مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

موسم آسا: بين الروحانية العميقة وذاكرة الصحراء/ محمد عالي الحيرش

collage 8

للوصول إلى مدينة آسا، لا بد من مغادرة مدينة كلميم وقطع مسافة تقارب 120 كيلومترا جنوبا، عبر السفوح الأخيرة لسلسلتي الأطلس الصغير وباني. وفي نهاية الرحلة، يطل مشهد آسر لقصر عتيق شيد بالحجارة فوق جرف صخري، يشرف على واحة تتبدل ملامحها بين الخضرة والجدب. وعلى مر القرون، ظلت هذه المدينة الصحراوية تحرس بشموخ طرق القوافل التجارية، وتحتضن واحدا من أعرق تقاليد الجنوب : موسم آسا.

وقد وصفت الباحثة الإثنوغرافية الفرنسية أوديت دو بويغودو، التي جابت الصحراء خلال القرن الماضي، مدينة آسا بأنها قلعة مهيبة تتسم بالصرامة والجلال، أسسها في القرن الثالث عشر الولي المجاهد سيدي يعزى ويهدا. وكتبت أن القصر، رغم ما أصابه من تقادم الزمن، ما زال محتفظا بكبريائه وهيبته، منسجما انسجاما تاما مع الصخور الرملية الداكنة التي تقوم عليها أسسه.

ترتبط نشأة آسا ارتباطا وثيقا بشخصية سيدي يعزى ويهدا، الذي يعد المؤسس الروحي للمدينة وأحد أبرز الشخصيات الدينية التي تركت بصمتها في تاريخ الصحراء.

وفي كتابه “واد نون والساقية الحمراء: دينامية التحالفات الصحراوية”، يتتبع الباحث مصطفى النعيمي مسار هذه الشخصية التي تحولت، مع مرور الزمن، إلى رمز أسطوري.

وبحسب المصادر التي اعتمدها المؤلف، استقر سيدي يعزى في المنطقة بهدف نشر الإسلام ومحاربة الجماعات التي وصفتها المصادر التقليدية بأنها وثنية أو خارجة عن التعاليم الدينية السائدة آنذاك. وبعد سلسلة من الحملات، أسس زاوية آسا، التي سرعان ما تحولت إلى مركز ديني وعلمي بارز.

وحول هذه الزاوية بدأت تتجمع جماعات سكانية متعددة الأصول. ومنذ القرن السابع عشر تشكل اتحاد قبيلة آيت أوسى، الذي أصبح أحد أقوى الاتحادات القبلية في الصحراء إلى جانب الرقيبات. ويعتقد أن أوائل الوافدين كانوا من جماعة أهل حمو وعلي، القادمين، على الأرجح، من المشرق المغاربي، وربما من تونس تحديدا، وينسب إليهم بناء أقدم مسجد في آسا.

ومع تعاقب الأجيال، اتسع نفوذ الزاوية ليشمل مناطق واسعة من الساقية الحمراء، وازدهرت المدينة القديمة، وتعززت التحالفات القبلية، لترسخ بذلك عادة سنوية أصبحت من أبرز معالم المنطقة: موسم آسا.

على مدى قرون، لم يكن موسم آسا مجرد احتفال ديني، بل كان مناسبة جامعة تتداخل فيها الأبعاد الروحية والاجتماعية والاقتصادية.

فبمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، كان آلاف الزوار والحجاج يفدون إلى آسا من شمال المغرب، ومن تخوم موريتانيا، ومنطقة تندوف، بل وحتى من مناطق إفريقيا جنوب الصحراء.

وفي تلك الأيام، كانت الخيام تنتشر في الواحة والسهول المحيطة، وتفتح بيوت القصر أبوابها للأقارب والضيوف والمسافرين، لتتحول المدينة الصغيرة إلى فضاء واسع للقاء والتواصل، تختلط فيه العبادة بالتجارة، وتمتزج الروحانية بالحياة الاجتماعية.

وشبهت أوديت دو بويغودو هذا التجمع بالمواسم الدينية الكبرى في منطقة بريتاني الفرنسية، حيث تتجاور مظاهر التدين مع الاحتفالات الشعبية. فكانت الخطب الدينية تتعاقب مع الأذكار والأناشيد، بينما يعرض التجار بضائعهم، وتحيي المغنيات الشعبيات السهرات بأغانيهن، في حين ظلت بعض العادات ذات الجذور السابقة للإسلام حاضرة في خلفية هذه الاحتفالات.

حتى منتصف القرن العشرين، كان موسم آسا أحد أهم المواعيد الاقتصادية في الصحراء المغربية.

فالقوافل القادمة من السودان الغربي وموريتانيا وتندوف كانت تجلب المواد الغذائية والماشية والأقمشة والمنتجات التقليدية، وتبلغ المبادلات التجارية ذروتها خلال أيام الموسم، مما جعل آسا حلقة وصل رئيسية بين المغرب وبلدان الساحل الإفريقي.

ولا تزال شهادات كبار السن من أبناء المنطقة تستحضر تلك الحقبة التي كان فيها الموسم يشكل أحد أهم محركات الحياة الاقتصادية المحلية.

تقليديا، يخلد موسم آسا ثلاث مناسبات رئيسية:

-ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

-ذكرى وفاة سيدي يعزى ويهدا.

-ذكرى تأسيس اتحاد قبائل آيت أوسى.

ولا تزال شعيرتان رمزيتان تحتلان مكانة بارزة في الاحتفال:

-إقامة صلاة جماعية عند الغروب في ساحة الزاوية عشية المولد النبوي.

-ذبح ناقة وفق تقليد موروث تتكفل به دوريا إحدى الفروع الإحدى عشرة لقبيلة آيت أوسى.

وتعد هذه الطقوس امتدادا لتراث عريق ما زال يغذي الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة.

شهد موسم آسا تحولات كبيرة مع مرور الوقت. فرغم احتفاظه بجاذبيته الواسعة، فإن وظيفته الأصلية تغيرت تدريجيا.

فاليوم تحتل العروض الفلكلورية، والأمسيات الموسيقية، وقراءات الشعر الحساني، والأنشطة الفنية المختلفة، حيزا مهما من برنامج الاحتفالات، كما أصبح الموسم يستقطب جمهورا متنوعا يتجاوز دائرة الحجاج والمهتمين بالشأن الديني.

ويرى كثير من المراقبين أن هذا التطور يعكس انتقالا تدريجيا من البعد الروحي إلى البعد الثقافي والتراثي. فالموسم لا يزال يؤدي دورا مهما في حفظ الهوية المحلية وصون الذاكرة الجماعية، غير أن الطابع الصوفي الذي شكل جوهره في الماضي أصبح أقل حضورا مما كان عليه في السابق.

ومع ذلك، ما زال الرمز الأبرز لهذا الإرث الروحي قائما إلى اليوم، متمثلا في زاوية آسا التي تواصل الوقوف شامخة في قلب القصر العتيق.

—————————————

توثق بعض الشهادات التاريخية المرحلة الاستعمارية من تاريخ آسا، ومن أبرزها شهادة الملازم الفرنسي هنري بيير بيران، الذي تولى رئاسة مكتب الشؤون الأهلية بآسا سنة 1955

وقد نشر كتابه “المغامرة المغربية للملازم بيران” بعد وفاته، ويعد مرجعا مهما لفهم الحياة اليومية لقبائل آيت أوسى خلال خمسينيات القرن الماضي. ويتناول الكتاب التنظيم الإداري المحلي، والعادات الاجتماعية، وأنماط الغذاء واللباس، وطبيعة العلاقات بين سلطات الحماية الفرنسية وسكان الجنوب.

ولا يزال هذا العمل مرجعا أساسيا لدراسة تلك المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة.

————————————

لا يزال أصل اسم المدينة محاطا بالروايات والأساطير. فإحدى الروايات الشعبية تقول إن امرأة تدعى آسا هي التي أسست الزاوية، ولذلك بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية بلقب “أمى الزاوية”.

غير أن عددا من المؤرخين يرجحون تفسيرا آخر. فبحسب رسالة تعود إلى سنة 1950 من القائد المدني لمدينة أكادير، أوردتها أوديت دو بويغودو، كان الاسم القديم للموقع هو “تست”، وهي كلمة تشير إلى المنخفض أو الأرض الواطئة.

——————————————

إدراكا لأهمية هذا الموقع التاريخي والمعماري، أطلق منذ سنة 2006 برنامج واسع لترميم قصر آسا.

وأشرفت على المشروع المعمارية سليمة ناجي، المعروفة بأعمالها في مجال صيانة التراث المعماري المغربي. وشملت الأشغال ترميم الأسوار، والأبراج الدفاعية، والمسجد القديم، وعددا من المباني التاريخية.

كما أنشئت دار القرآن التي تستقبل اليوم أعدادا كبيرة من الطلبة القادمين من الأقاليم الجنوبية.

ونفذ المشروع بالتشاور مع السكان والأعيان المحليين، مما ساهم في الحفاظ على واحدة من أجمل وأهم المدن التاريخية في الصحراء المغربية.

وهكذا تواصل آسا، من خلال موسمها وقصرها وزاويتها، رواية تاريخ يمتد عبر قرون، تتقاطع فيه الروحانية مع التجارة القافلية، وتلتقي فيه التحالفات القبلية بذاكرة الصحراء العميقة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة