📰 آخر الأخبار
ثورة جنسية ثانية:روزا  كامبل /ترجمة : د.محمد غنيمغدير حميدان الزبون تبحث عن جَمَالِيَّات اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالرَّمْزِ فِي شِعْرِ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ- "شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" أُنْمُوذَجًا. أَفْعَالُ الهويَّةِ اللغويَّةِ وتَمَثُّلَاْتُ  الفُصْحَى  فِي  الدّرَامَاْ العربيَّةِ/كريم عبيد علوي*مرايا الضمير:ماذا نريد؟ د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو*زهرة / عبد الرزاق الصغيرالزّمن الآسر/سرد تعبيري/جميلة مزرعاني-لبنانهيرودوت (2/1) /ملفينا توفيق ابو مراد /لبنانعظيم الإنجاز في الموجز فيما أُنجز/د. نضير الخزرجيThe Morning Rainbow By Salim Elias Madaloغيمةٌ تمطر في داخلي/عارف عبد الرحمنمونودراما:الطيب والشرير.. وجهان بعملة واحدة/بلعربي خالدTwo Poems By Nedaa Al-Durubiمسرح جلجامش يعتز بمشاركة الدكتورة كلثوم أمين في "عشيات طقوس" : كفاءة بحرينية في فضاء المسرح العربي/زهراء غريبقنديل البحر - قصيدة للشاعرة الامريكية ماريان مور/ترجمة سالم الياس مدالوWomen / Sana Jangeer hamad-Iraqحضور الذات والمتخيل في رحلة المعرفة:في رواية جسور متداعية للكاتب العماني سعيد السيابي/ د.عادل ضرغامشعر الومضة والهايكو الياباني/جواني عبدالKushi Nanayakkara/Sri Lanka -Poemsجغاغ محمد.. من دروب الإدارة إلى رحاب القصيدة / محمد عالي الحيرشثلاثية في تفكيك بنية الأكاديمية العربية: (2) سوفسطائية الأكاديميين وسلوكيات اغتيال المعرفة/سيّار الجميلهايبون ( حرائق )/تغريد نديم عمراننافذة تنتظر بلادها البعيدة / بسام الطعانأصْداءٌ / كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيخواطر مسافر/شعر: فيصل سليم التلاوياتامل نجوم عينيك /سالم الياس مدالو
ثورة جنسية ثانية:روزا  كامبل /ترجمة : د.محمد غنيمغدير حميدان الزبون تبحث عن جَمَالِيَّات اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالرَّمْزِ فِي شِعْرِ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ- "شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" أُنْمُوذَجًا. أَفْعَالُ الهويَّةِ اللغويَّةِ وتَمَثُّلَاْتُ  الفُصْحَى  فِي  الدّرَامَاْ العربيَّةِ/كريم عبيد علوي*مرايا الضمير:ماذا نريد؟ د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو*زهرة / عبد الرزاق الصغيرالزّمن الآسر/سرد تعبيري/جميلة مزرعاني-لبنانهيرودوت (2/1) /ملفينا توفيق ابو مراد /لبنانعظيم الإنجاز في الموجز فيما أُنجز/د. نضير الخزرجيThe Morning Rainbow By Salim Elias Madaloغيمةٌ تمطر في داخلي/عارف عبد الرحمنمونودراما:الطيب والشرير.. وجهان بعملة واحدة/بلعربي خالدTwo Poems By Nedaa Al-Durubiمسرح جلجامش يعتز بمشاركة الدكتورة كلثوم أمين في "عشيات طقوس" : كفاءة بحرينية في فضاء المسرح العربي/زهراء غريبقنديل البحر - قصيدة للشاعرة الامريكية ماريان مور/ترجمة سالم الياس مدالوWomen / Sana Jangeer hamad-Iraqحضور الذات والمتخيل في رحلة المعرفة:في رواية جسور متداعية للكاتب العماني سعيد السيابي/ د.عادل ضرغامشعر الومضة والهايكو الياباني/جواني عبدالKushi Nanayakkara/Sri Lanka -Poemsجغاغ محمد.. من دروب الإدارة إلى رحاب القصيدة / محمد عالي الحيرشثلاثية في تفكيك بنية الأكاديمية العربية: (2) سوفسطائية الأكاديميين وسلوكيات اغتيال المعرفة/سيّار الجميلهايبون ( حرائق )/تغريد نديم عمراننافذة تنتظر بلادها البعيدة / بسام الطعانأصْداءٌ / كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِيخواطر مسافر/شعر: فيصل سليم التلاوياتامل نجوم عينيك /سالم الياس مدالو

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

حضور الذات والمتخيل في رحلة المعرفة:في رواية جسور متداعية للكاتب العماني سعيد السيابي/ د.عادل ضرغام

images 1 1

ْ

في رواية (جسور متداعية) للكاتب العماني سعيد السيابي تصوير لرحلة لها خصوصية في الإدراك والمعرفة، والانتقال من حال إلى حال أو إلى حالات أخرى متوالية. في هذه الرحلة تفقد الذات جزءا من البراءة، وكثيرا من التهويم، وتجد نفسها وجها لوجه مع الواقع ونزاله، ومع التجريب بعيدا عن المثالية السابقة. وهذا التصوير يكشف عن الوقوع في البداية تحت طائلة الجاهز المستقر، وما يتجاوب معه من مقولات معرفية تحفيزية للحركة أو التوجّه أو الانتقال والتسويغ لها أو التبرير.

فالقارئ للرواية يجد مقولات تحفيزية لها دورها في الحركة والانتقال داخل البناء السردي، وكأنها أصبحت مسوّغا للانتقال والتوجّه نحو حال جديدة، خاصة إذا كانت الذات تتخيل أن الوصول إليها صعب المنال. التحوّل من حال إلى أخرى يعدّ نوعا من تطوّر واختلاف الوعي عن سابقه، وسبيلا لاختلاف الرؤية ووجهة النظر تجاه العالم والوجود، ومقاربته من مرحلة إلى أخرى.

الرواية في أجزاء كثيرة منها ربّما توجّه نحو فهم أو إعادة قراءة للمجموع العربي أو للسياقات العربية بالرغم من اختلاف البلدان، فالنص يتوجّه نحو إشكالية أساسية منذ بداية عصر النهضة في التعامل مع الآخر والانفتاح عليه في مقابل الانعزال والاكتفاء بما لدى الذات، فالانفتاح يؤدي إلى ذات متعددة بعيدة عن الأحادية ومتحركة. والانغلاق- بالمقابل- يؤدي إلى الثبات والوجود الأحادي، وفي كل ذلك تلمح الرواية إلى علل الذات العربية من وشاية ودسّ والأطراف المتقابلة والمتقاطبة.

في الرواية هناك تركيز على ذات أو شخصية ضد الثبات، تنتهج الحركة بوصفها سبيلا للمعرفة، وهي سريعة الاندماج بحثا عن وعي مغاير، وانطلاقا من رغبة جاهزة لاقتحام المجهول والتجربة التي تطل في نهاية النص لتفصح عن هزيمة مهيضة الجناح غير قادرة على العودة إلى صورتها الأولى، لأنها عاينت عالما أو عوالم لم تفلح أن تكون جزءا منها. فالرحلة أو الرحلات باب لمعاينة عوالم ومعارف جديدة تزلزل الأحادية المعرفية المحددة.

يشعر القارئ أن الرحلة الجبرية- في أحيان ليست قليلة- إلى المدن العربية وغير العربية، ليست سوى زلزلة لثبات أو هدوء، وطريق لبناء واصطناع ذاكرة تتشابه وتتباين بسبب الاختلافات بين هذه المدن. فكل مدينة تترك أثرا في تكوين البطل، وكل مدينة جديدة في إطار هذه التعدد المتوالي تمثل فرصة لإعادة النظر في ذكريات مدن سابقة، وذلك بعد أن يهدأ الألم، ويخفت الضجيج. فالرواية تقترب من فن الرحلة وإن كانت لا تسلم قيادها إليه، فهمّها الذات في الأساس، وتقديم وعي الذات بهذه المدن، وما تخلقه داخل البطل من ألفة واغتراب.

وهذه المقاربة التي تقدمها الذات- وإن كانت شخصية جدا- تعد مهمة في الوعي بكل مدينة بداية من القاهرة ومرورا ببيروت ودمشق، وانتهاء بفرنسا واسطنبول و وموسكو وبطرسبورج. فالذات تؤسس ارتباطها بالمدينة ورائحتها، فهناك مدن تفتح ذراعيها للغريب، وهناك مدن موغلة ومنغلقة في ذاتها، لا تقصح عن روحها السحيقة والموغلة في التخفّي والغياب، وكأن الرواية تشييد تقابلا بشكل غير مباشر بين هذه المدن الكثيرة.

يمكن أن نعدّ النص الروائي نصا للاندماج بالعالم والوعي به، لأن كل مكان ذهب إليه البطل، له معرفته وفورانه الثقافي الخاص، وكل مكان يمثل طريقا جديدة للوعي والمعرفة، وللإطار الإنساني الذي يظل حاضرا بتجلياته العديدة في كل هذه الأماكن، وللذات وحركتها حيث بدأت حالمة بيضاء، وانتهت مزدانة بتعددية لونية.

المتخيل والمقولات المعرفية

يمكن مقاربة النص الروائي في إطار منطلق من منطلقاته بوصفه حالة دالة وكاشفة عن سطوة المتخيل في بدايته المثالية، وصورته في نهاية الرحلة، أو بوصفه حالة دالة عن المطروح للتحقيق في ظلّ مقارنة لاهثة ولاهبة تدرك التباينات والتشوّهات التي تصيب التكوين الداخلي للذات من توجّه يحاول العمل على تأسيس وجود أنساني خارج محددات العرق واللغة، إلى توجّه مهزوم لا يخلو من تكشّف ومطاردة يتجليان في أشكال عديدة من الخوف والخديعة والخيانة التي ظهر حضورها في كل المدن بأشكال وتجليّات مختلفة.

اسم البطل (سيف)، وهو اسم لا يخلو من قصدية، للإيحاء بالقدرة على الفعل، وعلى اختيار الطريق والتوجّه، لكن حين يقول النص على لسان البطل (لم أعد أملك سوى صدى هذا الاسم، لذاك الشاب الذي كان يحلم بتغيير العالم بالكلمات، كلمات تحفر في الصخر، وتوقظ الضمائر، وتحرّر الناس من أوهامهم) ندرك أن الصورة المختزنة المصقولة أصابها الكثير من التغيير، خاصة حين يبصر ملامحه في المرآة فيبصر شبحا يرتدي ملامحه، ولم يعد وجهه الأول على صفائه.

هنا قد تصبح الرحلة الواقعية إلى مدن عديدة معادلا للنمو المعرفي، والتكشّف التدريجي لصعوبات الواقع. ففي كل انتقال داخل مدينة جديدة من المدن هناك دخول- كأن به نوعا من الإجبار- غير مفهوم على نحو تام، يمكن أن يكون إشارة لشيء أكبر، وليست مقصودا لذاته بالرغم من توفّر إطاراته الواقعية، إنما المقصود أن هناك قوة أكثر شمولية، تحرّف وجودنا من مركزه، وتعدد صورنا، وتنقل هذا الوجود من خانة إلى خانة أخرى، وفي ذلك تشويه لكل منطلقات مثالية يؤمن بها الفرد طويلا، وقصّ لكل ما يستطيع فعله لكي يكون متجاوبا مع هذه المنطلقات، ليأتي قوله في النص (كيف فقدت نفسي) كاشفا عن الانحراف عن القدرة وإحداث الأثر، في مقابل كون ضخم.

يتجاوب هذا الفقد المتدرّج نمو وعيه بالآخرين في كل المدن على اختلاف مشاربهم وانتمائهم. فكل شخصية قد تبدو للوهلة الأولى بالنسبة للبطل أحادية التكوين بداية من شخصية (هلال) في القاهرة، ومرورا بشخصية (مي الحسين) بدمشق، أو (دلال) بفرنسا، وانتهاء بشقيقها (مشعل) الذي يتكشّف في النهاية عن كونه حبيبها، لكنها عند التأمل والتروّي مباينة للتكوين الأحادي، وتصبح شخصيات شديدة التعقيد، وبعيدة عن التحديد الصارم الذي يستند إليه- وفق صورته ووعيه الأوليين- في تسكين البشر وتصنيفهم.

وينضمّ إلى التدرّج المعرفي بالعالم وجزئياته فقدان التحكم والمركزية الذاتية بقوة، فالذات بانفتاحها على العالم تفقد مركزيتها الخاصة وكتلتها الصلبة الفاعلة، حيث تتشظّى وتصبح جزئية مفتتة ومنفعلة غير فاعلة، يحرّكها العالم، ويؤثر فيها، ولا تحرّكه أو تؤثر فيه، فتبدو مضغوطة ومنسحقة داخل سياق قوة عليا أكثر هيمنة وتأثيرا. والنص لا يملّ من تذكير القارئ بحاله المثالية الأولى، ليطل التباين واضحا بين السابق الموغل في القدم والاني.

ففي ظل تشظيه وفقدانه للمركز الذاتي الحامي يصبح فردا من منظمة لها سمت مخابراتي تجسسي في موسكو منتقلا من اسطنبول، يقول النص (شعرت بشيء يتحرّك في داخلي، كأن عقلي قرر أن يتذكّر. لمحت لوهلة، صورة لطفل يركض في حقل مضاء بنور الشمس، ضحكته الطفولية البريئة مجلجلة. هل كنت أنا؟ أم كانت مجرد خدعة أخرى من خيالي المرهق؟).

هذه الصورة الخاصة بالطفل المتجاوبة مع وعي أحادي يرتبط بالمثالية والتهويم تتباين مع الصور الآنية العديدة للذات، فلم تعد هناك (أنا) واحدة ذات مركز، بل هناك (أنا) عديدة مكوّنة من شخصيات تتداخل وتتصارع فيما بينها داخل الذات، بعضها- في منطقه- مزيّف، وبعضها حقيقي، وبين كلتيهما توجد تجليات أو صور كثيرة مشدودة إلى إطارين كبيرين.

الذات أو الشخصية الرئيسة في الرواية حين تفقد مركزها بالحركة والانتقال، تتحوّل إلى ذات لا تخلو من خصوصية، تريد الثبات، لكنها مجبرة على الحركة، وتقارب البشر والحياة بذهن مفتوح ومغلق في آن، مفتوح، لأن كل إنسان يحاول أن يخلق خياراته ووجوده الذاتيين، ومغلق لأنه مشدود إلى نسق مؤسس على حتمية الحركة، تحكمه دوائر كبرى وتوجهات مستقرّة، موشومة بتقليد السابق الذي يتسلسل دائما.

الرحلة في النص الروائي في تجلّ من تجلياتها- فضلا عن أطرها المعرفية- ليست إلا إطارا تحاول فيه الذات البحث عن خطوات جديدة منفتحة على وعيها الخاص الذي تبنيه، وتأتي المقولة النصية (هل نحن من نصنع مصائرنا، أم أن المصائر هي التي تصنعنا؟) مقولة وتساؤلا محوريا على امتداد النص.

ويمكن أن تكشف عن التحوّل بين الإيمان بحتمية وقيمة الرحلة والعودة النهائية التي تكشف عن خيبة وحنين واضحين، حيث تجد الذات نفسها وقد أصابها العطب والتعدد، مجموعة من البنيات الدالة، لكننا سوف نكتفي بمعاينة بنية واحدة ربما تكون كاشفة من خلال الحضور والغياب عن التباين الحاد بين اليقين وفقده، والعودة والحنين دون قدرة على إعادة الانسجام السابق.

في بداية النص الروائي- انطلاقا من الإيمان بقيمة وحتمية الرحلة والانفتاح على الآخر- نجد هناك كثيرا من المقولات المعرفية التحفيزية للحركة السردية والنمو من جانب، وخلق حالة من المشروعية والتسويغ للقارئ للإيعاز بحتمية اختيار الطريق والوجهة. وتأتي هذه المقولات غالبا في بداية الفصول أو في نهاياتها. والموقعية هنا لها دور في توجيه الدلالة لكلّ هذه المقولات المعرفية التحفيزية. منها ما يأتي وكأنه تبرير للانتقال أو للاختيار، ومنها ما يأتي للتأكيد على الفكرة أو الحركة أو النقلة السردية التي تمت.

المقولات المعرفية حالة من حالات التسويغ للفكرة أو الإيمان بها، وانتصار لقدرة الاختيار المبطّن الذي يقدم، وكأنه سلوك عادي، فحين يقول النص (في بعض الأحايين نسأل أنفسنا: هل نحبّ الموت على الحياة بجنون، بشهوة الخروج إلى الراحة والخمول والكسل، حتى عن التفكير في الأمر، أم أننا على وشك الخلود في جحيم مستعر من المنغصات، ولا مفر منه؟) ندرك أن الخروج من صيغة المتكلم الفرد إلى صيغة المتكلّمين ليست إلا وسيلة للخروج من الذاتي إلى الجمعي، وإعطاء أو تسويغ اختيار السفر والحركة وإلصاق تبعيتهما مقابل البقاء والثبات إلى إطار جمعي، خاصة أن هذه المقولة سبقت التنازع بين الإقامة والرحيل، والثبات والحركة، للخروج من أمن وهدوء الوطن إلى خوف وحركة الرحلة، من هوية مغلقة على ما لديها، إلى هوية منفتحة تأخذ وتعطي من الآخر من خلال رحلات تتناسل بالتدريج وتتوالد بداية من الخروج الرحلي الأول.

وفي أحيان أخرى تأتي هذه المقولات المعرفية التحفيزية مستندة إلى ضمير الغائب، خروجا عن النسق السردي في النص الروائي كله، ويحيل النص هنا مشروعية الحركة إلى إطار أو فكرة تم الاتفاق حولها، وكأن النص يحيل الفاعلية إلى نسق مؤسس أو يحيل إلى ردّ فعل يرتبط برؤية جمعية.

فالأمر في قول النص (هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن الغربة لم تعد مجرد مسافة، بل صارت جزءا منه، أن الوطن لم يعد مكانا محددا، بل فكرة يحملها في قلبه تتغيّر كما يتغيّر) متعلق بمنطلق أساسي من منطلقات الرواية تتمثل في الهوية الإنسانية التي تحيل الوطن من مكان مادي إلى مكان متخيل، يمكن صناعته وتكوينه أو تشكيله في أي جزء من العالم.

يحيل الغياب هنا الفعل وكأنه موضوع مقرر، لا دخل للذات فيه، رغبة في الخروج من المحدود إلى اللامحدود واللانهائي.

فالمقولات المعرفية مقولات تنازع الحكمة في دلالتها، والمثل في قوّة حضوره وتأثيره، وكلاهما يحمل قدرة بلاغية تحجب العين عن رؤية التناقضات الخفية في مثل هذه المقولات التي تحمل سلطة الدلالة المستقرة، وسلطة التكرار داخل المتخيل الفردي والجمعي.

والمقولات المعرفية أو المحفزات يمكن أن تأتي في النص تابعة للحركة أو الاختيار، مؤكدة مشروعيتها، وذلك حين تأتي بعد حسم التنازع في الاختيار أمام قسيمين أو أكثر، للانحياز إلى أي توجّه أو نمو سردي وحيد. فحين يحزم البطل أمره في الاشتغال على أن يصبح شيئا ذا قيمة في سفره وترحاله نجد أن هناك نسقا مغايرا في طبيعة السرد، حيث يتحوّل السرد من متكلم- وهو الأساس من البداية إلى النهاية- إلى غائب، لكي يعطي الاختيار أو التوجّه مساحة تقريرية.

يقول النص (فمن وضع كفّه على قلبه، وحزم أمتعته، وركب السفينة، عليه أن يتوقّع كل شيء، في أي وقت، يصعد وينزل على سلالم طموحاته). ومع هذه المقولة ندرك أن الحركة السردية التي تم اتخاذها صارت أكثر قبولا، لأن النص مهّد لها بالقول الجمعي المستند إلى خبرة جمعية متداولة ومتنقلة داخل العقول والأرواح. المقولات المعرفية هنا لا تسبق التوجّه أو الحركة السردية، بل تأتي بعده لتمنحه مشروعية وقبولا، لأن البطل حين يتحوّل إلى عامل في مقهى أو مطعم يعد شيئا أقل من المأمول أو المتخيل السابق في الرواية، وهو متخيل يستند إلى القدرة على التغيير، وعلى التأثير والفاعلية.

إن مثل هذه المقولات المعرفية التي زادت نسبة حضورها في الجزء الأول من النص اتساقا مع تسويغ الحركة التي توجّه نحو حركة سردية معينة بها الكثير من الجاهزية تشي بالقدرة على الاختيار، وقلّت في نهاية النص بسبب تسرّب المتخيل وتلاشي عنفوانه، تتصل اتصالا وثيقا بالإيمان بالقدرة على الفعل، وتحوير وتعديل الحركة استنادا إلى هذه القدرة. وفي غيابها أو انعدام حضورها إشارة إلى حال شديدة الخصوصية انتهت إليها الذات بعد صراعها مع الواقع أو الرحلة التي كشفت عن العلل الثابتة التي تطل حاضرة في كلّ مدينة.

طبقات الرحلة: حضور الذات أم المكان

الرحلة في الأساس اختيار لتنضيد أسطورة ذاتية ترى العالم وتقاربه من وجهة نظر ذات خصوصية، والبطل الذي يلمح في بداية النص إلى مكانة خاصة داخل مجتمعه وسياقه العماني، يقوم بالرحلة ويقترفها استجابة لرغبة داخلية للكتابة والتأثير في العالم، ولصناعة هوية إنسانية تتعاظم على اللغة والأعراق. ولكن تبقى السنّ المختارة للبطل (سيف) ذات دلالة، حيث تغدو الرحلة- وإن تجلت في إطار واقعي- وثيقة الارتباط بالوعي وميلاده. فالرحلة حين تبدأ في هذه السن المبكرة امتحان للوعي الفطري أو التهويمي المثالي وبد\يات دخول للنزاع مع وعي ينفتح على الواقع ويتدنس بتعدد صوره.

يكشف عن ذلك أن هناك إحساسا بالمطاردة في كل مدينة عربية أو أجنبية ينزل إليها بطل الرواية، وهناك- فوق ذلك- مواجهة لواقع أليم، وتكثيف لحضور علله المستمرة، تتجلّى في كل مدينة بشكل مختلف عن الأخرى، لأنها مولّدة من سياقات حضارية شديدة الخصوصية، ومن اللحظة الزمنية التي يستطيع القارئ أن يقترب من تحديدها من خلال سياق رحلة القاهرة التي تمثل أول مدينة كبرى يصل إليها، وينفتح على واقعها وعيه المثالي. فالزمن الخاص بهذه الرحلة يتحدد- وتتحدد بشكل متوال أزمنة الرحلات المتناسلة منها- من خلال إشارة أو اثنتين تشيران إلى ما بعد ثورة 1952 مباشرة.

وليس معنى هذا أن الرواية تتحوّل إلى رصد رحلي ويظلّ البطل خارج الحدث، وإنما تتوّجه الرواية في الأساس إلى ذات محددة، لها تاريخ ولها هوية وتمتلك معرفة، وتحاول أن ترصد هذه الذات في جدالها مع واقع المدن وسياقاتها الحضارية. فالعناية بالذات وذوبانها وخوفها وتلاشي هدوئها هي المنطلق الأساسي، وتأتي الجزئيات الأخرى بشكل عرضي. وهذا يمثل الأساس في تصنيف العمل داخل جنس الرواية، وليس الرحلة، فالعناية ليست بالمدينة أو مكان الرحلة، وإنما بما يجليه هذا المكان أو المدينة من وعي يضاف إلى الذات في تشكيل حركتها وتنقلاتها.

إن كل طبقة أو مدينة من المدن العديدة تترك أثرها في شخصية البطل ووعيه، ذلك البطل الذي يملك جذرا، يشده إليه، وفي بعض اللحظات المأزومة يتولّد حنين جارف إليه، في محاولة جادة في إزالة الآثار المتراكمة حوله أو ما ترسّب حوله، وفي جزئيات عديدة يشير النص إلى أمنيته في العودة إلى صورته الأولى الساكنة، وإلى العماني بوعيه الأحادي البسيط بدلا من التعدد الذي أصبح سمة بارزة للذات في سياق تحولاتها تحت أثر التحوّلات الكبرى. يقول النص مصوّرا الذات أثناء انتقالها من القاهرة إلى دمشق (تحملّت مشقة الاغتراب، على أمل أن أرجع إلى العماني الذي ساقته الأقدار ليحلم بشكل أو بآخر في بلد غير موطنه).

ما يمرّ به الإنسان أو الذات- كما يشير الاقتباس السابق- يكشف عن ردّ فعلها وقد أصابها العطب والتصحر. فهناك فعل وانفعال، وهناك غياب للمنطلقات الأولى التي فقدت بريقها وسمتها المثالي، وحضور لمنطلقات جديدة تتساوق مع التحوّل أو الوجود الجديد. يتجلّى ذلك واضحا في الانتقالات المتتالية من عمان إلى القاهرة، ثم إلى دمشق، وبعدها إلى لبنان، فكل مكان من هذه الأماكن يعطي للذات وجودا خاصا، ووعيا مختلفا، تقول الرواية على لسان البطل بعد وصوله إلى بيروت مطاردا (خلال أسابيع تالية، كانت الأيام تنبئ بشيء يتغيّر داخلي).

كل مدينة من المدن العربية المشرقية التي ارتحل إليها تعطي الذات الساردة وجها مختلفا يهزّ ويزلزل الوجه الأحادي الساكن، فيشعر المتلقي بالحركة والتعدد. وتأتي النقلة إلى باريس، لتشير إلى أشياء جوهرية، تتعلّق بمسألة المعرفة والتكوين، لتؤسس إطارا جمعيا بمساحات التحوّل وسياقاتها، وتضع المدن العربية داخل إطارات متلبّسة بالعلل الثابتة الممتدة من ماض موغل في القدم إلى اللحظة الآنية

. فتأمل هذه العلل المشدودة إلى السياقات الحضارية يوجّه- بالرغم من الفروق الجزئية- إلى علل متشابهة، وكأن الرواية في جانب من جوانبها معنية بعلل الهوية العربية من خلال هذه المدن العربية المتمثلة في القاهرة ودمشق وبيروت.

فالمطاردة لأصحاب الرأي المغاير، والوشاية، والسلطة التي تراقب كل خروج يباين توجهاتها عن كثب، كلها جزئيات أساسية وفاعلة، تفتح الباب لأسئلة تتعلّق بالأماكن والمدن ودورها في تحديد المعرفة، والوقوف على طبيعة هذه المعرفة في اختلافها عن معرفة أخرى تمنحها المدن التالية مثل باريس واسطنبول وموسكو وبطرسبورج.

فالسمات أو العلل السابقة تتباين مع العلل الأخرى التي تبدو واضحة للعيان في المدن الأجنبية، فالرواية معنية برصد كل منطلقات التكوين المضافة إلى الأساس المثالي أو إلى كل هوية تحاول الاحتماء بمدى أو سياق إنساني عام، ليتكشّف للقارئ أنه إذا كان جوهر الرحلة انفتاحا على المعرفة وطبقات الإدراك، فإن المكان بثقافته المغايرة له دور أكثر وضوحا في حال المقارنة بين المدن العربية والأجنبية.

وإذا كانت المدن- عربية أو أجنبية- تقدم للشخصية الرئيسة/ البطل جوانب متباينة من المعرفة والوعي من خلال سمتها ورائحتها وتجارب وتكوينات الشخصيات المحيطة، فإنه يمكن للقارئ بشيء من التأمل أن يتوقف عند مشروعية الحركة من البداية من موطن البطل الأساسي (عمان) إلى باريس وانتهاء بكل المدن الأجنبية التالية، وحينئذ سوف يدرك أن الأسباب الخاصة بكل انتقال لم تكن كافية أو واضحة تمام الوضوح خاصة في لحظة الخروج الأولى من المهد العماني.

وهذا ربما يكون موجّها للقارئ نحو تلمّس خاص لوجود، أو لإيجاد وخلق حالة من المشروعية البنائية للنص، تتمثل في الاستجابة للكتابة بإلحاح فكرة خاصة، ووجود إطار معرفي مهيمن، حيث يشكلان حضورا كاشفا عن مشروعية بنائية.

فالانفتاح على العالم بكل تموجاته الفكرية والفلسفية كان منطلقا أساسيا للنص، فهناك في مقاربة الوجود الذاتي للبطل داخل أية مدينة- ولا سيما المدن العربية مثل القاهرة أو دمشق- هناك توقف دال وكاشف عن الأطر الفكرية الحاضنة لتوجه المجموع، مثل الحديث عن الوجود الفكر الاشتراكي في هذه اللحظة الزمنية، والإشارة إلى تغلغله لدى الشعراء أو الكتاب الذي انفتح البطل على عالمهم الفكري والإبداعي.

الانتقالات في هذا النص من مكان إلى آخر انفتاح على المعرفة ومحاولة اكتسابها، وإن ظلّت هذه النقلات وفكرة المطاردة المستمرّة في كل مكان تحتاجان إلى تبرير كاف ومقنع. وربما تجد حالات الانتقال والمطاردة تبريرها المقنع في محاولات الكتابة التي تظهر جلية واضحة على امتداد الرحلة والانتقالات، خاصة في باريس في الانفتاح على كتابة رواية أو قصص جزئية عن مصر وشخصياتها، أو في بطرسبورج في كتابة حوار متخيل مع شخصية (كريم) المصري.

الرحلة في ظل استحضار فكرة الكتابة محاولة للاكتناز، للوصول إلى تجلّ حافل بالدهشة، تقول الرواية على لسان البطل عن باريس (قد تكون الأقدار هي التي دفعتني إلى السفر إلى مجتمع غريب ومفتوح، ظنّا من أن الهواء الجديد سيحمل بعض الإلهام الذي فقدته في مكان آخر). فالكتابة والإبداع جزء من مشروعية الحركة والانتقال من مكان إلى آخر.

وثمة تبرير آخر لهذه الرحلة المتنقلة بين مدن عديدة، تتمثل في كونها رحلة متخيلة لمعاينة تطورات الذات، وفقدانها ليقينها المحدد الحاسم. فالرواية في الأساس قراءة باطنية لتطور ونمو وعي الذات، فحضور الذات أكبر من حضور المدن والأماكن، والاهتمام الأساسي يتعلق بالذات، تقول الرواية على لسان البطل أثناء سجنه في باريس (إن باريس دفعتني إلى التأمل، إلى النظر داخل ذاتي بعيون جديدة، بفضلها أعدت اكتشاف معنى الوطن والانتماء، ليس فقط إلى مكان أو شعب، بل إلى فكرة أكبر، إلى إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود واللغات).

الذات والمكان في النص الروائي منفتحان على بعضهما، وكل قسيم منهما يأخذ ويعطي، فهناك دائما وعي خاص بالذات تجاه الآخر المغاير الذي نظنه حرّا وإنسانا، لكنه في أحيان ليست قليلة، نجده عنصريا، على نحو ما يمكن أن نبصر في الممارسات العنصرية التي تعرض لها البطل ودلال في باريس، وتجذير مشابهة لهما بالخنازير. وهو تشبيه- وإن تكشّف بعد ذلك عن كونه مصنوعا- يوجّه نحو وجود مؤسس ومستقر داخل زاويا العقل الفرنسي أو الأوربي، ويمثل هذا الأمر أول زحزحة وزلزلة لفكرة الهوية الإنسانية التي تشكل الهدف أو المنطلق الأساسي للنص.

تشتغل الرواية في الأساس على محاولة فهم الواقع المرتبط حتما بفهم الذات، فالواقع طبقات متداخلة ومتراكمة، وكذلك الذات بتنوّع مصادر معرفتها متداخلة العناصر والتوجهات وشديدة التعقيد، وكل ذلك كان له تأثير على لغة الكتابة أو السرد. فاللغة في النص الروائي تومئ ولا تكشف، تشفّ لكنها لا تتعرّى بشكل كامل، تصنع إلماحات، لكنها لا تصل بك إلى يقين، تقول الرواية واصفة أيام البطل في اسطنبول، وكاشفة عن أيام ضبابية للوجود وغرابة الواقع، من خلال لغة استعارية حائرة بين اليقين الدلالي وفقدانه (الأيام هنا لا تمرّ، بل تتساقط كأوراق ساعة رملية مكسورة. الوقت لا يسير للأمام، بل يلتفّ حول نفسه كأفعى تلتهم ذيلها، أصبحت أرى نفسي كأنما انقسمت إلى شخصين: أحدهما يحاول الفهم، والآخر يخشى أن يفهم أكثر).

النص الروائي في ظلّ الاقتباس السابق نص يحاول رصد المتغيرات التي تلحق بالذات ومتخيلها النموذجي عن نفسها والعالم، فالحياة- في ظلّ طبيعة البطل المنفتح على المغامرة والاندماج بالآخر على تنوّع أشكاله- ليست أحادية خطية أو ساكنة، بل متحركة ومتعرجة، ومشدودة إلى كثير من الخروجات والنتواءات التي تهشّم وتزلزل اليقين الأولي.

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة