الأسرى الفلسطينيون، خط مقاومة لا يقل خطورة عن خط الدفاع- وفاء حميد

دائماً ما نرى أن من يدخل في خط الدفاع عن وطنه هو الأبرز في المقاومة، يلاقي ما يلاقيه من تصدي ومواجهة تحتاج إلى صناديد من القوة. وهذا واقع لا نقاش فيه. لكن ثمة جبهة أخرى لا تقل أهمية، ألا وهي جبهة الأسير الذي يواجه العدو وجهاً لوجه دون سلاح؛ مواجهة بجسده الأعزل، وإرادة صلبة، وفكر وعقيدة راسخة، تحت ضربات وعذاب يمزق الجسد ويحطم الروح المعنوية.
منهجية التعذيب
منذ انطلاقة حرب السابع من أكتوبر 2023، يتلقى الأسرى أقسى أنواع التعذيب وأشدها. بعد أن شعر العدو بالهزيمة النفسية أمام المقاومة في الضربة المباغتة، حول غضبه وإحباطه إلى الأسرى داخل السجون. وهذا السلوك، بدلاً من أن يعكس قوة، يكشف عن ضعف وهزيمة داخليين، جعلا السجان ينقلب على من هم تحت يديه بعنف ممنهج.
منذ اللحظة الأولى للاعتقال، يخضع الفلسطيني لأنماط منهجية من التعذيب الجسدي والنفسي، تُستخدم كأداة أساسية لانتزاع الاعترافات، وتحطيم الإرادات، وإخضاع المعتقل تمهيداً لنقله إلى مرحلة الاحتجاز الطويل. هذه المنهجية ليست عشوائية، بل مدروسة وموثقة في عشرات الشهادات.
التصعيد في التحقيق
لقد وثقت الشهادات الحية وتقارير حقوقية موثوقة مثل تقارير هيئة شؤون الأسرى، نادي الأسير، تصعيداً خطيراً في أساليب التحقيق، لم يستثن الأطفال، النساء، المرضى، وكبار السن. وقد شملت هذه الأساليب أشكالاً مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة خلال فترات التحقيق، من أبرزها:
1. الضرب المبرح باستخدام الأيدي، الأرجل، والأدوات الصلبة كالهراوات والسلاسل، مما يخلف إصابات واضحة وأضراراً طويلة الأمد.
2. التشبيح (التعليق) لفترات طويلة في أوضاع مؤلمة، مع تكبيل الأطراف خلف الظهر أو إلى الكرسي، مسبباً آلاماً حادة واضطرابات عصبية.
3. الحرمان من النوم لأيام متواصلة، عبر إبقاء المعتقل في أوضاع غير مريحة، أو تعريضه لضجيج متعمد واستجواب متكرر، وهي طريقة محظورة دولياً.
4. تهديدات جنسية (كالإيذاء أو التهديد به، أو التهديد بالمساس بأفراد الأسرة)، وهي من أكثر الأساليب إيلاماً نفسياً.
5. إهانات لفظية حاطة بالكرامة، تستهدف الهوية الوطنية والدينية والإنسانية للمعتقل.
6. العزل الانفرادي المطول خلال التحقيق، في ظروف نفسية قاسية تهدف إلى تفكيك القدرة على الصمود.
مشروع قانون بحق الاسرى
صادق الكنيست الإسرائيلي على قراءة تمهيدية لمشروع قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين المدانين، غير أن مجرد إقراره تمهيدياً يعد مؤشراً خطيراً على نية تحويل السجون إلى ساحات إعدام، وامتداداً لسياسات الإبادة الجماعية الموصوفة بحق الشعب الفلسطيني. واستمرار الصمت الدولي إزاء هذه التطورات يرقى إلى تواطؤ يهدد حياة آلاف الأسرى.
سجون الاحتلال
في أعقاب حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، تحولت منظومة الاحتجاز الإسرائيلية من أداة قمع تقليدية إلى جبهة حرب مركزية، تمارس فيها سياسات القتل البطيء، وكسر الإرادة، والتصفية الجسدية والنفسية، تحت غطاء قانوني وسياسي معلن. تشير إحصاءات هيئة شؤون الأسرى إلى استشهاد أكثر من 45 أسيراً تحت التعذيب منذ أكتوبر 2023، إضافة إلى آلاف حالات الاعتقال الإداري والمرضى المهملين طبياً.
إن هذه الجرائم الممنهجة تضع الأمة العربية والإسلامية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية. لا يكفي الإدانة، بل يجب الانتقال إلى دعم ملموس للأسرى قانونياً عبر المنظمات الدولية، وإعلامياً بكشف الانتهاكات، وسياسياً بالضغط لإنهاء الاحتلال. وتجاوز الخلافات الداخلية، وتشكيل وحدة لحمة وطنية وقومية، هما الطريق الوحيد لاستعادة العزة وإنهاء الوجود الغازي. ولا يتحقق ذلك إلا برص الصفوف، وجعل قضية الأسرى الأولوية قصيرة المدى في العمل السياسي المشترك.





