📰 آخر الأخبار
ثورة جنسية ثانية:روزا  كامبل /ترجمة : د.محمد غنيمغدير حميدان الزبون تبحث عن جَمَالِيَّات اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالرَّمْزِ فِي شِعْرِ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ- "شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" أُنْمُوذَجًا. أَفْعَالُ الهويَّةِ اللغويَّةِ وتَمَثُّلَاْتُ  الفُصْحَى  فِي  الدّرَامَاْ العربيَّةِ/كريم عبيد علوي*مرايا الضمير:ماذا نريد؟ د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو*زهرة / عبد الرزاق الصغيرالزّمن الآسر/سرد تعبيري/جميلة مزرعاني-لبنانهيرودوت (2/1) /ملفينا توفيق ابو مراد /لبنانعظيم الإنجاز في الموجز فيما أُنجز/د. نضير الخزرجيThe Morning Rainbow By Salim Elias Madaloغيمةٌ تمطر في داخلي/عارف عبد الرحمنمونودراما:الطيب والشرير.. وجهان بعملة واحدة/بلعربي خالدTwo Poems By Nedaa Al-Durubiمسرح جلجامش يعتز بمشاركة الدكتورة كلثوم أمين في "عشيات طقوس" : كفاءة بحرينية في فضاء المسرح العربي/زهراء غريبقنديل البحر - قصيدة للشاعرة الامريكية ماريان مور/ترجمة سالم الياس مدالوWomen / Sana Jangeer hamad-Iraqحضور الذات والمتخيل في رحلة المعرفة:في رواية جسور متداعية للكاتب العماني سعيد السيابي/ د.عادل ضرغامشعر الومضة والهايكو الياباني/جواني عبدالKushi Nanayakkara/Sri Lanka -Poemsجغاغ محمد.. من دروب الإدارة إلى رحاب القصيدة / محمد عالي الحيرشثلاثية في تفكيك بنية الأكاديمية العربية: (2) سوفسطائية الأكاديميين وسلوكيات اغتيال المعرفة/سيّار الجميلهايبون ( حرائق )/تغريد نديم عمراننافذة تنتظر بلادها البعيدة / بسام الطعانأصْداءٌ / كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيخواطر مسافر/شعر: فيصل سليم التلاوياتامل نجوم عينيك /سالم الياس مدالو
ثورة جنسية ثانية:روزا  كامبل /ترجمة : د.محمد غنيمغدير حميدان الزبون تبحث عن جَمَالِيَّات اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالرَّمْزِ فِي شِعْرِ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ- "شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" أُنْمُوذَجًا. أَفْعَالُ الهويَّةِ اللغويَّةِ وتَمَثُّلَاْتُ  الفُصْحَى  فِي  الدّرَامَاْ العربيَّةِ/كريم عبيد علوي*مرايا الضمير:ماذا نريد؟ د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو*زهرة / عبد الرزاق الصغيرالزّمن الآسر/سرد تعبيري/جميلة مزرعاني-لبنانهيرودوت (2/1) /ملفينا توفيق ابو مراد /لبنانعظيم الإنجاز في الموجز فيما أُنجز/د. نضير الخزرجيThe Morning Rainbow By Salim Elias Madaloغيمةٌ تمطر في داخلي/عارف عبد الرحمنمونودراما:الطيب والشرير.. وجهان بعملة واحدة/بلعربي خالدTwo Poems By Nedaa Al-Durubiمسرح جلجامش يعتز بمشاركة الدكتورة كلثوم أمين في "عشيات طقوس" : كفاءة بحرينية في فضاء المسرح العربي/زهراء غريبقنديل البحر - قصيدة للشاعرة الامريكية ماريان مور/ترجمة سالم الياس مدالوWomen / Sana Jangeer hamad-Iraqحضور الذات والمتخيل في رحلة المعرفة:في رواية جسور متداعية للكاتب العماني سعيد السيابي/ د.عادل ضرغامشعر الومضة والهايكو الياباني/جواني عبدالKushi Nanayakkara/Sri Lanka -Poemsجغاغ محمد.. من دروب الإدارة إلى رحاب القصيدة / محمد عالي الحيرشثلاثية في تفكيك بنية الأكاديمية العربية: (2) سوفسطائية الأكاديميين وسلوكيات اغتيال المعرفة/سيّار الجميلهايبون ( حرائق )/تغريد نديم عمراننافذة تنتظر بلادها البعيدة / بسام الطعانأصْداءٌ / كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيخواطر مسافر/شعر: فيصل سليم التلاوياتامل نجوم عينيك /سالم الياس مدالو

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

شعر الومضة والهايكو الياباني/جواني عبدال

Basho Horohoroto 1

-1-

الشعر: لله درّ الأحاسيس والمشاعر من خلجات وجدان المرء وهي تهجس في ذاته من أفق التجلّي والألق، إلى رؤيا وأحلام معادة على الدّوام فكيف به في حلة الشعر هذا السموّ الذي يسير بالروح والقلب إلى النشوة والصفاء بعيداّ عن اليوميّ المعاش وتجاوره غير السوي فكم من آفاق ورؤى تتجلّى بها الشاعر والانفعالات الداخلية والذات الرقيقة الحساسة وهي تعزف على أوتار موسيقا داخلية هاجساً، إضافة إلى الموسيقا الخارجية من رتم وإيقاع بوحاً.

الشعر هذا الذي يوحّد بين الانفعالات والأحاسيس بالصورة والرمز والإيحاءة جامعاً بين الألم والأمل في بوتقة واحدة مابين اللحظة الهاربة واللحظة الولودة بعيداً عن المستجدّ الأليم والمفرح للبحث عن الإنسان والأمل والمحبّة من جهة ومن جهة أخرى عن الوطن والحرية والسلام.

إن الأحاسيس والمشاعر كانفعالات مستنبطة من السلوك والدوافع الحياتية المعاشة تتوالف معاً دون تكلّف وإن كان يختزلها الشاعر فقط – ويطلق إسارها – من اللغة وإعادة صياغتها وتشكيلها ثانيةً بالكلمات مفعمة بالصور المركّبة ومتلوّنة بالخيال والتأويل والإيحاء إلى آفاق غير مؤطّرة بصيرورة الوجود المعاش، بموسيقاها ورتم إيقاعها وصورها التداعبية والدلالية معاً.

كما هو معلوم أن الشعر وثيق الصلة بالحياة وبخاصة الجانب الروحي منه بتطابقه وهو يعبّر بكل جلاء عما يختلج في الحشا من قلق وجودي ومعاناة آنية مستمرة ليرصد كل نأمة شعورية وحس إرادي أو غير ذلك في خلجات الذات الحسّاسة أكان مونولوجاً لاواعياً أم سرداً خطابياً أكان رمزاً مبطّناً أم ظاهراً وبادٍ للعيان كالمتضادّ بين الأمل والألم وما بينهما مأهولاً بهاجسهما ومشبعاً بروحهما.

والشعر بما فيه من غنائية كما هو معروف يعزف على أوتار سيكولوجية وحالات ميتافيزيقية يعزف على العواطف والأحاسيس ويسمو بالواقع المعاش على آفاق من الوجد هو أشبه بالنبوّة والولادة = الإبداع من لا شيء لأنه مكمل للآخر المفقود موارباً بعيداً عن القلق الذي شبهه بوشكين باللذيذ متآلفاً مع الألم وموازياً مع الأمل.

حقيقةً يولد الشعر في مرحلة بهيّة وله شفافية جذابة في هدوئه وهدره باختزاله للشعور في كلمات انسيابية يتواصل معها المرء أياً كان وهو يتناول جوانب عدة من الذاتية والظروف التي تمر حوله ومدى تأثّره بها طائراً على جناحَي الخيال، يحرّك المشاعر والأحاسيس لصيرورة جديدة للارتقاء بها بالصورة الشعرية في القصيدة الإبداعية المبتكرة ذلك الذي يتّسم بعدم تقييده للقيود بكل أنواعها بما يحمل من نضوج فكري وتعملق أكثر في مجاراة الأحاسيس الجيّاشة بمفردات وجمل سلسة واضحة، في تلك الصومعة التي يصوغ المرء منها تلك المشاعر على سندان البوح قصائد شعرية تحلّق عالياً وتخلق عالماً متخيّلاً جميلاً مليئاً بالرؤى والشفافية والوضوح تقارب بينها وبين الآخر المتلقّي بكلمات دافئة حنونة بولوجها عالم الأنا الداخلي التي تسترق من اللاشعور بالظهور في سياق واحد هو مراعاة خصوصية الأنا الحميمة.

إن الشعر كأحاسيس ومشاعر صادقة غير مدبلجة تهم الجميع ذاتاً ووجداناً، الشعر الذي يعطي المرء لحظة تأمّل وسمو فيسرح بالخيال والتخيّل، بالمحاكاة والتمثّل، إن تنوّع مسارات الكلمة في الشعر لها اتّجاهات عدّة وتختلف من متلقِّ إلى آخر ولكنه يبقى فيضاً وإلهاماً وسموّاً من فيض المعاناة كانت أم من فيض العشق وفيوض السرور.

-2-

الومضة: وَمَضَ: كلمة تدلّ على لمعان شيء يقال ومض البرق وميضاً “معجم”

الومضة في التعريف والمعنى هي لمعة ضوء تضيء أو شرارة نار تبرق وتنوّر جوانب مما حولها لبرهة صادقة والأصحّ برأيي هو القول بأنها كالبرق تأتي من تصادم الغيوم السوداء والرمادية في ذات المرء الحسّاسة الشاعرة، تلمع في السماء بشدّة في خط متعرج مثلم وتضيء وتتلألأ على أفقها بوهج جديد، مبهر، متألّق إلخ.

وقد استعيرت هذه الكلمة لتعبّر عن شعر قصير النفس تلمع في الذاكرة من الأحاسيس الجيّاشة والمشاعر الفيّاضة لتعبّر عمّا يخالجها من عواطف صادقة ملتهبة الأوار، ذات نفس قصير في صيرورتها قد تبدو مشاعر صغيرة تتوالف الآلاف منها في القلب كل ثانية ويبقى الشاعر المرهف الذي يسعى إلى صيدها واقتناصها من عدميتها بشكل موجز مكثّف لتقول عن جزئيات من الحالات الشعورية التي تنتاب المرء قد يخجل البعض من البوح بها لزئبقيتها الرجراجة والبعض الآخر يتباهى بقولها لبساطتها ووضوحها وقصر نفسها على شكل آهات أو تمنّيات أو لقطات تذكارية معدّة في لحظة صفاء أو تأسّف أو تمنّي أو.. ولكن يبقى أنها حالة شعورية ترصد اللحظة الفسفورية التي تطفو كفقاعة وقبل أن تنفجر وتتلاشى يسجّلها المعني وهو الشاعر حتماً، كطفرة وإعادة تلوّن اللوحة الشعرية بدم جديد وروح وثّابة.

وهذا القول يفصح في سرده وهو – أي الشاعر أو المتمثّل بشعر الومضة – الذي يجنح إلى التكثيف والاختزال والتركيز يسعى إلى توسيع دائرة التوتر وتبلورها في البيئة المجرّدة لوحدة القصيدة وتعدد دلالاتها، بهذا الهمّ المتربّص بكليهما ليتشبث بثنائية التجديف الذاكراتي والخيالي والإدهاش التجريبي في لحظة معانقة المفاجأة المتلقاة بأقل الكلمات والصور والجمل، وذلك عبر جملة من المفارقات الدلالية – الذاكراتية في الحالة التي تضفي هي بدورها إلى أسلوبها قيمة جمالية مغايرة للسائد الشعري بذلك الكمّ من التجريب بتلك السويّة اللغويّة.

هذا تعريف بسيط لشعر الومضة التي توازي الكلمة الأعجمية “الإنكليزية فلاش” التي تركب كحزمة ضوء مبهر وتستعمل لتصوير لقطة مجتزأة من سياقها في عين الكاميرا وقلبها إلخ وبهذا تعرف أيضاً .

فكما هو معروف فإن الشعر الشرقي بكلاسيكه وحديثه يركّز على الغنائية والعاطفة الجيّاشة والأنا المهولة ذاتاً فردية بهذا المشهد قولاً يُختزل المستجد كعنصر فنّي في تشكيل القصيدة الجديدة المهداة إلى مولود شعري جديد اسمه “شعر الومضة” وهو هلامي في أفقه وإنه ذو كمّ هائل من التجريب من آفاق معادة لأجل تقنية إثراء الكلمة واللغة ضد القوالب الشكلية الجاهزة الجامدة كما يقال.. أما ما لها وما عليها فنسرد الآتي:

-3-

شعر الومضة :

حقيقةً ليس من تجربة لا جديد فيها من حيث الأدوات عن السائد ومتى كان الجديد غير سوي مادام ينبع من القلب والفؤاد، ويصل ما بين الأحاسيس بكل ما يحمل من انزياحات بإيداع مبتكر متنوّع فالإقرار بالقيود الشكلية والأساليب القديمة بأنها الأصل وما دونه هباء ومضيعة هو قول لغو لا يقدّم ولا يؤخّر شيئاً.

فليسمّى هذا المولود المنجز بامتياز فإن لم يكن شعراً فما هو ؟ يبدو إن اعتراض البعض ليس من أسلوبية وأشكال النص الشعري فقط إنما أتى على سجيّته بأنه ألغى السائد الذي كان وهذا امتداد لتخريب الذائقة المبتكرة وهو استسهال للحداثة من أشكال الحداثة الشعرية فنيّاً وجمالياً لينقلب إلى ابتذال متداول .. يبدو أن الأمر فيه ما فيه لأن الإلغاء من طرفهم لم يكن منصفاً إن لم يقدّموا حججاً منطقية فلنعاين الأمر وما ورد فيه ونقيس على ما سبق.

فشعر الومضة كالشعر السريالي أو الفنتازي هو أيضاً من مكوّنات ومقومات الشعر الحر النثري يتبع من هوى النفس كالفكرة بتضادّها وتناقضها وهو كما قلنا تجريب لأنماط الشعر الحداثوي ومحاولة لخلق أرضية لبذر بذور أخرى على أرض بور وتمزيق الملل والفراغ الروحي والوجداني والتي تعتمد على لقطة عريضة أو حركة طولية.

وأقول بتساؤل قد يكون هذا تمرّد إن جاز التعبير على السبق العام والذوق السلفي وبكلمة أخرى على المشهد الثقافي والأدبي بقديمه وجديده ولكنه اغتناء بكل تأكيد.

حقيقةً هناك إشكالية في تعريف الشعر أي شعر كان وإلا له ما يميّزه ولكل امرىء فيه رؤى ومشارب ولكن الأقرب هو أنه كالموسيقا يطير ويطير أكان ذا رتم موزون وإيقاع أم لا أما بالنسبة إلى أشكاله وسنتّفق أوّلاً بأن هناك أنواع عدّة تسنّ عليه مسنّه وكما له اتّجاهات عدّة يعتمدها الشاعر في كتابته على حالات شعرية متنوّعة يستفيد منها أسلوباً وأداة من شعر سريالي وشعر نثري حر وشعر التفعيلة وشعر الومضة والشعر القصصي إلخ وأنا هنا لست بصدد ذكر كلها.

وبالمحصّلة كان استجداء شعر الومضة واقعاً وحاجة شعورية قبل أن تكون حاجة منطقية لتسارع وتيرة العصر.

وفي السياق بمعنى الكلمة هو تمرّد بكل تأكيد بأن تتخلّص من العبارات الجاهزة والرموز الممجوجة والصور التقليدية التقليعة القديمة الكلاسيكية ومن التراكيب القائمة على المطابقة والجناس والتعبيرات الزاهية في ظاهرها، وبرغم المآخذ فلا يعني ذلك أبداً إن هذه نواقص إشكالية تبعث على السمج أو أنه مهلهل من جرّاء فعل التكثيف والإيحاء الشديد بل على العكس يسوقنا إلى استنباط فكرة هنا ومعنى خلف الرمز ذلك أو صورة شعرية مثيرة من تركيبة لغوية جديدة لدى المتلقّي.

إن شعر الومضة يهمل الكثير من التفاصيل ولكن سرده للمشاعر يبقى جليلاً بحيث يقبض الشاعر الحق بناصية هذه التفصيلات بلمحة ذكية وبفنّية عالية الصنعة من إيحاءات ودلالات موجودة برموزها بما يختلج في القلب من عاطفة، المتجذّرة في اللاوعي من أحاسيس ومحاور بالتزامن مع لحظة الانفعال ذاتها من لوحة، من نظرة، من بارقة إلخ.

إن هذا الشعر – الومضة – لا ينزع إلى التجريد والتأمّل العقلي فقط بل إنه إلهام وخيال يجنح إلى الابتعاد عن الواقع المعاش على الواقع المعاش ولإعطاء هذا الواقع بالشعر جمالاً وانبهاراً وبعداً آخر بالخيال والتصوّر والمثال بأن يعطى شكلاً مثالياً للأحاسيس المتداخلة في ثوانيها.

أي التمثّل مع الطبيعة بجملة أو جملتَين ومن ثم ربط ذلك بالذات أي ربط الخارج من الداخل في لقطة واحدة متجانسة مثلاً:

الطير على الشجرة

ملوّن الصوت

والغيوم في الأفق الخريفي باردة

وقلبي أنا أيضاً.

وهنا في هذه المقولة – الومضة – حساسية زائدة وعاطفة جيّاشة أكثر وهي فنّية بسيطة عاديّة في تأمّلها بل هي أقرب للحياة ومصادفاتها الاعتباطية وهي بقدر تفاعل المرء بما حوله يخصب خياله وأفقه بتعدد الرؤى برهافة وحسّ جديدَين وهذا الفيض في الخيال والأفق الشاعري الفطري والمعرفي الثقافي يجعل المضمون في الشعر وفي الأدب إجمالاً قريباً ومحبوباً على الدوام كمثال الشكوى من جفاء الحبيبة ووصالها والشكوى من سطوة الزمن وترهّل العمر وفراق الوطن وضياع الأمل وعن خيبة الآمال إجمالاً والوحدة الموحشة نعم هي الأنا والذات المضخّمة.

كما يشار إلى النصوص الفلاشية – الومضة كتقنية جديدة التي توجز في الحدث والكلمات والصور والأخيلة لأنها تفتقد في بنيتها كثيراً من مقوّمات الشعر والقصيدة المعروفة بغنائيتها المعهودة ولكن بفقدان مقوّمات الشعر المعروفة باتت هي أقرب ما تكون إلى أنها ترسم خطوطها في شكل بنيوية موجزة هادئة الإيقاع ومن جرّاء تلك الحالات التخاطرية في ذهن الشاعر أولاً وثانياً في وجدانه وحسّه أدّت من طرف خفي إلى خلق بنيوية تلك الأشعار في شكلها الفلاشي – الومضة وإعطائها من بعدها الآخر إلى بعد آخر مغاير على نمط الشعر الياباني أو ما يسمّى الهايكو أو النوع الثاني المعروف باسم –التانكا- .

وليس التمرّد الخالص هنا حين يرسل الشعر بيانات سريالية أو أحجية مقنعة على اللغة واللعب على أوتارها القلقة مغلّفة بطرز من الومضات والتي تضيء نقطة إثر نقطة لسرد الكلمات واللغة إلى أشكال النظم في الكتابة الشعرية المعروفة لترتعي في بركة ضحلة بمفاجأة باردة غير متوقّعة من ترادفات التشبيه الدلالي والادّعاء ما يمكننا القول إنها مختزلة على نمط مشابه للهايكو الياباني.

إن الإدهاش في الصورة من خلال الفكرة الموظّفة للسرد الشعري الموجز والتي تعتمد على الغريب من الحواشي اللغوية – كلمات وجمل أحياناً – تركّز على التكثيف المعقّد وعلى الجمل القصيرة جداً والمتكررة ولكن بصورة أخرى أي بمعنى ترادف الصورة بالتشبيه من تطوّر الفعل الحسّي وكما يبدو جليّاً في نصوصها التي تمثّل وتنوب عن كل أنماطها وأساليبها .

وهي تتدرّج برأي البعض تحت بند التمرّد على المشهد الشعري بطرفَيه الكلاسيكي والشعر النثري، أو الحر المعروف بشعر التفعيلة وهو بالتأكيد تمرّد عليه كما في تقنية فنّية جديدة للقطعة الشعرية القصيرة وبنائيتها المدهشة التي تعتمد على الجمل القصيرة والكلمات المبهرة الغنيّة بالسردية الموجزة الخ، بنمط كلاسيكي يعد أدباً شعبياً يأسر الأفئدة لبساطتها.

وبالقول إن التجديد والتحديث طال كل شيء في مجال الأدب والإبداع عموماً وهو يستلهم تجارب الأمم والشعوب الأخرى أكانت فنيّة أم إبداعية وعليه نساير الفعل الإنساني ونحاول مجاراته وتطويره إن أمكن بعدما تلاقحت الحضارات وأصبح العالم قرية والتغت الحدود حيث تلاقى الشرق والغرب ولم يقف عند أحد سدّاً توالفاً مع القيم الجمالية وتوقاً للتنوّع.

-4-

النـقـد:

ونحن هنا إن حاولنا أن نجيز هذا النص –الومضة– فنحن في الحقيقة لا ننقد للكشف عن الأخطاء والهنات بقدر ما هو إلا تواصل مع النص كمولود جديد وفتح آفاقه المغلقة والخفية وقراءة ما وراء الكلمات والأسطر والتي تربض مخفيّة أو مبطّنة بالألق والتي لها دلالات تأويلية كما ولها رمزية متوالفة المعالم أكانت عوالم معروفة أم كانت عوالم مبهمة.

وإنما يقول البعض بأنه استسهال وتعجّل لنمطية الشعر المعروف وهو هروب للاختباء من فيض الشعور والأحاسيس من سطوتها المترادفة أو نضب في المشاعر الفياضة والأحاسيس الجيّاشة إلى بعض كلمات في شكل صورة شعرية وثلاثة – أربعة أشطر ولا تتعدى ضعفها كما في مجموعة مترادفات تحسب لها إن فقد ذلكم العنصر الغنائي يؤدي به إلى المشاغبة الشعرية وذلك التمرد وتلك المشاغبة اللغوية.

نعم ليس النقد تفكيك للنص فقط ووضعه تحت مبضع جرّاح إنما هو اكتشاف لعوالم جديدة لم تقل على الأوجه الأنسب ورؤى لم تنقل إلى المطلوب كمتعارف

أسبقي، ويكون ذلك بالبعد عن النظرية الأحادية البعد التي يشخّصها امرؤ ما إنما بالتوسط لكل الرؤى والآراء لتعمّ الجميع أسلوبية كانت أم تركيبية أم دلالية الخ.

بالتأكيد كل ما يقدّمه شعر الومضة بكل أنماطه يعطي بعداً جديداً للشعر في مقولته وهذا له ما يبرره إن في التجديد، إن في التجريب وهو إن أحداً لن يأخذ مكان الآخر أو يسدّ النقص في مكان آخر إلا وله مجال وموجة تيار سيصله إلى مد شاطئه لا أن يكون حالة خاصة بذاتها .

والمعروف عن الشعر روحانيته وجموحه أيضاً وانطلاقه من عقاله إلى الخيال واندماجه في الطبيعة والتوحّد بالآخر بلغة سلسة وقريبة من الحس وبعيدة عن التكلّف ولا يترك للتفكير المعقّد المجرّد إلا قليلاً من التجربة المعاشة ليسوق المرء إليه.

إن التلاعب اللفظي بالصور والتشابيه والمطابقة المعنوية للكلمة من جملتها وإعادتها ما هو إلا تكوين لتكرار المضمون الشكلي لأسلوبية الشعر الحداثوي وكما وأن عبثية الحداثة الشعرية التي يركّز الشاعر جلّ اهتمامه بها لإظهاره يبدو متضخّماً في ذاته إظهار رؤى وأنماط غير السائد بعيداً عن جمالية شعرية / غنائية معهودة/.

كما أن المفارقة في شعر الومضة بما يدعى القصيدة الشفوية القصيرة تعتمد على صورة وأخرى لا أكثر ولا تعتمد على تقابل الصور والتشابيه إنما على قفلة مفاجئة وحركة غير اعتيادية في السياق الشعري لترادف الكلمات والجمل هي تلك القصيدة التي تعتمد على الومضة بحدوتة ذهنية وكما تعتمد على التكرار للازمة بلفظة بآخر القصيدة وكوبليه لقافية غير مدوزنة يخاطب ذهنية القارىء وليس عواطفه وأحاسيسه وانفجار هذا التكثيف لا يشتت الفكر والفكرة عند المتلقّي.

فما الذي يتناوله الشاعر وكما يلاحظ أن مخاطبه ليست حبيبة وليست قضية آنية ولا قضية مؤجّلة لتوافق معنى الحياة وليست حدوتة قصصية وإنما ما يهمه آنياً هي الكلمة والقصيد واللعب على أوتارها المتلوّنة بكثير من الحب في تدرجات الأجل ومتحديات الأزل وهو القول إني ها هنا أي لا يكتب الشعر إلا ليكون شاعراً مجدداً، مغايراً فهل هي الفنتازيا الشخصية التي تتلبسه حيث القول فقط ولا هم شخصي على مستوى القلب ولا هم مكاني على مساحة الوطن بالتأكيد هذا لا يعني تجرداً إلا قول العكس في مرات عديدة مبثوثة بين القصائد والقفلات والجمل القصيرة.

كما يبديه العنوان – الومضة / الفلاش / ما هو إلا استفزاز يجود به متنه على طول الخط وهذا له دلالات استفهامية يقودنا إلى تساؤلات مبهرة حيناً ومبهمة حيناً آخر أهذا موجه خطابي للشعر ككل عام أم هو للمشاغبة التفردية أم هو مجرد مودة التجريب والبحث عن الجديد والتمني بالسبق والاكتشاف أم هو تمرد على الشعر التقليدي المباشر ذات الصور والخيال الجامح والفكرة اللامعة أم هو انقلاب على المضمون والشكل معاً أم وأم .

حقيقة لهذا النمط من الشعر مآخذ كثيرة على الشعر التقليدي المعروف بالغنائية المتوالفة مع الصور والأخيلة ذو الرتابة في فكره ورؤاه المباشرة التقليدية التقريرية والحشو الزائد في سرده والذي يرى الشعر في التكثيف والاختزال كفراشة تطير وشرارة تومض ببعض كلمات وتقول بعضاً من حالة شعرية مركّبة تكفي وليس أسطراً وأبياتاً معادة بالملل ولا تكفي، نعم وبعيداً عن الإطناب هكذا يركز الشاعر على التكثيف ليجمع كماً من القيم الفنية في بسطة واحدة.

-5-

الهايكو والتانكا :

وكتعريف للهايكو هذا وهو شكل من أشكال التعبير الشعري الذي يصوّر مشاهد معاشة بتركيز وتكثيف هو أيضاً تكثيف للفكرة وكذلك للمضمون ولكن ليس في الشكل السردي فحسب وحتى لو اجتزأنا من أصل النص الشعر بعض من أصله من كلمات وجمل لما تغيّر شيئاً في متنه لا في الفكرة ولا في المضمون حصراً، لأن نصاً كهذا يستغني عن الأحاسيس والمشاعر الجياشة بغنائيتها المعهودة التي تختلج وتتهاجس بها الذات مع الموجودات الإنسانية من انفعالات وتآلفات مع الآخر من أم وحبيبة ووطن أو طبيعة وما ورائية فيزيقية إنما هي في ذاتها قائمة على المفارقات اللفظية في سردها وهي تبني أعشاشها على أكتاف اللغة والصور المترادفة بالكلمات وهي لا تقوى على الغوص في الفكرة بل تغمض في الفكرة وتشرد في المعنى بالتساوي مع الشعر.

وشعر الومضة لمقابل الهايكو الياباني المعروف يعتمد على التكثيف المبالغ فيه للقصيدة وذلك عن طريق تقصيرها على معنى واحد قريب ودقة التعبير أيضاً على بضع كلمات وجمل ذات إيحاء ودلالية مكثفة قوية ففي الشعر المهم أن توجز في الإيحاء ولا تفيض في الوصف والتشابيه ولا تسهب في مماطلة المضمون.

إن هذا النمط الهايكو – وليسعفني التعبير – الذي يعتمد على التقطيع والتجزؤ والتكثيف الملَلي حيث يبدو كأن لا رابط يجمع بين الجمل والصور الشعرية والفكرة وفي الشعر وبخاصة هذا –الهايكو– يزوغ نحو اللامحدودية والإشارة السطحية والفكرة العابرة والدعابة وهي تفتقد الترابط العضوي السلس في بنيتها وإن من مميزات ذا النمط استعمالها – اللغة وترادفاتها دون دلالات – بشكل مقصود كعنصر فني في بناء القصيدة الشعرية . وفيه /في الأصل/ تتالف من 17 تفعيلة.. أي 17 حرفا صوتيا، بتوازن (5-7-5).. في ثلاثة أسطر.. إلخ. لأن قصرهما 3أسطر للهايكو و5أسطر للتانكا يجعل الايحاء والتاؤيل والدلالة أشد من الإسهاب والتعبير المفصح.

وهي بعكس قصيدة التانكا أو الاسم القديم (الواكا). وإن كان يمكن لها إبراز المضمون من خلال صور الطبيعة وأن يرمز إليها حيث لا يطلب من الشاعر أن يعرض عواطفه وانفعالاته الشخصية وألمه ومصابه بشكل كامل.

والتانكا أي القصيدة القصيرة التي تعتمد على الجمل القصيرة والكلمات القليلة وهي أطول قليلاً من الهايكو وهذا النمط الشعري كان سائداً بين البلاط حيث استخدمته الحاشية والرهبان المتمكنون من اللغة ومن التخم الفراغي ، نعم لملء الملل الوقتي الصارخ. وهي تتالف من 31 مقطعا صوتيا بتوازن (5-7-5-7-7) في خمسة أسطر. إلخ

وكتعريف موجز للهايكو : هو نمط من الشعر الياباني تطوّر من قصيدة التانكا وذلك بأن حذف منها البناء السفلي – أي السطرين الأخيرين – وهي أصلاً مكونة من خمسة أشطر ففي بادىء الأمر كانت المحاولة هي تكثيف القصيدة عن طريق تقصيرها والسعي نحو دقة التعبير كما يبدو لكتابتها ونقشها على مساحات الرسم والنحت على الخشب أو العاج أو على سيف أو تاج ما مزنّرة بالأزهار والألوان ليعطي اللوحة قيمة جمالية مضافة إلى الأخرى.

إن الهايكو بالتحديد هي القصيدة ذات الأسطر الثلاثة والمقاطع الصوتية السبعة عشر.. طبعاً دون قافية أو وزن عروضي ويدور محورها على صور من الطبيعة أو انطباعات عنها في المركز الأول بترميز أو إيحاء أقل وبذلك فإن موضوعها بخلاف قصيدة التانكا محصور بدقة بالطبيعة بفصولها الخمسة كما عند اليابانيين وما تتضمنه من طقوس وعادات وتبجيل للحيوان والنبات وغيرهما. للتعبير عن دلالات أبسط الاشياء حولنا. وغنائية الشكل الشعري بنمط متوازٍ. وهذا يكشف عن سمة أساسية من سماتها..

-6-

وهذه بعض نماذج من الهايكو والتانكا:

-1-

يا وردة الخوخ

عندما تهب رياح الشرق

ابعثي لي برائحتك،

واذا لم يعد لك ما لك

فلا تنسي الربيع هذا..

.       .       .       .       .(سوغارا-نو- ميتشيزاني845-903)

على سفح الجبل وأثناء ليلة

من ليالي الربيع،

في الحلم ايضا تبعثرت أزهار الكرز.

.       .       .       .       (كيتنو –تسورايوكي ت945)

هايكو:

في صفاء الشمس الربيعية الوديع

نورس يصعد للسماء

وقلبي الحزين يتهاوى بين أحزانه.

تانكا:

فوق حقول الربيع

يتمدد الضباب

لكن قلبي حزين

عندما يغني البلبل في ضوء المساء.

في غابة الخيزران

قرب بيتي تماماً

وهذا المساء

ضعيف جدا هزيز الرياح القادم من هناك.

.       .       .       .       .       (اوتو –نو- ياكاموتشي 718-785)

صفاء قلبي تماما

ومُضي ليل في الصفاء تماما

أنسى القمر مع أني مستدير نحو القمر.

(الامبراطور المعتزل هانازوتو)

من أعماق الليل ياتي بريق راكضا

فوق أكداس الغيوم

بريق خريف حوالى ذرى الجبال.

.       .       .       .(الامبراطور المعتزل فوشيمي 1265-1317).. ترجمة:محمدعضمية

-2-

مطر أول هذا الشتاء

اسمي مسافر فيه

تهادى هناك

*-*

بلا وجه أنا

تبعثرت في الحقل

ثمة ريح قطعت جسدي

*-*

أعشاب الصيف

هي كل ما يتبقى

من أحلام الجندي

*-*

أيها العنكبوت

أأنت الذي يبكي

أم رياح الخريف

*-*

لحظة جلوس القمر

على ذرا الأشجار

تتمسّك الأوراق بالمطر

*-*

قطرات الندى

كيف ستغسل في المنتأى

غبار العالم

*-*

مباح ثلجي:

وثمة غراب يليه غراب

وانظر إلى الأزهار الحقيقية

لشقاء هذا العالم

*-*

يا لها من سعادة

لأول مرة لا يرى

الهارب في الضباب

موت الجدجد

وقد بقيت أغنيته الممتلئة بالحياة.

*-*

أية لذة هذه

ان نحك

مكان لدغة العلقة.

*-*

لرحيل الربيع!

تصرخ العصافير،

وعيون الأسماك تغص بالدموع.

.       .       .       .       .       (ماتسو- باشو 1644-1694)        ترجمة هاشم شفيق

-3-

لا أحد يعبر

هذه الطريق إلا أنا

هذا المساء من الخريف

بأمطار أيار كلها

شيء واحد لم يختفِ

ذلك الجسر عند خليج سيتا

ألن تأتِ لترى الوحدة

ورقة وحيدة

على شجرة الكيري

وهذه باقة أخرى للشاعر باشو

بترجمة لواء يازجي

في منزلي القديم

الذي هجرت، يزهر

الكرز الآن

تماماً عند قدمي

ومتى وصلت إلى هنا

أيها الحلزون

مطر غزير مفاجئ

عارٍ أمتطي أنا

حصاناً عارياً

.       .       .       .       .       يوشي ميكامي إيسا 1867 – 1826) ترجمة لواء يازجي

*-*-*

ليلاً،  ومرة أخرى

أثناء انتظاري لك

تصير الريح الباردة مطراً

نهر الصيف:

ورغم الجسر

يخوض حصاني عبر الماء

لمعة برق:

من بين أشجار الغابة

قد لمحت الماء

.       .       .       .       .ماساوكا شيكي 1867 – 1902) ترجمة لواء يازجي

تنويه:

الترجمات: من الانكليزية:

-المصدر: محمدعضمية وكتابه (تمارين على قراءة الشعر الياباني القديم).

– ومن الانترنت: هشام شفيق و لواء يازجي.

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة