قصيدة النثر النسوية/ عادل ضرغام

من أين تأتي مشروعية أن يكون لدينا عنوان كهذا العنوان؟، حيث يحمل العنوان وجود تصنيف للفن على أساس الاختلاف الجنسي أو البيولوجي، بالرغم من كوننا نتحرك في إطار فن لغوي، يستوي فيه الجنسان. فالعنوان يحمل تخصيصا دقيقا داخل تخصيص أول، فيجعل لقصيدة النثر النسوية وجودا مختلفا، داخل تخصيص أكبر يفترض أن ثمة مغايرة بين الإبداع الذكوري والنسوي. وهذا تصور على مشروعيته لا يخلو من أخذ ورد وشدّ وجذب، وتوزّع بين الإيمان بمشروعية وجوده وتحققه، والإنكار والرفض اللذين يعارضان التفريق في الفن على أساس بيولوجي.
لا أعتقد أن تصوّر موضوع كهذا يمكن أن يكون حاضرا في الذهن بخيوطه العريضة وإطاراته، فضلا عن اكتمال رؤاه الفكرية والمعرفية، فمسألة حضور الجنس البيولوجي في الإبداع الأدبي ظلت محل إنكار قوي خاصة من الأديبات، شاعرات أو كاتبات سرد قصصي على تنوّعه. وهذا الإنكار جاء تحت سطوة التفكير في المساواة وفرارا من التمييز الذي يفرقن منه، والإيمان بأن الآداب والفنون ظاهرة إنسانية يتساوى فيها الجميع. ولا أظن أن هاتين الفكرتين أو الدافعين محل نقاش، فكلاهما شيء بدهي، يؤمن به الجميع.
لكن الأمر لا يعدو أن يكون رصدا لنسق إبداعي تتكوّم فيه مجموعة من السمات الكاشفة، بدرجة تحقق مغايرة عن السائد والمؤسس في إبداع آخرين. الكتابة أو الممارسة النقدية هنا لا تعوّل على الجنوسة البيولوجية، بقدر تعويلها على رصد سمات فنية، تبيّنَ حضورها بدرجة من الحدّة التي تستدعي رصدا، أو تتطلّب وقوفا خاصا أمامها، يفترض مشروعية في التركيز عليها، والعمل على كونها مرتكزات دالة لوعي مغاير، يوجّه نحو الاهتمام بمقاربتها، على أنها قد تشير إلى فوارق فنية وظواهر وآليات مقاربة إبداعية تؤسس لاهتمام إبداعي به الكثير من الخصوصية.
الأمر في النهاية لا يرتبط بالوصول إلى جماليات أو آليات شعرية ترتبط بجدل النوع البيولوجي أو الجنسي، للوصول إلى محاولة تجنيس لهذه الآليات وفق تقسيم جندري، لكنه يرتبط بالكيفية التي تتأثر بها هذه الجماليات وهذه الآليات بالاختلاف النوعي، لأن هذا الاختلاف يجعلها تتجلّى بشكل مختلف، قد تكون أكثر حدّة وعمقا، وقد يلحق بهذه الآليات أو الجماليات الشعرية تنويعات خاصة أو تلوينات تشير إلى ارتباط ما بالنوع، أو قد تزداد بشكل لافت للنظر والمعاينة. بمعنى أن هذه الآليات في الشعر النسوي قد تميل إلى تأكيد وتوليد مواقع خاصة للمرأة، مواقع مجابهة للسائد أو المستقرّ، تصنّف بوصفها ردّ فعل على الإرث التاريخي للتقزيم والانتهاك.
ما نبحث عنه في هذا الكتاب يتمثل في محاولة الكشف عن الأشكال والأنساق الفنية التي واكبت ظهور قصيدة النثر، وتأثير ذلك على المنجز الشعري لديهن. وهذا الكشف يتأسس على الحرية الفنية التي تمنحها هذه القصيدة أو هذا الشكل، وعلى الحرية المؤسسة- بوصف تجاوبهما فعلا من أفعال التجاوب والتضافر الذي لا يفصل بينهما- على الخروج من القمع النسقي الذي ظلّ حاضرا لأزمنة طويلة ممتدة موغلة في القدم والثبات.
إن ما يؤيد مشروعية التوجه في تبرير الاختيار، وجود مساحة من توحّد الاهتمامات وتجانسها، في التوجه نحو موضوعات محددة، الرغم من فروق واضحة في طبيعة النظرة وآلية المقاربة الإبداعية بين الشاعرات. وسوف يتجلى ذلك واضحا حين نرصد مساحات الاهتمام في شعرهن، فهناك في منجزهن توقف لا يخلو من دلالة أمام الجسد، بوصفه نقطة تعلّق تثيت التميّز، وتقاوم نظرة الحيف والظلم القاصرة في الآن ذاته، لأنها نظرة ما زالت تعتبر الجسد أداة جنسية، موجودة للآخر، ومن أجل متعته، وليست لخصوصية الذات المنتمية إليه.
ربما تكون أولى الجزئيات التي تجعل هذا العنوان مشروعا ومبررا بصورة واضحة التجلي في اللغة، أو في الكيفية التي تستخدم فيها الشاعرات اللغة، فاللغة في هذه الدواوين وسيلة مقاومة وتعاظم، بالإضافة إلى كونها وسيلة تعبير. ففي ما يقدمنه من شعر هناك بالضرورة تعاظم يصل إلى حدّ المواجهة ضد السرديات التقليدية، بتقديم وجهة نظر مغايرة تنتصر لخطاب المرأة، ولبعض الشرائح المشابهة المهمشة، فكأن هناك عقد أو إقامة اتصال بين خطابهن وخطاب هذه الشرائح الموازية التي تعاني ضغوطا وتهميشا ما.
إن لغة الشعر- وأي فن آخر- ليست وجها جماليا فنيا فحسب، بل هي في الآن ذاته أداة لكشف الأيديولوجيا والتحيزات والتراتب التي تحدث، وتترسّب بين النوعين البيولوجيين الذكوري والنسوي. في أي خطاب- فضلا عن الخطاب الفني في تنوّعه- تترسّب هذه التحيزات الحاملة والمشكلة لطبيعة النظرة من كل نوع إلى الآخر. وفي ظلّ ذلك يبدو الحديث عن مساحة اختلاف تخوّل لنا هذا التصنيف بحثا عن خصوصية مبررا ومقبولا، فطريقة تمدد النص الشعري، وطريقة سرد القصة أو الرواية تعدّ- بعيدا عن الجماليات الفنية توجها أيديولوجيا، فالأدب كما تشير إحدى الباحثات- يمكن أن يصبح ساحة لصراعات القوة في علاقاتها بفئات اجتماعية متنوعة، بما في ذلك العرق، والانتماء العرقي، والطبقة، والجنس، والفئة العمرية، وغيرها الكثير).
إن نظرة متأملة إلى النصوص التي كتبت بواسطة المرأة المبدعة، تكشف عن مشروعية هذا التصنيف، خاصة إن إشكاليات كتابة المرأة، ربما تخضع لهذا الصراع الدائم بين الهيمنة وتسويغ التبعية ومقاومتهما، وجماليات الهيمنة بالضرورة مختلفة عن جماليات المقاومة، أو تجعلها تتجلّى- على الأقل- في كل قسيم بشكل مغاير. وفي سياق ذلك يكشف الأدب المنتج بشكل عام عن (الكيفية التي يُمكن من خلالها أن يصبح الأدب أداةً للهيمنة والتحرر في آنٍ واحد. وهكذا، لا يزال الأدب ساحةً لصراعات السلطة المستمرة لتجسيد الصلة الراسخة بين الجماليات والأيديولوجيا. في هذا السياق، يُعدّ النقد الأدبي النسوي بالغ الأهمية، إذ يُمثّل ثورةً سياسيةً وأدبيةً ناضلت لمحاربة تهميش المرأة في المجتمع، وللحصول على حقوقٍ متساوية).
والسؤال الذي تحاول هذا المقال الإجابة عنه، يتمثل في الكيفية التي تتعالق بها الكتابة الشعرية مع سمات أو توجهات جندرية، سواء بالتوجه نحوها بشكل واضح لإظهارها وتثبيتها بشكل جلي، أو بمحاولة التنصل والتفلّت منها لمحوها والقضاء عليها. فالإثبات والمحو في الكتابة الشعرية جزء أساسي لمحاولات التجذّر أو الهروب ارتباطا بالإطار الذي ينتمين إليه، وفي كلتيهما يتحوّل الجمالي إلى جندري، والجندري إلى جمالي.
النساء المقموعات والمحرومات على مرّ التاريخ من كتابة الشعر أو استظهار كتابته، لديهن هذه الرغبة في التحقق، في كتابة أنفسهن، للوصول إلى صوتهن الخاص في مقاربتهن للوجود. فالكتابة عن الذات في الشعر النسوي تعدّ ملمحا لافتا للكشف عن جندرية خاصة للنوع. والذات هنا ليست بالمفهوم التعبيري الذي رأينا صدى له في الشعرية الرومانسية، لكنها الذات الوجودية الكاشفة عن ملامح الوجود الجسدي في الارتباط بالعالم، فكأنهن يقدمن من خلال شعرهن سيرا ذات طبيعة ووجود، بهما الكثير من الخصوصية التعبيرية والبنائية. فتأسيس السير ذات الملمح الخاص في الكتابة الشعرية النسوية، لا يمثل سوى استراتيجية للتواجد والكلام في تحدّ واضح للنظام الأبوي البطرياركي الذي يحاول بعلاقاته المؤسسة قمع أي ظهور لهذا الصوت.
نجد في كثير من النصوص التي نتوقف عندها، أو الأعمال هذا الحضور اللافت لضمير المتكلم بوصفه إشارة تنبّه لحضور الذات ولمساحة الاهتمام التي تفضي في النهاية إلى وجود ما، يمكن أن نطلق عليه مسمى السيرة الذاتية أثناء قراءة النصوص والأعمال، وكأننا أمام مراحل حياتية للوعي النسوي، في تلمّسه الحاد لصورة الذات، بصورة غير قانعة بالمتراكم الواقعي، ومطاردته في كل النصوص للمتخيل الذي تشكله الذات وتؤسسه للبحث عن وجود مغاير، فقد حددت سوزان ستانفورد (التجربة الذاتية الخاصة، بوصفها واحدة من سمات التمثيل الذاتي الشعري للمرأة).
في قصيدة النثر النسوية في الألفية الجديدة، يبدو الركون إلى الذات لصناعة السيرة، أو الاقتراب منها شكلا من أشكال الاعتراف الذي يعيد تأسيس وجود هذه الذات في اشتباكاتها مع السياقات المحيطة وفق منطلقات شديدة الخصوصية. ما تحاول هذا المقال الإمساك به يتمثل في الكيفية التي نتلقى بها الإبداع النسوي، بوصفه كاشفا عن هويات وتجارب مميزة، فالنصوص تتحدث بأصواتهن، وتصوّر تجاربهن الخاصة في ارتباطها بالحياة والوجود، وما نتطلع إليه- بشكل قد يكون أكثر وضوحا- هو محاولة الإمساك بالوعي النسوي في خصوصيته وتجليه داخل هذا الشكل الإبداعي الذي يسمّى قصيدة النثر.
تنطلق المقاربة الخاصة لمنجز المرأة في الألفية الجديدة في إطار قصيدة النثر من أن فكرة اهتمام أو مجابهة الشاعرات للقيود المفروضة عليهن، ووضعهن الحياتي الخاص، يؤدي إلى وجود بنيات شعرية شديدة الارتباط بجنسهن البيولوجي، باعتبار المرأة تمثل خطابا ثقافيا في إنتاجها الشعري، له خواصه المميزة، وتمثل وجودا له تأطير خاص في طبيعة النظرة إلى جنسها، وهي نظرة تنتج- بالضرورة- خطابا معارضا، به الكثير من المقاومة والتفتيت المتعمدين لهذه النظرة والصورة المتعلقة بها.
لماذا قصيدة النثر؟
كل تغيير في المنحى الإبداعي أو في التوجه الشعري يستند إلى آليات جديدة، أو يستخدم الآليات القديمة بشكل يجعل الإحساس بوجوده محسوسا، وفي إطار ذلك يمكن أن يكون اعتماده أو استخدامه لها به نوع من الحدة، لتأسيس حالة من اليقظة والانتباه لدى القارئ أو المتلقي. فنظرة متأملة إلى حركات التجديد في شعرنا العربي على امتداد تاريخه تثبت مشروعية هذا التصور، في بدايات كل حركة أو محاولة هناك هذا الاختراع أو التغيير في الموجود بشكل يدفع إلى القلق، لأنه يوجّه فاعليته أو وجوده نحو المؤسس لتقويضه، أو على الأقل في تكوين حالة من الشك حول جدوى استمراره.
إن النصوص النثرية في معناها الفني العميق بحث دائم عن لغة وعن صورة تقدمان تصورا للعالم، يتولّد من وعي جديد، تحاول الشاعرات الارتباط به والانطلاق منه، لإحداث نوع من التغيير، ولخلق حالة وجودية وثيقة الصلة بوعيهن المختلف، وقدرتهن على إثارة الدهشة، من خلال بنيات ذات خصوصية في التكوّن والبناء والتلاحم العضوي دون الاهتداء أو الاعتماد على بنيات جاهزة مستقاة من الشعريات الكلاسيكية السابقة، نرى صداها واضحا في إشعار القارئ بالتصحر من خلال التكرار المستمر في تشكيله بنية شبه جاهزة يمكن الاتكاء عليها للاستمرار في أفق متشابه.
على المستوى البنائي للنص الشعري النثري، يولّد هذا التداخل بين هذين المكونين في أصل بداية قصيدة النثر مكتسبات بنيوية لا يمكن في أية لحظة وضع تصور نهائي لها، لأنها دائما في طور التطوّر أو التحوير المستمر. فاعتماد القصيدة على جانب نثري يفتح النص على كتل بنائية، ويجعلها- انطلاقا من طبيعتها- في معرض دائم للتمدد والتوالد، فالبداية يمكن أن تكون بين جزئي الجملة، أو بين الجمل المتتابعة التي تؤسس أو تخلق بنية نصية عضوية. وفي ذلك يقول ميشيل دليفيل (على المستوى الشكلي والبنيوي، فإن الاعتماد على الجملة، وليس على السطر الشعري، كوحدة تكوينية أساسية في “النثر الشعري”يمكن الشاعر من الانغماس في سلسلة لا نهاية لها من الاستطرادات السردية والتأملية التي “تقاوم جاذبية الفكرة الكاملة في الوقت الذي تستبعد فيه إمكانية الإغلاق الشعري).
وهذا يشير إلى أن قصيدة النثر- ارتباطا ببنيتها وتداخل جزئيها المولدين لهذا التمدد البنائي- تضرب في عالم أو عوالم غير محددة بشكل نهائي، لذلك فالنصوص الشعرية الكاشفة عنه، ترتبط بهذا التزاحم لجزئيات غير نهائية التشكيل، وغير مفهومة، منها ما هو ذاتي، وما هو سياسي أو اجتماعي، وتتجلّى في شكل بنائي مملوء بالتداخل والتناقض. وهذا يجعل قصيدة النثر- كما يقول ميشيل دليفيل- في التحليل النهائي- بعيدًا عن دمج شعريتها الهجينة في كل واحد موحد- ممارسة كتابية تدمج شبكة من الأصوات العامة والشخصية في أسلوب شعري معقد يسمح بسماع كل منها).
في قصيدة النثر ليس هناك ثبات، بل هناك تعدد للأشكال داخل هذا النوع نفسه، فقيمته ترتبط بعدم وجود نموذج شكلي ثابت يمكن تداوله، ويصبح بالضرورة أقرب إلى القوالب التقليدية الجامدة، لأن انفتاحه على النثر جعله يكتسب الكثير من صفاته، في انفتاحه غير المحدد أو المقموع بنسق إيقاعي أو شكلي، وقد جعل ذلك هذا الشكل الشعري- قصيدة النثر- منفتحا على ميلاد جديد في كل مرة أو حالة إبداعية، حتى مع الشاعر الواحد نفسه.
وهذا التعدد الشكلي متولّد بالضرورة من تداخل الأنواع وذوبان الحدود الذي يؤدي إلى وجود أنواع جديدة هجينة، حيث تثبت هذه الأنواع أنه ليس هناك حدود أو كيانات ثابتة، خاصة في الفنون والأشكال الشعرية. ففي قصيدة النثر- في ظل ثنائيتها المربكة في أصل وجودها- نجد (ثبات الشعر) و(حركية النثر) و(مركزية الصوت)، وهي بذلك تميل إلى تقويض الأحادية النوعية التقليدية، في انفتاحها أو انغلاقها منطلقات من فنون عديدة. وفي ظلّ تشربها لخصائص أنواع أخرى، يمكن فهم حدود التداخل التصنيفي غير المحسوم إلى هذه اللحظة بينها وبين القصة القصيرة جدا.
وباعتماد التوجهات أو المنطلقات البنيوية التكوينية التي ترتبط بهذا لنوع الإبداعي التي تبدو متناقضة، مثل ثبات الشعر، وحركية النثر في إطاري السرد والتتابع في إطار بنية واحدة، تصبح قصيدة النثر نوعا شديد الخصوصية، ويحتاج إلى كثير من الاشتغال النصي الذي يعتمد على وصف البنية، أكثر من اعتماده على مؤسس نوعي تاريخي. يكشف التأمل والممارسة أنه لن يجدي- في ظلّ المزاوجة بين الشعري والنثري- الاعتماد على آليات كل فن منفصلة في مقاربتها وتأويلها والتعامل معها، ولهذا أصبح الأمر في شأن دراستها مرتهنا بالبحث عن جماليات جديدة، لا تركن إلى فرادة كل نوع، ولن يجدي بالضرورة أن نتناول كل مكوّن منهما على حدة.
بالرغم من ارتباط قصيدة النثر في تكوّنها إلى ثنائية واضحة، واعتمادها على منطلقات النوعيين الأدبيين، إلا أن مقاربتها أو محاولة الاقتراب منها، يجب أن تستحضر الوجود الثنائي دون انفصال، وهذا الوجود أو التشكّل البنيوي يحتاج إلى منطلقات جديدة، تحيل منطلقات كل نوع منها إلى نويات صغيرة تصبّ في إطار جديد، يشمل ويكيّف هذه النويات الصغري، ويعيد تشكيلها مرّة أخرى، حيث تأخذ شكلا جديدا داخل هذا الإطار للتناول، وفي ذلك يقول ميشيل دليفيل (يُوفر الاكتشاف نقطة انطلاق منهجية مفيدة لدراسة وصفية للسمات العامة الموجودة، إلى حد ما، في أي عمل أدبي. واتباعًا لنصيحة بوبر، سيتوقف النقاد الذين يواجهون جنسًا أدبيًا مراوغًا كقصيدة النثر عن الاعتماد على ادعاءات الصلاحية العالمية للتمييزات العامة التقليدية. وبدلًا من ذلك، سيسعون إلى تفسير الإيماءات البلاغية المتضمنة في عملية تأليف وتصنيف قطعة نثرية كقصيدة نثر، بالإضافة إلى التفاعل المعقد بين موقعها المتزامن والزمني في تاريخ الأدب الحديث).
وإشارة ميشيل دليفيل إلى الزمن في مقاربة قصيدة النثر، انفتاح على الخارج أو السياق الذي يتحقق من خلال إشارات التمظهر اللغوي، ومن خلال ثقافة الناقد أو القارئ، وكاشفة عن فكرة مؤسسة في النقد الأدبي تولدت مع تعظيم دور القارئ، تتمثل في كون الوصول إلى النوع الأدبي في ظلّ سيطرة الهجنة وذوبان الحدود بين الأشكال الكتابية، لا يرتبط بالاتكاء على كيان سابق التأسيس، بل على فعل القراءة، أي يتمّ تحديده من خلال التفاعل بينه وبين بنية ذات خصوصية، تستوجب دائما نظرة غير نهائية، وغير سابقة التجهيز في تحديد النوع. هي نظرة تشكّل أساسها، ويتمّ التنبه إلى منطلقاتها لحظة القراءة، وهي في كل ذلك لا تظل ثابته، فهي متغيرة دينامية من نص إلى آخر.
إن التوجّه نحو وصف البنية الآني لحظة التلقي، يحمل في طيّاته التنبّه إلى منطلقات أو جزئيات جديدة مؤثرة، كان يغيّب حضورها في السابق النظرة الإجمالية المعتمدة على مؤسس نظري بشقيه (الشعري والنثري) لحظة انفصالهما. هذا التوجه بالضرورة يهدم فكرة الثنائية المترسبة بإحكام داخل الذهن، ويخلخل منطلقات التناول المرتبطة بها، ليخلق منطلقات جديدة، يمكن أن تكون خافتة في التلقي السابق الموزّع بين هذه الثنائية. وهذا لن يتمّ إلا باليقين أو الإيمان بأننا أمام تشكّل نوعي جديد، لا يحفل بهذا التنوّع أو الانقسام القديم داخل نظرية الأنواع الكلاسيكية.
البنية الهجينة لقصيدة النثر، تولّد شيئا مختلفا، لا يمكن تحديده بسهولة، ويستدعي إعادة النظر والفحص والتأمل مرّة بعد مرّة، حتى نفلح في الإمساك به، فقيمة القصيدة النثرية تتمثل في كون القارئ مطالبا – بفضل تعدد مرتكزاتها التكوينية- معاينة المسارب أو الاتجاهات التي يمكن أن تتخذها وتشكلّها، وفي ذلك يقول تشارلز سيميك (الشعر النثري طفل وحشي غريب الشكل لنبضين واندفاعين غير متوافقين، واحد منهما يريد أن يروي قصة، والآخر بنفس القوة يريد تثبيت أو تجميد أو إيقاف الصورة أو القطعة من اللغة من أجل فحصنا وتأملنا الدقيق. في النثر الجملة تتبع الجملة حتى يكوّنا في النهاية القول النثري. الشعر من ناحية أخرى ينسج في ثباته ومكانه. في اللحظة التي نصل فيها إلى نهاية القصيدة، نريد أن نعود إلى البداية، وإعادة القراءة، متشككين أن هناك أشياء أكثر مما تراها العين).
أهم سمة تمتاز بها قصيدة النثر في ظلّ هذه الثنائية، تتمثل في غياب الإنجاز الشكلي الثابت، فهي ليست شيئا جاهزا، يمكن تحقيقه والوصول إليه، فهناك صيرورة مستمرة، وتغير وانعطاف دائمان، تفقدها الارتكاز والثبات، وقد أشار ميشيل دليفيل إلى ذلك في قوله (الأنواع الهجينة مثل قصيدة النثر بوصفها نوعا أدبيا، لا يتمّ التحدث عنها بوصفها شكلا معطى كلاسيكيا منجزا، بل بوصفها علاقة بين القارئ والنص. بهذه الطريقة فقط، يُمكن للمرء أن يأمل في إعادة تعريف الفئات التصنيفية لنظرية النوع الأدبي التقليدية لتصبح أداة تفسير حقيقية، أداة تظل مبررة وقيّمة إذا سهّلت استمرار التبصر في الفن نفسه).


![AI-THE ULTRA CULTURE:THE ‘JINN’[GENIE] FROM ALADDIN’S LAMP/DR JERNAIL S ANAND 4 IMG 20260313 WA003416](https://i0.wp.com/mj-iq.com/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20260313-WA003416.webp?resize=390%2C220&ssl=1)


