📰 آخر الأخبار
همسات العشق بين بلاغة البوح وصناعة الاستثناء: قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة نجية تزروت/عبد العزيز الخبشي- المغربقراءة أنثروبولوجية في دلالة الوعيد في الثقافة الشعبية/ا.د حمام محمد...الجزائرتاج البلاد / نسمة مختارحرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة/إبراهيم أبو عواد / الأردنرئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمنالعولمة والثقافة/حميد المصباحيNightingale And Canary Of Luck By Salim Elias Madaloثمن الرصاصة/جليل إبراهيم المندلاويEfi Chantzouli/WHITE MORNING-Athensحكاية معادة / بقلم: جواني عبدالنهاية عظيمة/محمد مركحأزمات بنيوية وإسقاطات نوعية/حازم الشهابيبين قصيدتي وأنا/خديجة بنانيأصوات! (في جدليَّة الحياة وتراجيديا الأحياء) شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيشظايا السلطة والمسؤولية/بلعربي خالدرواية "أشيرا" للروائي مروان عبد العال/وفاء حميدمسلسل "الثمن": بين جاذبية الميلودراما وإشكالية المقايضة الأخلاقية/د.ازهر سليمان
همسات العشق بين بلاغة البوح وصناعة الاستثناء: قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة نجية تزروت/عبد العزيز الخبشي- المغربقراءة أنثروبولوجية في دلالة الوعيد في الثقافة الشعبية/ا.د حمام محمد...الجزائرتاج البلاد / نسمة مختارحرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة/إبراهيم أبو عواد / الأردنرئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمنالعولمة والثقافة/حميد المصباحيNightingale And Canary Of Luck By Salim Elias Madaloثمن الرصاصة/جليل إبراهيم المندلاويEfi Chantzouli/WHITE MORNING-Athensحكاية معادة / بقلم: جواني عبدالنهاية عظيمة/محمد مركحأزمات بنيوية وإسقاطات نوعية/حازم الشهابيبين قصيدتي وأنا/خديجة بنانيأصوات! (في جدليَّة الحياة وتراجيديا الأحياء) شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيشظايا السلطة والمسؤولية/بلعربي خالدرواية "أشيرا" للروائي مروان عبد العال/وفاء حميدمسلسل "الثمن": بين جاذبية الميلودراما وإشكالية المقايضة الأخلاقية/د.ازهر سليمان
مقالات نقدية

صناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغام

242180403 1

في رواية (مخطوطة ابن الجروة) تشتغل الكاتبة المصرية (هبة أحمد حسب) على سحر الحكاية وعوالمها، وآليات سردها التي تربط الماضي بالحاضر في تواتر وتوال مستمر. فهي حكاية ميلاد وسطوع بعض العائلات من الفقر إلى الغنى، وانتقالها من طبقة إلى أخرى، وحفاظها على تاريخها ومجدها وعلى ما حققته حتى في ظل صراعها مع الزمن والمتغيرات، حيث تستطيع أن تعيد بهاءها بعد كل سقوط أو بداية تلاش تلوح في الأفق.
تؤسس الرواية بداية من زمن سحيق موغل في القدم حالة من الترابط والانسجام الطبيعيين بين أسرتي (برهوم الخيال) المسيحي و(غالب فرغل) المسلم في صعيد مصر، وتقدمهما بشكل متواز ومتوازن في مساحة الاهتمام والسرد والمساحة الزمنية مع كل جيل، وكأن الرواية تشير من طرفي خفي إلى مكونين أساسيين للهوية المصرية وعمق الاندماج الطبيعي بينهما في كل طبقة. تتوقّف الرواية عند طبقتي البداية والنهاية، من خلال سارد له تكوين خاص، حيث يُجدل وجوده داخل أفق أسطوري مصنوع.
يوحّد السارد (ابن الجروة) المسيحية و(عز الدين) المسلم العائلتين، لكي يكون شاهدا ذا خصوصية على الطبقة الأخيرة، وناقلا عن جدّيه (محارب) و(سمعان) تاريخ الطبقات السابقة مع تبئير خاص على الطبقة الأولى. تمزج الرواية بين الواقع والأساطير والطقوس، وتعبّد المساحة بين الموتى والأحياء بوسائل اتصال خاصة في الطبقة الأخيرة، فهناك الجدّة الأولى (سيّدة اللبانة) زوجة (غالب فرغل) التي تكتسب شيئا من الأموات رجالا ونساء، لكي تتحول في النهاية إلى معددة القرية. لا تكفّ الرواية عن تشكيل هذا الاتصال طوال صفحات الرواية من خلال شخصيات قادرة على إحداث هذا الاتصال بين العالمين.
رواية (مخطوطة ابن الجروة) غير مهمومة بصناعة مناح معرفية، وإن كانت تناوشها في مهدها، مثل فكرة مكوني الهوية الصلبة قديما وحديثا، والبناء الأسطوري الخاص، لكنها تستبدل ذلك بسحر الحكاية، والقدرة على توليد مساحة دافقة ودائمة من الإثارة والتشويق والإغواء بمتابعة الحكاية والاستمرار بالقراءة حتى النهاية. فالرواية تدخلك إلى جوانب معلوماتية، وإطارها المعرفي جزئي ولحظي يمكن متابعته في حدود حركة البشر وحواراتهم، هي رواية عن حياة البشر وأقدارهم، ودور هذه الأقدار في خلخلة وزلزلة الأماني، وتحويلها إلى وجود شائه ومشوّه.
تتجلّى الرواية مشغولة بالإنسان في انسجامه وتشظيه، حين يفقد مكوّنا أساسيا كان يعده سندا للمواجهة والصراع والنزال مع العالم، سواء أكان هذا المكوّن زوجة راحلة، أو صديقا، او ابن صديق يعدّه ابنا. وفقدان واحد من هذه المكونات له أثره في تشكيل الشخصيات، وفي بناء إشكالياتها المستمرّة في مقاربة العالم والارتباط به. وخلف الانشغال بالإنسان وطموحاته وهزائمه المتوالية اشتغال على خصوصية المكان بطقوسه وعاداته وأعرافه وسياقاته الحضارية والزمنية من خلال إلماحات خاصة تجعل الطبقة الأخيرة متجذّرة في إطارها الزمني المحدد بقبل وبعد ثورة 1952، مع الانشداد إلى اللغة التي تشكّل هذه العادات والطقوس، وتجليها على نحو خاص.
في ظل توازيات وتناظرات عديدة بين الحقب الزمنية السردية والأجيال، هناك تواز جامع يتمثل في اللغة وحركتها بين الفصحى والعامية أو بين لغة السرد والحوار. فقد ظلّت الرواية على مدار صفحاتها كاشفة عن تواز وتناظر بين الفصحى في سرد الغياب، والعامية في حوار الشخصيات، ومحافظة على وحدة خاصة بالرغم من هذا التناظر أو التوازي بينهما، فلم يشعر القارئ في أية جزئية سردية بنتوء أو انفصال يقلل من قيمة هذا الانسجام اللغوي في النص الروائي.
صناعة الأسطورة وعوالمها المحيطة
تشكّل الرواية عالما سرديا شديد الخصوصية، لأنه يرتبط بالواقع ارتباطا وثيقا، وفي الوقت ذاته يستند إلى العجائبي أو الفانتازي بتجلياته العديدة. فالخطاب الروائي يدمج القسيمين، دون أن يشعر القارئ أن هناك غرابة في هذا الدمج، بل يشعر القارئ- بالاستناد إلى طبيعة بعض الشخصيات وكشفها عن انفتاح حميم تجاه هذه العوالم العجائبية- أن هذه الخروجات غير المنطقية خروجات طبيعية، لا تخرق مواضعة أو تهشّم اعتقادا، فنجدها داخل مخيلة الشخصيات تتجاور وتتآزر، وتشكّل مدى سرديا مقبولا لدى الأفراد والمجموع.
في اشتغالها على عالم الأساطير تبني الرواية وجودها وإطارها السردي من خلال خلق أسطورة خاصة، تقوم على توأم يتوحد بروح توأمه الآخر بعد أن يأكل بومة في زمن محدد، حددته الرواية في تمام البدر السابع من كل عام. ولكن قيمة أكل البومة في الموعد المحدد وحلول روح توأمه بداخله يجعل هذا الشخص يقظا دون نوم لمدة عام. وهذه إشارة تخرج صاحبها من الوجود المادي العادي المحدود بالمكان والزمان، وتجعله يتعاظم على هذه المادية، فهناك حركة وحرية لا تمنعهما الجدران أو العوائق المعهودة، فقد ربط المصريون بين البوم والروح البشرية، حيث كانت روح المتوفي في معتقداتهم تحلّ ليلا في طائر البومة. وقد أدى ذلك إلى وجود قدرة كاشفة عن المعرفة تتجاوب مع توقع وانتباه دائمين يظهران في بعض المواقف في النص الروائي.
التوحّد بالبومة وبحركتها الليلية يجعله- أي السارد- ملمّا بكلّ حدود العالم الذي يتحرّك في إطاره، وحركة البومة هنا معادل رؤية ومعرفة، فنراه شاهدا على كل عمليات القتل والسحر والولادات بالقرية، بالإضافة إلى حاسة الشمّ التي اكتسبها من أهله لوالده بداية من الجد القديم (غالب فرغل)، وانتهاء بالأب (عزّ الدين) والجد (محارب)، وذلك لعملهم من البداية في عالم المساخيط، أي البحث والتنقيب عن الآثار. فقد اكتسب أفراد هذه العائلة قدرة فائقة على شمّ وتذوّق الآثار، والتفريق بين الأصلي والزائف المقلّد.
ما يلفت النظر في تكوين شخصية السارد من خلال اشتغال الأسطورة، هو شعور القارئ طوال صفحات النص الروائي بكونه منذورا للمعرفة، فضلا عن قدرته في المقاربة والمراقبة. لقد مثل الوصول إلى مخطوطة الخلود، أو مخطوطة الكاهن (باسا الرابع) التي وصل إليها الجد الأكبر (غالب فرغل)، وفقدت بعد قتله في مكان الحفر داخل المقبرة، وظل الوصول إلى المخطوطة واستعادتها جزءا من حركة سير رجال العائلة، وهدفا متواريا يختفي ويظهر على مسافات متباعدة في النص.
وحدد حارس المقبرة أن يكون هناك طفل في سنّ معينة للقيام بذلك بعد ختانه بأربعين بوما، وقد حاول (محارب) قبل ذلك مع ابنه (عز الدين)، ولكن لخروجات خاصة ترتبط بالطقوس الخاصة بالطهور والختان، لم يعد صالحا، ولذلك كان على الأب محارب أن ينتظر لفترة طويلة حتى بعد زواج (عز الدين) و(الجروة)، ومقتله قبل أن ينجب ابنه السارد، ويمر الابن بالطقوس كلها المحددة للوصول إلى مكان المخطوطة. فالرواية في كلّ جزئياتها تحفل بتشكيل هذا العالم المنفتح على المزج الدائم بين الواقع والأساطير، وتشتغل على تعبيد علاقة دائمة بين الموتى والأحياء.
وصناعة أسطورة على هذا النحو، وتسويغ وجودها في النص الروائي، لا يتمّان إلا من خلال وجود فضاء سردي يتقبلّها دون أن يلفظها، أو يجعل وجودها شكليا، لأن هذه الأسطورة- وإن كانت متعلقة أو مشدودة بسبب ما إلى أسطورة التوأم والقطط- لا يمكن ان تتحوّل إلى كيان دافق مؤثر داخل النص ما لم تستند إلى جزئيات أخرى تتجاوب معها في ظل وجود شخصيات مؤمنة بقدرة وفاعلية هذه العوالم الأسطورية العجيبة، فهي مشدودة بشكل أو بآخر إلى عوالم هذه الشخصيات، يتجلى ذلك في جزئيات يتمّ توزيعها بحرفية شديدة داخل النص.
وربما يتجلّى للقارئ أن الشيء الأكثر فاعلية في تسويغ الأسطورة داخل بناء يتقبّلها، يتمثل في الطقوس التي لا ترتبط بديانة محددة، يستوي في الإيمان بها والتنبّه إلى فاعليتها أصحاب الديانات المختلفة، لأنها طقوس موغلة في القدم، وظلّت تتعاظم على الطبقات الحياتية الجديدة التي تشكّل في حدودها نوع من التنازع والاختلاف. فجميع الشخصيات- أو معظمها وربما يكون ذلك مقصودا في التحبيك والتوجيه السردي- يكيّف معتقداتها وقناعتها طقوس تتعاظم على الديانات، فكأنها فضاء أكبر وأكثر شمولا يستطيع أن يحرّك البشر والشخصيات بعيدا عن الانتماءات.
بجوار الجانب الأسطوري العام هناك تأسيس لمساحة من سحر الحكايات القديمة وعوالمها المتجاوبة لتكوين بناء متناغم يخلو من النتوءات. وجزئيات هذا البناء المتناغم تبدأ من الطقوس الموغلة في القدم التي تحوّلت بشكل تدريجي ممتد إلى معتقد له سطوة، منها على سبيل المثال طقوس الوصول إلى المخطوط المفقود بمساعدة الشيخ زغلول كاتم سرّ الأرض، وكيف يتلبس الجن/ الصبي/ السارد للوصول إلى المخطوطة واستعادتها. يقول النص للكشف عن هذه الطقوس على لسان الشيخ زغلول في حواره مع محارب (القراية كمان واجب تبقى على واحد من ذريته، ذكر متطاهر جديد. وتبقى القراية بعد طهوره بأربعين يوم يا محارب، أربعين يوم لا تزيد ولا تنقص).
ويمكن أن يأتي في السياق ذاته طقس (الزار) الذي تقوم به النساء، حيث وافق (سمعان) على أن تقوم النساء به لابنته (الجروة) بحضور شيخة الزار أو الكدية. وهو طقس لا يقوم به الناس إلا لعلاج من خفّ عقله، وأصبح يهذي بأشياء تجمع بين الواقعي والمتخيل في كلامه، أو بين المنطقي وغير المنطقي الذي يشكل الجمع بينهما تحديا متعمدا للعقل. ومن الطقوس- أيضا- طقس زيارة النساء العقيمات إلى جبل (الكحريتة) للإنجاب، بالإضافة إلى ما يتجاوب معه من طقوس جلب الحمل. ومنها طقس التخلص او فكّ (المشاهرة) للنساء، ويأتي انقطاع اللبن دلالة على الإصابة بهذا الأمر.
تتجاوب جزئيات عديدة- بالإضافة إلى الطقوس السابقة الموغلة في القدم- للإيحاء بالفضاء الأسطوري العجائبي للنص الروائي، منها الحضور الطيفي للشخصيات المقدّسة مثل حضور (العدرا)، ذلك الحضور المؤثر على بنية السرد وعلى تغيير الحركة والتوجّه. ويتأكد ذلك الحضور في مكانين من النص الروائي، وفي كليهما كان لهذا الحضور أثر على الحركة السردية. فحضورها الأول إلى سمعان يوم عيد الأضحى أجّل طهور وختان عز الدين، وحضورها الثاني- إلى سمعان أيضا- عجّل بموافقته على زواج الجروة من عز الدين، بعد كان مترددا في الموافقة لاختلاف ديانة كلّ منهما.
وهناك حضور طيفي آخر كان له فاعلية في تشكيل العالم الروائي، وتجذير حركة السرد، من خلال حضور (وهيبة) الطيفي والصوتي بعد أن ماتت أثناء ولادتها لابنتها الجروة. فهي لا تكفّ عن الحضور طيفا وصوتا مسموعا إلى ابنتها منذ أن كانت طفلة، ويأتي الصوت لتوجيهها أو لإسدال شعور بالحماية، أو لمشاركتها الفرحة. تقول الرواية كاشفة عن ذلك الحضور لشخصيتها ومشاركة الجروة فرحتها، ورضاها عن الاختيار (لكن الزغرودة الأعلى في آذان الجروة في ذلك اليوم كانت زغرودة أمها وهيبة).
تستند الرواية في بناء عالمها الأسطوري على التداخل المستمر بين عالمي الموتى والأحياء، مثل الحضور الطيفي لوهيبة. ولكن الرواية لا تكتفي بهذا الحضور الطيفي، بل تشكّل نوعا من التأثير الذي يخلقه هذا التداخل أو هذا الارتباط بين العالمين، وكأنها تؤسس وتعبّد طريقا لعلاقة دائمة بين العالمين. يتجلّى ذلك واضحا حين نتأمل شخصية (سيّدة اللبانة) قبل زواجها من (غالب فرغل)، فكل ميت من الموتى يترك أثرا منه في وجهها أو جسدها أو حركتها، وهذا الأثر- تحبيكا وتوجيها- قد يكون مقصودا للوصول إلى عملها الذي انتهت إليه قبل زواجها، وكأن ذلك نتيجة حتمية لحالات التبادل والأخذ والعطاء بين العالمين، حيث أصبحت معددة البلدة.
وهناك جانب آخر يفتح الباب للأسطورة أن تشكّل الفضاء الروائي، وأن يكون حضورها ملموسا، يتمثّل ذلك في الإشارة إلى وجود لوثة لبعض الشخصيات في النص، وهي ليست لوثة عقلية، وإنما تبدو خللا في توزيع مساحات الاهتمام، وطغيان جانب على آخر، وهذا الطغيان يؤسس لشغف خاص يشيع في فضاء الرواية ولغتها. يتجلّى ذلك واضحا حين نتأمل رؤية (برهوم الخيّال) و(سمعان) للخيل، وعلاقة ابنته الوحيدة بالكلبة التي رضعت منها وهي صغيرة، ولهذا سميت بالجروة. فهناك انفتاح على عالم الحيوان، وخاصة الخيل لدى أفراد هذه الأسرة، وعقد مساحات من الارتباط بين العالمين.
وإذا كانت لوثة الخلل بين مساحات الاهتمام لدى أسرة (برهوم الخيال) ترتبط بالخيل، فإن اللوثة على الجانب الآخر في عائلة (غالب فرغل) بداية منه، ومرورا بابنيه (مرزوق) و(معتوق)، وانتهاء (بمحارب) وابنه (عز الدين) وحفيده (السارد)، تتمثل في الاهتمام بعالم الآثار، أي بالتوابيت والمومياوات والمساخيط. فهذه الشخصيات على اختلاف أزمنتها وسياقاتها لديها لوثة أو خلل في مساحة الاهتمام، حتى كثرت حولها الأقاويل والاتهامات الخاصة بنفي الذكورة، ودفعا لهذه الاتهامات نجدهم يختارون اتجاها عمليا بالزواج لنفي وجودها.
وفي ظل وجود وحضور هذا الجانب الأسطوري بفصائله وأنماطه العديدة المتجاوبة، هناك خلفه عالم شديد الواقعية، حيث يتبقّى وراء هذا العالم الأسطوري في إطاراته الموحِّهة حياة كاشفة عن طبقة معرفية خاصة محددة بإطارها الزمني وأعرافها وتقاليدها، وكأن الرواية بتسريدها تبقيها حيّة داخل الذاكرة، والرواية هنا فعل استبقاء وتثبيت ضد النسيان. فهناك طبقة معرفية مملوءة بالأعراف والتقاليد واالطقوس تعلن عن نفسها وتتسرّب داخل السرد، في ظلّ لغة خاصة تشكّل حدود هذا العالم.
ويمكن للقارئ المتأمل أن يلمح هدفا آخر يتوارى بشكل طبيعي، لا ينفصل عن تثبيت الهوية السابقة، وكأنها لحظة استحضاره تشكل عالما له خصوصية يتعلق بالهوية المصرية المستقرة في اتحادها وارتباطها الطبيعي بتاريخها، وهي هوية مشدودة إلى الروح التي تحرّك المجموع بعيدا عن الانقسامات السقيمة التي بدأت تلوح في بعض الأحيان. ففي هذه الطبقة لم يكن هناك تفريق بين مسلم ومسيحي، وذلك من خلال جزئيات بالغة الدلالة على هذه الفكرة، يمكن الإشارة إلى جزئية كاشفة عن هذا المنحى. فقد كشف النص عن أن حفل (الميمر) الذي يقيمه سمعان- على حد تعبيره- يبدأ- وكأن هناك تماهيا وتطابقا بين المسيحية والإسلام- بمدح الملاك مخائيل، ثم يتحوّل إلى مزيج من الصلوات والمعجزات وإلى المديح النبوي وذكر سيدنا الحسين).
استراتيجية التوازي
تشكّل الفضاء الروائي من خلال بنية المخطوطة التي كثر الاتكاء إليها في الكتابة الروائية الحديثة، ومن خلالها يجمع كل ما استطاع أن يقاربه بنفسه حاضرا بجوار ما استمع وأنصت إليه من حكايات المقرّبين من البشر مثل الجد أو الجدة سواء لوالده عز الدين أو لوالدته الجروة. فما يسرده عن أجداده السابقين الذين ينتمون إلى لحظات زمنية بعيدة وصل إليه من خلال الحكايات، وما قدّمه عن أمه وأبيه، وعن جديه وجدتيه لمسه بشكل مباشر انطلاقا من صحوّه المستمر ومراقبته للعالم المحيط بكل جزئياته.
يتوزّع السرد في المخطوطة إلى خطّين سرديين، يفصل بينهما فارق زمني طويل، يتعلّق الخيط الأول بحكاية البداية من خلال الوقوف عند شخصيتي (برهوم الخيّال) و(غالب فرغل) بالإضافة إلى شخصيات أخرى وثيقة الصلة بهما، وحكايات جانبية. ينفتح السرد في هذا الخيط أو الفضاء السردي على عوالم عديدة مثل عالم الآثار، حيث تتأسس مهنة (غالب فرغل)، وعالم (الكرخانة) في هذا الزمن القديم، وذلك لمتابعة سيرة وحكاية (شمعة بنت جرجس) في رحلة هروبها من (رشيد الحريري) قبل أن يتحوّل بعد أن قتل ناضورجي الكرخانة إلى واحد من مطاريد الجبل، لأنها ستصبح زوجة (الخيال).
وسوف يتتبع السرد أيضا حكاية (سيدة اللبانة) التي ستصبح زوجة (غالب فرغل). ليضعهما- سيدة وشمعة- السرد معا في رحلة كاشفة عن حضور الهوى المصري الذي لا ينفصل عن الرؤية الاستعمارية في مقاربة المختلف والمغاير في قلب شيكاغو بأمريكا، بعد تعرفهما- برهوم الخيال وغالب فرغل- على المستشرق (ماكس هيرتز)، وبداية رحلتهما للعمل على نموذج شارع القاهرة ومقابلة السيدة فلورنسا ووقوفها اللافت أمام هيكل مصنوع لمعبد الأقصر، وبعد العودة تبدأ امبراطورية كل شخصية منهما في النمو.
أما الخيط السردي الثاني فهو خيط ينشغل بالأب (محارب) الذي ينتمي إلى (غالب فرغل)، وبصديقه (سمعان) الذي ينتمي إلى (الخيّال)، وبابنيهما (عز الدين) و(الجروة)، و(بسمرا) زوجة الأول، و(وهيبة) زوجة الأخير. كل خيط سردي من هذين الخطين يؤسس وجوده الخاص في لحظة زمنية خاصة، ويصوّر جزءا من الحكاية، ومن تاريخ الأسرتين، والشخصيات المكوّنة لمجدهما. فهناك توزّع داخل الحكاية الواحدة، فالحكاية الموغلة في القدم تتكشّف عن خيطي (غالب فرغل) الجد الأكبر لعائلة (محارب)، و(برهوم الخيّال) الجد الأكبر لعائلة (سمعان).
السرد في المخطوطة يتوزّع إلى الكشف عن تاريخ عائلتين، يمتدّ إلى أكثر من جيل بداية من حكايات الجد الأكبر، ومرورا بأجيال تالية، وصولا إلى جيل (محارب) و(سمعان) ومعهما (عز الدين) و(الجروة) بالإضافة إلى السارد الذي تناط به عملية السرد. ومع هذه الأجيال التي تتقاطر زمنيا تلجأ الرواية إلى التوجّه- لإكمال الحدث في كل مرحلة أو جيل- إلى حكايات مصاحبة جانبية، يأتي الوقوف عندها مشروعا للكشف عن الطبقة المعرفية وخلفيات التكوين.
يقوم السرد في النص أو المخطوطة على التوازي المحكم بين الخيطين السرديين أو حتى داخل الخيط أو الطبقة الواحدة. فالفصول تتوزّع بشكل عام بين الخيطين القديم والحديث، ولكنْ داخل كل خيط أو بناء سردي يتوزّع السرد نحو الشخصيات المكوّنة لكل عائلة بشكل متواز ومتساو. فحين يتحدث النص الروائي عن الجد (سمعان) يأتي بالتوازي معه الحديث عن الجد (محارب)، وحين يعود النص إلى جزئيات وثيقة الصلة بالطبقة الأولى من خلال شخصية من شخصياتها مثل (برهوم الخيّال) ينتقل النص بعدها مباشرة للحديث عن (غالب فرغل). ويتكرر الأمر ذاته عند الحديث عن زوجة كلّ واحد منهما، وكأن النص السردي يؤسس لهذا التوازن والتقابل بين عائلتين تنتميان إلى ديانتين مختلفتين.
وفي بعض الأحيان حين يختفي عنصر أو شخصية ضرورية لهذا التوازن، حيث يغيب وجودها بالموت مثل شخصية (وهيبة) أم الجروة يمارس النص الروائي نوعا من الترقية والترفيع لشخصية (زنوبة) الخادمة، لتحلّ محلها في إكمال وتشييد التوازن والتوازي أو تحقيقه من خلال مكملات أخرى تتمثل في الحضور الدوري لصوت الأم (وهيبة) الذي يأتي في بعض الأحيان حاملا النبوءة والنهاية المأساوية المنتظرة، يقول النص عن هذا الحضور (صوت وهيبة كان يبكي وهي تبشّرها بالحمل).
يستمر هذا التوازن أو التوازي البنائي بين الخيطين السرديين حتى يلتقيا في نهاية النص، حيث يجمع السارد بينهما في قوله (ومنذ ذلك الحين تتداخل أفراح وأحزان جدي برهوم الخيال وشمعة بنت جرجس مع عائلة جدي غالب وسيّدة اللبانة، حتى وجد أبي عز الدين بن محارب مقتولا غارقا في دمه، بعد زواجه من أمي الجروة بأربعين يوما). وقد توجّه المقولة السابقة إلى تناظر من نوع آخر، يرتبط بمقتل (غالب فرغل)، ومقتل (عز الدين).
وفي ظلّ هذا التوازي أو التوازن البنائي المحكم بين حقبتي السرد أو داخل الحقبة الزمنية الواحدة، تتكشّف لنا حياة أو حيوات وإطارات حضارية وعادات وتقاليد لا يزال بعضها حاضرا إلى اللحظة الآنية، ومحاولة الإمساك بها سرديا تعيدها إلى ذهن المتلقي في شكل طبقة حياتية لا تخلو من طقوس ونمط حياة، مثل عمليات الختان وطقوس الأفراح. لكن هذه البنية النامية المتوازية قد يتمّ خرقها من خلال عمليات الاستباق أو تأجيل الإفضاء السردي حتى يكشف عنها النص السردي بعد فترة زمنية طويلة.
يمارس الخطاب السردي نوعا من الحركة فيقدم أشياء كثيرة كاشفة عن الاستباق الخاص الذي يزلزل الخطية السردية، ويشيع في النص نوعا من الإغواء بالقراءة لإكمال جزئيات الحكاية، ففي حديث (سمعان عن جمرية- وهي فرسة أهداها لزوجته المتوفية وهيبة، يتجدد وجودها بتجدد التسمية على نتاجها، حيث لا تخلو المزرعة من جمرية- هناك إشارة إلى شوقه إلى الحديث مع عز الدين- زوج ابنته- وإلى الحديث مع أبيه صديقه (محارب)، وهذا يكشف من بداية النص عن نقصان لا يكتمل إلا باكتمال السرد.
وفي أحيان أخرى تؤجل الرواية- انطلاقا من بنيتها المتلاحمة والسريعة، وربما لطبيعة توزيع الأحداث- سرد بعض الأحداث في لحظة وقوعها أو تعتبرها شيئا يمكن إهماله في حينها، لكنها لا تغفل عن العودة إليها في لحظة خاصة يغيب فيها ذهن الشخصية، وتسقط الحواجز المانعة لتدفق سرد الجزئية الناقصة. فما حدث من قتل لجرجس والد شمعة داخل (الكرخانة) على يد رشيد الحريري، لم تسرده الرواية داخل سياقه الزمني الخطي، وإنما قدمته لحظة ولادة ابنته (شمعة) وهي لا تزال تعاني آلام الولادة وفضاء الغيبوبة الجزئية.
يحرك السرد هنا الحادثة ويحررها من إطارها الخطي إلى إطار ارتدادي قائم على الذاكرة، ربما لأن الشخصية التي تعاني أثر الحدث وفقد الأب غير قادرة على استحضاره في سياقه الخطّي الطبيعي.
يشعر القارئ أن هناك توازيا آخر يتجاوب مع التوازي البنائي، يرتبط بالتوازي بين اللغة الفصحى في السرد بضمير الغائب، والعامية في الحوار، وكأن اللغة العامية هنا في تجليها على هذا النحو الدقيق جزء أساس وفارق لتصوير العالم أو العوالم المعرفية لبيئة الصعيد. والملاحظ- أيضا- أن اللغة العامية في حوارات الرواية المحكية بلغت حدا كبيرا من الإتقان، فيشعر القارئ معها بعالم مملوء بصخبه وصراعاته وإشكالياته مع كل شخصية من الشخصيات.
الاستناد إلى اللغة العامية في الحوارات المحكية في نصّ الرواية استناد تحرّكه بواعث فنية، ترتبط بالعالم الذي تريد الإمساك به وتحاول تثبيته من خلال التركيز أو التبئير. ففي نص الرواية هناك توجّه لاستعادة بعض الألفاظ التي لم تعد مستعملة في اللحظة الآنية على نحو كاف أو لافت، ويعدّ إحياء هذه الألفاظ جزءا من إحياء العالم الذي تشكّله، وفي الآن ذاته تشكّلت حدودها وتمددت دلاليا في إطاره. فهذه الألفاظ تشتغل على نحت العالم، ووضعه داخل بؤرة التركيز والاهتمام، مثل لفظ (السرسوب) الذي يدلّ على أولى دفقات اللبن بعد الولادة.
وهناك- في ظلّ جزئية إحياء الألفاظ وما تشير إليه من عوالم- ألفاظ مرتبطة بالدخول إلى عوالم جانبية أو حكايات مصاحبة للنص، يعدّ وجودها ضروريا نظرا لمساحة الاشتباك، مثل حكاية (غزالة العايقة) المنفتحة والمرتبطة بالخط السردي لحركة وتجهيز (شمعة بنت جرجس) للدخول في إطار الخط السردي الأول، ومعها نماذج نسائية في هذا العالم مثل (زاهية البيضا) أو (فوزة أرملة النجّار). ففي عالم الكرخانة سوف نطالع وجود ألفاظ لها صدى دلالي قديم، مثل (كرخانة)، و(مقطورة) و(تمباك)، و(البوظة)، و(الناضورجي). وهي ألفاظ تنتمي إلى سياق دلالي خاص يقتضي الكثير من البحث والمعرفة.
ويتساوق مع هذا التوازي بين الفصحى والعامية والدمج اللافت بينهما، وجود أساليب لغوية ربما تكون أشد غرابة، وهي لغة الأمثال التي تمعن في كونها لغة محكية بها الكثير من الجاهزية. ولكن في هذا النص الروائي يُضاف إليها أبعاد أخرى تتجاوز مساحة الحوار والحكي، فالأمثال المقدّمة في هذه الرواية تمثل سردية أولى داخل سردية كبرى، لأن المثل تعبير عن حكاية أو سردية، وحين يذكر أو يتمّ استدعاؤه فيعيدنا – والمتحاورين- إلى هذه السردية المختزنة من خلال صياغتها المكتنزة المحكمة، ويوجّه الجميع نحو استعادتها.
@تستند الرواية إلى التوازي متعدد الوجوه لربط الماضي بالحاضر، وكأن هناك تكرارا لحياة أو لحيوات يتمّ بشكل متوال، في فضاء مملوء بالأسطورة من لقطة البداية إلى لقطة النهاية. وهذا التوازي يكشف عن مساحة الاهتمام المتساوية بين طرفي الكون السردي قديما وحديثا من خلال العائلتين، ويكشف أيضا عن هوية مصرية قديمة تجيد وصل الآني بالتاريخ القديم، وهوية آنية قربتنا من أسئلة جديدة لم تكن مطروحة قبل ذلك في ظلّ العناية بالتقسيم والتصنيف الديني والمذهبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية