مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

غياب المسافة والاحتشاد المعرفي في كتاب نقد النقد من النقد الأدبي إلى تحليل الخطاب -عادل ضرغام

رجل يجلس أمام ميكروفون ويقرأ نصًا في مكان يحتوي على رفوف كتب خلفه.

        يستند كتاب الناقد المغربي محمد بوعزة (نقد النقد من النقد الأدبي إلى تحليل الخطاب) إلى مجموعة من المنطلقات التي تعاين وتقارب الموضوع المقترح، وربما يكون أوّلها ماثلا في قيمة المساءلة، لأن المساءلة حين ترتبط بالمنجز النقدي تمثل عنصرا من عناصر تأسيس الوعي بتجلياته المختلفة في سكونه وحركته، بالإضافة إلى كونها راصدة للعلاقة المتوترة بين الأنا والآخر الغربي، فتوتر هذه العلاقة يمثل السبب الأساس في تعدد التوجهات وتباينها، خاصة في ظل التوالد المتسارع للنظريات والمناهج دون أن يكون هناك فاصل زمني أو معرفي يسيّج الحدود بينها.

        وأعتقد أن المنطلق الثاني يتمثل الوعي الدائم بأنظمة وسياسات القوة والسلطة لكل نظرية، فالنظرية في منطقه ليست إطارا نقديا فارغا بل هي سياق وعلاقة مشكّلة منفتحة على السياسي والاجتماعي، وفي بؤرتها نوع من الهيمنة التي قد تتوارى أو تظهر بلقاءَ في عمليات المثاقفة وأطوارها المختلفة، وتتجلّى في إهاب من التفوّق والغطرسة. وهذا قد نراه ماثلا في المستوى الأول الكاشف عن تلقي النظريات والمناهج في الدرس النقدي، حيث تأتي محاطة بالنقل الحرفي المشفوع بالتقديس. وهو مستوى خاص بالنقل أو الاجترار، وتظهر فيه علاقات التفاضل والتراتب، وتتشكّل في حدوده التبعية من جانب، والهيمنة الثقافية من جانب آخر.

        نفور بوعزة من المستوى الأول في تلقي النظرية القائم على النقل، جعله يؤسس لفكرة الوعي النقدي التي تحمل مساحة من التفكير في كل أنظمة القوة والهيمنة المعرفية، وإعادة النظر والمراجعة لصورة الذات في مقابل صورة الآخر، وخلخلة موضعها من الدونية إلى المساواة. فإعادة المساءلة انطلاقا من سياقات حضارية مختلفة باب لتشكيل المغايرة، وطريق للتعاظم على أية نظرية واستدامتها فاعلة خارج حدودها وثقافتها. المساءلة حضور لقدرة الذات وبعث لخصوصيتها وحقها في إعادة تشكيل ملامح أية نظرية، والمساءلة تمثل مساحة من الفعل والتأثير بعيدا عن الانفعال والارتباك أمام أسسها اللامعة، لأنها تفتح الباب لإسهام الفكر العربي داخل النظرية في سياقها العالمي بالتحوير والتعديل.

        المساءلة نوع من المراجعة، لأنها تولّد أرضية فكرية مختلفة، لا تقوم على التسليم بقدر ما تقوم على النقاش والأخذ والعطاء، خاصة في ظلّ اعتماده واتكائه على ملابسات وظروف الإنتاج والتلقي في الآن ذاته. ترتبط المساءلة بالوعي النقدي وحتميته، لأنها تجعلنا في مواجهة مصيرية ضد الذات وضد الآخر، وتسمح برصد مدارات الإضافة والإسهام في استلاد شكل دينامي غير مشدود للثبات أو الاستقرار. فوعينا بالأشياء ووعينا بذاوتنا وبالآخر وعي زئبقي، لا يكف عن الحركة والانتقال.

        يلحّ الكتاب في ظل هذه المساءلة على تأطير واع بالنظرية وآليات اشتغالها، لأن الاشتغال قائم على الدمج والتداخل بين النظرية والممارسة، أي لحظة الفعل والانفعال، وهذا مكّن بوعزة من إعادة القراءة والمعاينة وفق توجهات تبدو مثالية منفتحة على مجمل النظريات أو المناهج. ومن هنا تتأسس للكتاب قيمة مضافة، بعيدا عن الكتب العديدة التي تضع موضوع نقد النقد ضمن أهدافها. فالكتاب يقدم قراءة واعية لهذا الفرع أو التخصص، يعاين بداياته ونموه، ويرصد تطوره في تبايناته العديدة. يرتبط الكتاب بالمراجعة والتعاظم ضد التسليم وقداسة النقل من الآخر.

        يرصد الكتاب ويقدم الوعي الفائق الذي ولدَ وتأسس، واكتسب أصحاب هذا الوعي قدرة معرفية تجعلهم قادرين على الحركة في مسارب يعدّونها ويصنعونها بأنفسهم بعيدا عن التقليد والتبعية للمناهج الغربية. وهذا لم يتحقق لحظيا، بل بالتراكم في الفعل والإنجاز، وهذا لم ولن يحدث إلا من خلال سبيلين: الأولى منهما ترتبط بالوعي بهذا القادم من ثقافة أخرى، والأخرى ترتبط بمدى ملاءمة هذا القادم النظري أو المنهجي في معاينة السياقات الحضارية العربية، وأنساق ثقافتها.

الاحتشاد وهيمنة المعرفي

        يتجلى لقارئ الكتاب أن هناك تأملا  مستمرّا للخطاب النقدي، ومعاينة مدى اقترابه أو ابتعاده من السكون والتسليم وانفتاحه في المقابل على الحركة. فهو مجال لا يكفّ عن طرح الأسئلة المشدودة إلى الوعي المتحرّك. فمنجز بوعزة في الكتاب يتمثل في التعاظم على الوعي السكوني الذي يرضى بما تقدمه النظرية في وجودها المتعالي فوق الأجناس والثقافات. في الكتاب استناد إلى وعي حركي يُبنى بالتدريج، لكي يغيّر ملامح النظرية أو المنهج، أو يجعلها- على الأقل- تتغير وتتحوّر إطاراتها طبقا لسياقات وأنساق كل ثقافة.

        يتوجّه نقد النقد في الكتاب نحو تأمل الإسهامات النقدية، وهو- لطبيعته المراجِعة والمتساءِلة- يعيد النظر فيما استقرّ من أساليب وإجراءات، ويراجع آليات وخطوات استخدامها نظريا ومنهجيا، ويراجع خصوصية تعالقها بالنصوص، وجدوى اختيار توجّه دون آخر. فنقد النقد بوصفه إطارا معرفيا لا يقف عند معاينة المنهج في مقاربة النصوص، لكنه يعنى أيضا بإعادة النظر في الدلالات المقترحة والتأويلات، وكيفية الوصول إليها بتفعيل الإجراءات والمنطلقات، لأنه- أي نقد النقد- ضد التسليم وضد السكون، وربما تشكّلت له هذه الحركة المزدوجة بتأثير طبيعته المعرفية.

        هناك نوع من الكتابة لديها هذا الميل إلى الاحتشاد، وكأن كل منجز كتابي جديد أو إصدار يحمل صورة كلية لحركة المعرفة داخل الذات وطبيعة امتصاصها وظهورها في المنجز الكتابي. في ظل هذا التوجّه نرى صاحبها يقدم كلّ ما لديه في معاينة أي موضوع أو قضية، ويشكل لنفسه السياق المنطقي الكاشف عن مشروعية التورّط في هذا الاحتشاد، وعن قيمة هذا المنحى في الكتابة والإفضاء بمساحات التكوين على امتداد مداها الزمني. فمن ينتهج هذا النمط من الكتابي، لا يعتني بموضوعه فقط، لكنه- فوق ذلك- حريص على تقديم سيرة معرفية لذاته، يؤطر فيها لمراحله وانتقالاته المعرفية.

        يدرك القارئ بالتدريج أن خلف هذا الرصد المتأني والمحتشد في كتاب بوعزة رصدا ذاتيا للقناعات والتبدلات، فما نقوله في معاينة أعمال ومنجز الآخرين موجّه- قبل أن يوجّه إليهم- إلى ذواتنا. فمنجزهم ومنجزنا يشيدان وجودهما- بالرغم من الفروق الفردية- داخل سياق واحد مملوء بالتوتر والإكراهات التي نشعر بها، ويعانيان الإشكاليات ذاتها التي تصاحبنا على الدوام. ومن هنا يمكن إعادة النظر في هذا الشكل الاحتشادي في الكتابة، والقدرة الفائقة على صناعة سردية لتمرير الفكرة عند محمد بوعزة.

        قارئ الكتاب سوف تلفت نظره الآليات المستخدمة بشكل دائم ومتكرر، في محاولة الاقتراب من منجز الآخرين، فهناك ظواهر بالغة الدلالة على هذا المنحى، مثل تمسكه بصناعة سردية معرفية، حتى ولو بتكرار الفكرة داخل الفصل الواحد بأشكال مختلفة، أو بتكرارها على مسافات متباعدة، وبتجليات تظهر مختلفة في كل فصول الكتاب، لكنها عند التأمل الدقيق تحتمي بجذر معرفي بالرغم من تعدد صورها وتجلياتها.

        من الظواهر الدالة على الاحتشاد في مقاربة الموضوع، جنوح بوعزة في كل مسألة أو قضية إلى استقصاء كلّ ملامحها، وأشكال تحققها، حتى لو كان لا يرضى عنها، ولا يضعها في خياراته وانحيازاته الفعلية. ولكن هذا التوجّه الاحتشادي- وإن كان له أثر إيجابي يرتبط بموضوعية المعرفة والعرض والاستقصاء- يمكن أن يكوّن منحى سلبيا تجاه الإسهامات المختارة، فهذه الإسهامات لا تطلّ بشكل صارخ أو واضح، لكنها تتجلّى من خلال وسيط مملوء بالمعرفة التي يمكن أن تكوّن حاجزا يمنع تجلّى الإسهام المنجز في صفائه وحضوره، فالوسيط المعرفي قد يغيب الحضور الحرّ لهذه الأعمال، ويجعلها مرهونة بهذا الوسيط وبمعرفته.

        إن الدور المعرفي الذي يقدمه بوعزة في كتابه يفصح عن نفسه عبر مظاهر عديدة، أهمها المقدمات أو البدايات التي يمكن أن ننظر إليها بوصفها لبّ صناعة السردية النقدية، وتوجيه الحركة. ففي البدايات التي تسبق الفصول- أو المباحث داخل الفصول- هناك خلق وصناعة سياق للقراءة والتوجيه، خاصة البداية التي تسبق الفصل الخاص بكتاب سعيد علوش (عنف المتخيل في أعمال إميل حبيبي)، وفي فصول أخرى بالضرورة. في هذه المقدمات هناك تهيئة وصناعة سياق للتلقي والقراءة، وفيها نوع من الاستباق، وربما نوع من الإحاطة الكاشفة عن القدرة والتوجيه.

        من الجزئيات الدالة على النسق الاحتشادي في الكتاب جزئية النمو البطيء للفكرة، وهذا النمو الجزئي للفكرة الذي يعاني نوعا الحركة المتأنية المشدودة للاستعادة، يجعل تقديمها إلى القارئ محاطا بشبهة التكرار، أي تكرار الفكرة بأكثر من صيغة بنائية. لكن المتأمل لهذا النسق البنائي يكتشف أن داخل هذا التكرار إضافة يتمّ بناؤها، فالأمر في مثل هذه التكرارات أو الإعادات، خاصة في الجزئيات المرتبطة بالإشارة إلى توجّه سلبي لا تقف عند حدود البلاغة أو الصياغة، فهناك بناء متنام للفكرة، لكنه نمو مقطّب بالإضافة المتدرجة.

        وقد يوجهنا الاحتشاد المهيمن على المقاربة إلى الطبيعة الإنجازية لمقاربة الموضوع، فالكاتب مهموم برصد كل الجزئيات دون أن يوجّه خطته نحو أفق بنائي خاص يجعل إسهامه شديد التحديد. فقد يشده الحديث عن جزئيات عديدة مبتعدا عن الهدف المرجو الخاص بالكتاب موضوع الدراسة، مثل تغوّله في الحديث عن أثر السرديات في البنية الثقافية العربية، ومدى تفعيل آلياتها الاختزالية في التطبيق أثناء حديثه عن كتاب عبدالرحمن مودن (الرحلة المغربية في القرن التاسع عشر)، ثم عودته إلى الحديث عن أساليب التفاوض التي تنتهجها كل ثقافة مهزومة في مقابل الثقافة المنتصرة، مثل المؤلفات التي تعنى بالحكاية التراثية، أو الخبر، أو التراث السردي، وكأن هذه العناية تشكّل عملية استقواء ضد المنجز أو المؤسس الاستعماري الفني القادم.

        كل هذه الخروجات المحتشدة التي يمكن أن تكون مقبولة بسبب التعالق الموضوعي، أو الرغبة في نقل المعرفة تبدو في أغلب الأحيان إطارا لتمرير الرؤية النقدية. في بعض الأحيان يخايل القارئ أن (بوعزة) يقدم للقارئ كل ما عرف أو أدرك، وكأنه يقدم نصّا جامعا في مجال اشتغاله وارتباطه بموضوعه. فالقارئ يلمح هذا الهم الذاتي الذي يعنى بتثوير وعي المتلقي بكل جزئية يتطرّق إليها، ويقاربها من كل مناحيها باحتشاد لا يفترّ، وبوعي فارق، ولكن هذا الاحتشاد- على قيمته- يفقده الوصول إلى معاينة الجزئية البارقة، فإذا كانت كل الجزئيات صغيرة وكبيرة حاضرة على هذ النحو، فسنصل إلى نسبة بريق كلية متوسطة، لا تؤدي إلى وجود برق خاطف في جزئيات محددة.

        البحث العلمي موكل بالجزئيات البارقة اللافتة التي تعطي شعورا بالمغايرة في اللمعان والضوء والبرق. ما أعنيه هنا يتمثل في أن عناية بوعزة بكل الجزئيات في المقاربة التفصيلية لكل كتاب تطرّق إليه، لا تشده نحو اختيار اللقطة الكاشفة شديدة الخصوصية، أو اللقطة الشعرية التي يجب الوقوف عندها والحفر لمقاربتها، للوصول إلى جزئية تشكل مناط اهتمام، ويمثل الوقوف عندها باحتشاد خاص كشفا وإضافة. فمن يصرّ على إضافة كل غرف منزله بذات الضوء، يفقد في غمرة أصراره واحتشاده، القيمة التي يوجدها توجيه الوهج نحو غرفة واحدة أو ركن وحيد.

        في حديثه عن جزئية شعرية السرد الرحلي في كتاب عبدالرحمن مودن (الرحلة المغربية في القرن التاسع عشر) هناك اهتمام خاص بكل الجزئيات، المهم منها وغير المهم، مثل إشكالية التجنيس، في تطابقها واجتراحها لمعاييرها، ووضعية السارد في النص الرحلي وتوزعه بين كونه ساردا ومسرودا عنه. وأعتقد أن هذا الاحتشاد على امتداد صفحات الكتاب لا يشكّل إلا إيمانا كاملا بالدور المعرفي الذي يأتي أساس المقاربة في مجالي النقد ونقد النقد في منطق بوعزة.

        في كثير من الأحيان لا يوجّه عنايته نحو الكتاب موضوع المقاربة في حدوده العلمية، بل يجعل موضوع الكتاب مدخلا لتقديم إطار معرفي عام. وهذا التوجّه قد يفتح مقاربة (بوعزة) دائما على المثالي، ويجعل مقاربته وثيقة الصلة بالمثال أو النموذج، فمنجزه في هذا الكتاب أو حفره الذي لا يكل متورط بالصورة المثالية لمقاربة الأشياء. وحضور الصورة المثالية لمقاربة الأشياء، قد تبعد الناقد أو المقارب عن المنجز الواقعي بالفعل، بل يمكن الزعم أنها- المقاربة المثالية للأشياء- تجعله لا يرى هذه الأشياء رؤية حقيقة، فهي رؤية أقرب إلى المتخيل الممسوس بتنويعات سابقة.

        إن التشكّل النصي الذي يأخذ ويعطي في علاقته بالنظرية والمنهج- وهي فكرة مهمة داخل تكوين بوعزة المعرفي- لم يتحقق بشكل كامل في معاينته لهذا التشكل، نتيجة لانشغاله بالدور المعرفي، لأن هذه المشاركة والإصرار على وجودها في كل لحظة قد تحدث نوعا من اهتزاز المعاينة، وتجعلها مؤطرة بمسافة أو غياب ما. فهذا الاحتشاد يصنع حالة من حالات التماهي المعرفي مع أفق أو آفاق النص، وليس النص النقدي بحد ذاته.

وهنا يتحوّل المنجز الكتابي في نقد النقد، إلى أداة مثيرة لخلق هذه المقاربة التي تتجلّى على نحو خاص في كتاب بوعزة، بالرغم من أن هذا التماهي يمكن أن يكون حاجزا رهيفا، في إدراك مقاربات نقد النقد موضوع  الاشتغال والمقاربة في وجودها العيني، وكأن مقاربة بوعزة تحرّك المنجز من وجوده العيني المتحقق، إلى وجوده المثالي المتخيل تحت ضغط الإضافات والاستطرادات، وتحت تأثير العناية بالدور المعرفي الذي يحققه الكتاب في سياقه الثقافي العربي بامتياز.

إن مقاربة بوعزة في ظلّ هذا الاحتشاد لأي موضوع أو أية فكرة مقاربة متأنية، لأنها تقلّبها على وجوهها العديدة، وهي تطل دينامية وغير منحازة، وتضع في أساس وجودها فكرة المساءلة لكل يقين مؤسس، ولا تسلم قيادها للانتظام الشكلي داخل أية مقاربة سابقة. فهي مقاربة منحازة للشك وللمراجعة وإعادة النظر، وإن تأثرت بسبب احتشادها وزيادة عدد التساؤلات دون تفعيل أو اختيار بعضها للتشغيل والتمكين.

غياب المسافة ومركزية الهامش

        يمثل هذا الكتاب نقلة مهمة في مجال الاشتغال على نقد النقد، ولكن القارئ للكتاب يدرك أن هناك غيابا للمسافة بين النقد الأدبي ونقد النقد، وأن النقد الأدبي باتجاهاته ومناهجه ونظرياته- وهذا به نوع من المشروعية- يمارس تأثيرا وحضورا كبيرين على منجز نقد النقد. وتجلّى ذلك في استراتيجيات الترتيب والتنظيم داخل الكتاب مثل البدء من الأيديولوجيا بوصفها صدى ماركسيا للدراسات الأدبية والنقدية في الفترة الأولى.

        غياب المسافة بينهما يؤدي إلى نوع من الإرباك وغياب الخصوصية التي يستند إليها نقد النقد. وفي ظلّ غياب المسافة يحدث نوع من توازي المنطلقات والإشكاليات ذاتها. وفي ظني أن نقد النقد عليه أن يشتغل على أسس تتواري فيها المنطلقات الأساسية المنهجية لكل منهج أو توجّه، بحيث يكون هناك بحث أو توليد لمنطلقات جديدة. يكشف عن ذلك أن كتاب (بوعزة) يظلّ في حركته النامية متساوقا مع الخطاب النقدي تابعا له ومشدودا إليه، وكأن به نوعا من النشأة سابقة التجهيز.

        في البداية مع كتاب الهواري أو مع كتاب نبيل سليمان نجد أن هناك حضورا للأيديولوجي في مقابل غياب المعرفي أو النسقي، ويتبع ذلك- في كتاب بوعزة- وعي فائض بالتنبّه لهذا الأمر، ومن ثم يتمّ البحث لتأتي الحركة التالية مشفوعة بالجدل بينهما، أي بين المعرفي والأيديولوجي، ويجد ضالته في كتاب برادة عن مندور. فالمنهج أو المنهجية تعدّل من نفسها ومن إجراءاتها تدريجيا، ويتابعها بالخطوات ذاتها نقد النقد. والأكثر إفادة في هذه السبيل ليس التركيز على حركة النقد وتنقلاته ومناهجه، وإنما يمكن التركيز- ما دمنا مؤمنين بفاعلية وحتمية المثاقفة والحوار في وجود مغايرة منهجية- أن نتوقف عند آليات الاختلاف والإضافة والتساؤل والمراجعة في كل منهجية نقدية، وقيمة هذه الإضافة في توطين مقاربة شبيهة ومغايرة في آن.

        يحتاج الأمر إلى مساحة ابتعاد عن النقد الأدبي، بالرغم من كونه- أي نقد النقد- داخلا فيه، ومشابها له بوصفه ممارسة تُبنى على الخطاب أو الخطابات النقدية. غياب المسافة هنا كاشف عن التداخل الحتمي من جانب، ومن جانب آخر يكشف عن تماهي المنطلقات وذوبانها، ومن هنا كانت الحاجة تتطلّب بناء أسس وإجراءات تتساوق مع كل مرحلة زمنية، تحركها الثقافة في وجودها العام، وتؤسس لها وضعا يكيّف علاقاتها بالثقافات الأخرى.

        إن مقاربة بوعزة في هذا الكتاب لمنجز النقاد في مجال نقد النقد، لم تستطع أن تتحرّك حرة في ارتياد رؤاها، لأنها ظلت معنية بالحركة داخل الإطار ناقدة إياه مشيرة إلى سلبياته وارتكاساته بشكل رائع. ولكن الحرية التي كنت أتمنى وجودها تتمثل في صناعة الإجراء أو الإجراءات الخاصة لهذا التخصص التي يجب أن يؤسسها لنفسه، لكي يتنفس هواء غير مستخدم. فنقد النقد عليه أن يبحث عن فرادة إجرائية، ليس لها صفة الثبوت الدائم، وإنما فرادة مرحلية من لحظة زمنية إلى أخرى، ومن ناقد إلى آخر، فرادة تتشكّل من الهدف، وتتجلّى داخل مجال الاشتغال في أشكال وتحويرات مختلفة.

        حتى بعد الانتهاء من البنيوية التكوينية ومساحات التفاوض بين البنيوي والسياقي أو الثقافي الحضاري، لم تتوقف الحركة اللاهثة في تشكّل الوجود الظلي لنقد النقد في متابعته انتقالات وارتحالات النقد الأدبي. ففي مقاربته لكتاب الدغمومي (نقد الرواية والقصة القصيرة بالمغرب) نلمح هذا الوجود الظلي في العناية بالصيحات الجديدة أو الموضات في النقد الأدبي، مثل نظريات ومناهج تحليل الخطاب، ودراسات الحجاج، ونقد الأفكار الأدبية.

مغايرة الإنجاز المتوالي لنقد النقد في كتاب بوعزة- وإن كانت مغايرة إجرائية منهجية- لم تسلم من فكرة التعاقب الزمني، مما يجعلها مشدودة كأنها ظلّ على بعد مسافة بسيطة من النقد وخطابه. فهناك في كل جزئيات الكتاب حركة كاشفة عن تبعية، بداية من التنازع بين الأيديولوجي والإبستمولوجي، ومرورا بمنهجيات الدور اللغوي من خلال البنيوية، وانتهاء بنظريات الخطاب، وكأننا أمام بنية تلازمية في المنطلقات والإشكاليات تجعل نقد النقد ظلا للنقد، وتزلزل أية خصوصية منتظرة لهذا التخصص.

أعتقد أن محاولة الدغمومي التي تطرّق إليها بوعزة، في بحثها عن العناصر المشتركة التي تكوّن وتشيّد إطارات عامة في خطابات نقد النقد، محاول جادة، لكنه في بحثه عن مساحات التفرد لنقد النقد أعاد نفسه لمساحات التشابه، وذلك من خلال التقسيمات التالية: خطاب النقد، وخطاب نقد النقد، وخطاب التنظير الأدبي، لأن هذا التفريق بالرغم من كونه يفترض المغايرة يضعنا وجها لوجه أمام مغايرة شكلية، فسرعان ما نجد أنفسنا إلى منطلقات واحدة تتغير هيئاتها السطحية. بالإضافة إلى أن ما يقدمه الدغمومي أقرب إلى التقعيدي المعياري، ويبتعد عن إضافات وتحويرات الممارسة التي تفتح الباب للإضافة والحوار.

الخروج من أزمة التقعيد لدى الدغمومي لا يتمّ- كما يرى بوعزة- من الانتباه للشاذ الهامشي البعيد عن النسقي المركزي، وإنما بتبني انفتاحية غير مشدودة للثبات، وهذه الانفتاحية توجهنا نحو صناعة النسقية المرجأة التي تظلّ ناقصة دائما، وتظلّ بحاجة إلى استمرارية الإضافة والتحوير والتعديل. ويبدو أن نهج تودروف يمثل تصوّرا مقبولا، في اقترابه من الخطابات النقدية دون نموذج تقعيدي يستند إلى العلمية، وإنما تأتي مقاربته محمية بإجراءات مرنة يتم استيلادها، وتطويرها وتطويعها استنادا إلى كل حالة نقدية بوجودها الخاص المفرد. فلابد أن تكون هناك منطلقات تكيّف هذه الإسهامات النقدية، وتعاين مساراتها.

        ثمة منطلق أساسي في فكر بوعزة النقدي في هذا الكتاب، يطلّ واضحا في كل مقارباته لجزئيات موضوعه، يتمثل في مركزية الهامش، فمأخذه الجاهز على كثير من الإسهامات في مجال نقد النقد، يتوجه دائما حول إهمال الهامش، ويجيد في كتابه تفعيل وتدوير هذا المأخذ وتحويره، لكنه في كل مرة- أي الهامش- يتشكل وفق طبيعة الاهتمام بالمتن، كما وجدنا عند أحمد بوحسين في كتابه عن طه حسين، أو في سياق الاهتمام بالنسق كما ظهر في تناوله لكتاب الدغمومي، في محاولته الوصول إلى كليات تقعيدية عليا، يتوارى في داخلها كل مغاير أو مقلق لسلطة وديمومة النسق وفاعليته.

        في كتاب بوعزة اهتمام خاص بهذا الهامش الذي يشوّش النسق أو المتن، فهو دائما يشير إلى قيمة هذا الهامش الذي يحدث اضطرابا داخل المتن، وتنبع قيمته وتتشكل وتتجلى في احتمالية التأثير على الكلية النسقية، ومن ثم يكون قادرا على إحداث تعديل في هذا النسقي أو المتن، أو على الأقل يسهم في توسيع مساحة اشتغاله، أو افتراضاته، حتى يشمل هذه العناصر الهامشية التي تخرق سطوته، فتجعله يعاين منطلقاته وتخلخل ثباته، وتعطيه نوعا من المرونة.

        وقد ظهر ذلك واضحا في تناوله لكتاب الدغمومي (نقد الرواية والقصة القصيرة بالمغرب)، فمع إشارته الإيجابية بتوجّه الدغمومي في عدّه الخطاب النقدي داخلا في منظومة أكبر تتمثل في الثقافة، نجده يأخذ عليه توجهه نحو الثقافة العالمة أو المتن الثقافي (في الفكر والأدب والنقد). وفي منطقه أن هذا التوجّه لا تحظى الثقافة الشعبية في منظوره بأية أهمية، بالرغم من كونها- والواقع يكشف ذلك- مكوّنا مهما من مكونات التعدد الثقافي في الثقافة المغربية.

        يتجلى حضور قيمة الهامش في توسيع أفق النظرية لو تمّ الاهتمام به، حتى في الجزئيات أو الفصول التي يشعر فيها القارئ بانسجامه مع المقاربة النقدية- وهو قليلا ما يحدث- كما يمكن أن نجد في حديثه عن كتاب سعيد علوش عن إميل حبيبي، فقد ظلّ إهمال الهامش أو العناصر الصغرى التي تتحرّك على هامش البنية التي تشكّل متنّا مدخلا لإعادة الاشتغال على هذه الملحوظة، بالرغم من اتساقه مع الكتاب وقدرة صاحبه على التخلص من الوقوع في إغواء البنيوية ذات المركز المغلق.

        مأخذ بوعزة يرتبط بتراتب البنيات المركزية والهامشية، وهيمنة المركزية وفق رؤية كلية، تغيّب قيمة البنى الصغرى المصاحبة، ويبدو الأمر أو المأخذ نفسه واضحا في رصده لكتاب زهور كرام، في حركة كتابها داخل النسق البنيوي، وابتعاده عن سياقات المرجع. ففي منطقه أن الدينامية النقدية تستلزم القيام على رصد التفاعل أو طبيعته بين المرجع والنص، أو بين الواقع والتخييل. فأي خطاب يعتمد على أنظمة معرفية إبستمولولجية وأخرى سياقية حضارية، وكل طرف منهما مشدود للآخر، ويحتوي على شيء منه، والتركيز على واحد منهما بوصفه نقطة الانطلاق، لا ينفي ظهور الآخر أو يغيّبه، حتى وإن كان وجوده هامشيا أو متواريا أو مقموعا وفق تراتبية المتن والهامش بسسب عمليات الصراع أو التوتر بين الأيديولوجي والمعرفي.

        وعناية بوعزة بالهامشي وقدرته على التعديل والتحوير ترتبط بنظرته العليا نحو عملية المثاقفة، وطبيعة وقوف الثقافات لحظة المواجهة والتلاقي، ووقوفها في البداية على بساط يفترض التراتب بين الأعلى والأدني، وهو وقوف يتساوق مع النقل والثبات، أو وقوفها بعد بناء وعي خاص بهذا الجديد القادم على بساط واحد متساو، يفعّل آليات الحوار والإضافة والتعديل.

           يأتي نقد النقد في ظلّ هذا الفهم بوصفه محاولة لزحزحة الثبات والخروج من التبعية، بإحداث مساحة من الحوار مع الآخر وثقافته، فهو وعي يحاول التملص دائما من النقل الحرفي. والاشتغال على نقد النقد لا نجده غالبا إلا لدى أناس مشغولين بفكرة المساءلة لتأمل المنجز النقدي العربي في مداه الطويل. وفي ظل ذلك، وفي ظل طبيعة النظر إلى كتاب بوعزة، نجده يلحّ إلحاحا متزايدا في كل جزء من الكتاب على آليات المثاقفة، ففي رأيه أن النقل من الآخر أو الارتباط بمنجزه يجب ألا يغفل الأشكال التفاوضية التي تؤسس لتشكيل الهوية والمغايرة والاختلافات الثقافية التي تلازم حتما عملية المثاقفة، وتكشف عن تقابلات وثنائيات. فوضع النظرية على محك المساءلة- في منطق بوعزة- يمثل التجسيد العملي للوعي النقدي الذي لا يكتفي بالتقليد والاستهلاك، وإنما يتجاوز ذلك إلى التوليد والانتاج الأصيل).

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading