قراءة نقدية لرواية (موت مؤجل) لعاصم تركي الشهابي/ وفاء حميد

..رواية “موت مؤجل” للروائي الدكتور عاصم شهابي، يتسلل إلى قلبي، بينما أقرأ الرواية، شعور بأن الكاتب يقول لنفسه: هل شعرت ذات مرة بأن الحياة تقف في متنفس صدرك، حتى حنجرتك، فتختنق، فلا تجد منفذاً للهواء، ولا حتى طاقة ضوء بسيط من مشكاة إبرة؟ نعم، هكذا هي الحياة عندما تضعنا في أشد العذابات، فكيف إذا كانت هذه العذابات من أبناء جلدتنا؟
فمنذ النكبة – أو لنقل حرب الإبادة الأولى – التي عاشها الشعب الفلسطيني وهو يواجه عدوًا لا يعرف معنى الرحمة، استخدم كل أنواع التعذيب والقهر على الصغير حتى الشيخ الذي لم يعد له إلا أيام معدودات على هاوية الموت، لم يتوان العدو عن تنزيل أشد أنواع الأذية عليه حتى دفع الفلسطينيين إلى الهجرة طالبين الأمان، ليعيدوا تكوين أنفسهم ويثبتوا هويتهم في أراضي الشتات، فصمد الكثير الكثير منهم، وصنعوا اسمًا لفلسطين، ليثبتوا أن ابن فلسطين لو هجر، فإنه يثبت هويته من خلال ما يقدمه لوطنه وللوطن الذي استضافه.
لكن ما حدث مع الدكتور عاصم بطل هذه الرواية كان المستحيل، فقد قرأت الكثير عن فلسطينيين هجروا من الوطن الأصلي ومن الوطن الذي احتضنهم، لكن هذه الرواية تدخلنا إلى عالم آخر، هو السجن. هنا أستحضر رواية “يا صاحبي السجن” للروائي أيمن العتوم، الذي سجن سياسياً لأجل كلمة حق، لكنها كانت مرفوضة في وطنه، فعوقب بالسجن، وقد دارت روايته حول واقع السجن الذي عاشه، واللحظات التي كانت تثقل صدره، وتفاصيل السجن الذي يعدّ سجناً عادياً، لكن التشابه الذي لمسته هو قوة نقل التفاصيل، والشعور بالمشهد في الدقة والوصف، وكأنك أمام شريط سينمائي، تشاهد الحدث بعينيك لا تقرأه؛ فكلاهما ينقل تجربته الذاتية في عالم السجن المظلم.
لكن الفارق النوعي هنا ليس أسلوبياً فحسب، بل كان وجودياً؛ فسجن العتوم يقيد حرية الرأي ويحتفظ للمعتقل بإنسانيته بوصفه سجين رأي، بينما سجن الشهابي ألغى جوهر الوجود الإنساني من جذوره، في مشهد يعيشه كلا البطلين في السجن، إلا أن الفرق أن رواية “موت مؤجل” كانت الأعمق، لأنها تصف معتقلا وسجانا لا يعترف بك كإنسان، وكأنها تصف العذاب بفلسفة أقرب إلى العمق الذي يعيشه الإنسان في جروح لا تلتئم مع مرور الوقت، وهذه الفلسفة لا تأتي من خطاب مباشر، بل من تقنية سردية تعتمد على التفاصيل الصغرى، لتحول ذلك الحيز الضيق إلى كون متخم بالوجع الداخلي، تشعر به، بل تعيشه بين سطور الرواية.
في رواية “يا صاحبي السجن” يمثل السجن صراعاً داخل الوطن الأم، بينما تبدأ أحداث “موت مؤجل” في سوريا في فترة الحرب السورية، والكاتب هنا مهجر عن وطنه الأم فلسطين، فغدا السجن هنا مأساة أكبر من الحرب، إذ تم اعتقاله من سلطة كانت فلسطين من اوائل شعاراتها. السجن هنا ليس سياسياً بالمعنى الحقيقي، بل هو تعبير عن تفكك دولة وتمزقها بين شعاراتها وماتنادي به وما تفعله على أرض الواقع.
في رواية “يا صاحبي السجن”، كان السجين مواطناً خالف قوانين الدولة، فهو سجين رأي، أما هويته فبقيت محفوظة، و صراعه مع السجان صراع رأي وحق تعبير، لكن الإنسانية بذاتها محفوظة.
أما في “موت مؤجل”، فالسجان ممن يمثلون حضن الوطن الذي لجأ إليه؛ فالصراع هنا ليس سياسياً بل غدا الصراع تمرداً وخيانة، وكأن الكاتب يقول لنفسه: كيف إذا كانت هذه العذابات من أبناء جلدتنا؟ والسجين هنا تسلب إنسانيته، وهو جوهر الوجود بالكامل، فكيف تكون المواجهة مع العدو؟ في “يا صاحبي السجن”، السجن مؤسسة عقابية لها قوانينها وإجراءاتها المعروفة في أدب السجون، حيث يسلب الإنسان حريته مع الاحتفاظ بذاته وهويته، أما في “موت مؤجل”، فالسجن مجرد مكان يمكن عده جحيماً تتلاشى فيه الإنسانية، وهناك يتبلور معنى الموت المعيش في الزنازين، فيتحول السجين إلى مجرد رقم لا هوية، لا اسم، لا إنسان، (علمت لاحقاً أنهم يسمون ذلك “النوم سيافي”، ففتحت عيني فضحكت وبكيت في اللحظة ذاتها؛ لقد كانت الجثث التي رأيتها بالأمس في الممر وعلى أرض الزنازين قد استعادت حركتها من جديد).
أما فيما يتعلق بلغة والسردية، فتكمن قوة رواية “يا صاحبي السجن” في نقل المعاناة اليومية والتفاصيل الدقيقة للحياة في السجن بأسلوب شاعري مؤثر، بينما تتميز “موت مؤجل” بقوة الحبكة والانتقالات الدرامية من هدوء العيادة إلى صدمة السجن، وفيها الكثير من المجاز والتصوير، كما توجد فيها اللغة الإنسانية التي تحول الهامش الضيق إلى مساحة نجاة مؤقتة، “يا صاحبي السجن” هي وثيقة إنسانية لتجربة سياسية اعتقال في الوطن، أما “موت مؤجل” فهي رسالة عن الموت المعنوي قبل الجسد، وهي عمل استثنائي، ليس لأنه يروي عن السجن، بل لأنه يفكك معنى الوطن حين يصبح هو الجلاد، على الرغم من الإطالة في وصف الجسد على حساب تمزيق المعنى الإنساني.



