وحرصت على وصف تحركاتها البرية بأنها “عملية مركزة ذات طابع دفاعي” تستهدف مواقع محددة لحزب الله، وذلك لتقليص التهديدات في بيئة العمليات، وفق تعبير جيش الاحتلال، ضمن سقف ينسجم مع الاعتبارات الدولية ويجنبها تبعات التصعيد الواسع أو الحرب المفتوحة، إلا أن ما يجري في الميدان يتجه نحو توسيع نطاق العمليات.
فقد أصدر جيش الاحتلال في الثاني عشر من آذار أوامر إخلاء قسرية واسعة شملت نحو 10% من مساحة لبنان، مع إنذار السكان بإخلاء المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني والتوجه شمالاً، وهو ما يعكس توجهًا لإعادة تشكيل المجال السكاني والجغرافي في بيئة العمليات، وليس فقط تحييد تهديدات موضعية.
التوغل في الاراضي السورية لفرض السيطرة الإسرائيلية.
كما توغل الاحتلال في العديد من المناطق السورية، ووصل إلى حد وضع سواتر واعتقالات، وأقام حاجزاً عسكرياً داخل قرية العارضة، وألقى منشورات ورقية في بلدات المنطقة تضمنت تحذيرات للسكان من إغلاق الطرق أو عرقلة تحرك آلياته، معلناً عزمه على إقامة منطقة منزوعة السلاح، وكرر مسؤولون إسرائيليون أن قواتهم لا تعتزم الانسحاب من تلك المنطقة.
وفي الختام
إسرائيل مازالت تتوسع في نطاق كبير من الدول العربية، وتتجول في أجوائها دون رادع، وكأن الوطن العربي أصبح – جغرافياً وديمغرافياً – ملكاً لها، وكأنها على أبواب تحقيق حلمها المزعوم “من النهر إلى البحر”. لقد زحفت إسرائيل منذ حربها على غزة، وكان الاستشراف منذ البداية أن نجاحها في التحول هناك سيمتد إلى باقي الدول المجاورة، وها هو قد تحقق. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل خلا الوطن العربي من سكانه حتى ترتع فيه إسرائيل كما تشاء؟ وإلى أين ستكون النهاية؟





