محمد الغيث ولد كين: شاعر البادية وذاكرة الصحراء/ محمد عالي الحيرش

ليست سيرة محمد الغيث ولد إبراهيم ولد أحمد كين سيرة شاعر فحسب، بل هي سيرة رجل تشكّل وعيه في البادية، ونهل من تفاصيل الصحراء وتراثها، قبل أن يحمل تجربته إلى الشعر والبحث في الأدب الحساني، ويخوض مسارا عسكريا ترك في جسده وذاكرته آثارا عميقة لا تذروها الرياح.
وُلد محمد الغيث ولد كين سنة 1955 في نواحي أسا، ونشأ في رحاب البادية، حيث كانت الصحراء بالنسبة إليه مدرسة مفتوحة، تعلّم فيها عادات الناس وأعرافهم، وتشرب طبيعة المكان وإيقاع الحياة البدوية. ومن هذا المحيط تشكّل رصيده الثقافي والشفهي، الذي سيغدو لاحقا رافدا أساسيا في تجربته الشعرية والبحثية.
وجد محمد الغيث في الشعر وسيلته المثلى للتعبير عما يخالجه من مشاعر وهموم، من جهة، وحفظ الذاكرة، أسوة برفاقه الذين تحدثنا عنهم هنا، من جهة أخرى. فقصيدته تطرق مختلف أغراض الشعر الحساني، من الوطني والديني والاجتماعي والسياسي، إلى النصيحة والفخر واستعادة التراث والأمكنة. ويأتي ديوانه «خيمة التدوين» تعبيرا عن هذا الارتباط العميق بالذاكرة؛ فالخيمة في الثقافة الصحراوية ليست مسكنا فحسب، وإنما فضاء للحكاية والشعر وتناقل الأخبار والمعارف. ومن هنا يبدو العنوان منسجما مع مشروع شاعر يسعى إلى تدوين ما حفظته الذاكرة الشفوية من صور وتجارب، وصونها من النسيان.
ولم يقتصر اهتمامه على الشعر، بل انشغل بالبحث في الأدب والتراث الحساني والثقافة الشعبية المرتبطة بالبادية، ومنها طب الأعشاب وكل ما يتصل بالإبل، باعتبارها جزءا أصيلا من حياة الإنسان الصحراوي وثقافته وذاكرته. كما شارك في أنشطة جمعوية وثقافية ومهرجانات وملتقيات محلية ووطنية ودولية، وأسهم في عدد من الأفلام الوثائقية والأعمال السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، ناقلا إلى الشاشة جانبا من معارفه وخبرته بالبيئة الصحراوية وعوالمها.
ويشكل المسار العسكري جانبا بارزا في حياته؛ فقد كان من المحاربين السابقين الذين شاركوا في عدد من معارك حرب الصحراء. وخلال إحدى المواجهات، أصيب إصابة بليغة أفقدته يده اليسرى، لتصبح هذه الإصابة شاهدا جسديا على مرحلة من مساره وتاريخه. غير أن هذه المحنة لم تمنعه من مواصلة حضوره في الجمعية الوطنية لقدماء المحاربين، حيث شارك من خلالها في مؤتمرات وملتقيات دولية، ولا سيما في عدد من البلدان الإفريقية، من بينها غانا وليبيا وإثيوبيا.
تلتقي مختلف هذه المسارات في شخصية واحدة: طفل يافع نشأ في البادية، وشاعر حمل حب الصحراء في قلبه ووجدانه، وباحث انشغل بتراثها كما لم ينشغل به غيره، ومحارب عاش تجربة الميدان، ثم واصل حمل ذاكرته إلى الفضاء الثقافي والجمعوي. لذلك، لا تكمن قيمة محمد الغيث ولد كين في تعدد اهتماماته فحسب، بل في الخيط الناظم بينها جميعا: حفظ الذاكرة، وصون التراث، وتوثيق تجربة جيل عاش تحولات عميقة.
وهكذا يظل محمد الغيث ولد كين واحدا من أبناء الصحراء الذين امتزجت في سيرهم حكاية الإنسان بحكاية المكان؛ شاعر خرج من الخيمة، ومحارب عاد جريحا ليجد في القصيدة ملاذا يرمم به بعضا من جراحه، وباحث جعل من الذاكرة والتراث وفاء للأرض التي أنجبته. ومثل هذه السير، بما تحمله من عطاء وتضحية ووفاء، ألا تستحق أن تُستعاد وتُحتفى بها، وأن ينال أصحابها ما يليق بهم من تقدير وتكريم، عرفانا بما قدموه وما يواصلون تقديمه للوطن والذاكرة؟





