📰 آخر الأخبار
​الدُّبُّ المغرور/عبدالناصر عليوي العبيديوحين النهاية/ أسامة محمد صالح زاملحين يدنو الحنين / إنتصار الخشتالعنف لا جنس له/عائشة بوزراربلاغة الحذف وتقويض المركزية/سلهام المحمودالأدب ليس للإيجار/ د.ازهر سليمانتسريبات نقدية في رواية ينال لأمجد توفيق/الدكتور أحمد فرحاتدور العبادة - د.رافد حميد فرج القاضيأضرب واهرب/أمين الساطيRoom to Breathe/Dr Haroon Rashidفي بعض الظهيرات هي لا ترد على الهاتف/آن كارسون-ترجمة:موزة عبدالله العبدوليمن باريس إلى أوروبا من يسرقنا ثم يخوفنا من الفوضى/حسام عبد الحسينالحبلُ على الجرّار/جميلة مزرعاني - لبناندفن الموتى / توماس ستيرنز اليوت-ترجمة: حواء سعيدوتكـلمَ العودُ / شيماء عبيد- مصراليوم عيد محمد/نيفون سابا- لبنانA Thunderstorm by Emily Dickinsonمسافات - عارف عبد الرحمنعجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية/إبراهيم أبو عواد / الأردنالرجل الذي أيقظ المرأة في داخلي - كوثر الصحراويتاج من زجاج/سميرة جدي - الجزائرمكعبات الضوء/جواني عبدالطرقات الليل/مصطفى معروفيقراءة في قصة «دقيقتان» لحسين بن قرين درمشاكي/ماجد القيسي*To Dearest Eva Petropoulou Lianou by Lan Xin
​الدُّبُّ المغرور/عبدالناصر عليوي العبيديوحين النهاية/ أسامة محمد صالح زاملحين يدنو الحنين / إنتصار الخشتالعنف لا جنس له/عائشة بوزراربلاغة الحذف وتقويض المركزية/سلهام المحمودالأدب ليس للإيجار/ د.ازهر سليمانتسريبات نقدية في رواية ينال لأمجد توفيق/الدكتور أحمد فرحاتدور العبادة - د.رافد حميد فرج القاضيأضرب واهرب/أمين الساطيRoom to Breathe/Dr Haroon Rashidفي بعض الظهيرات هي لا ترد على الهاتف/آن كارسون-ترجمة:موزة عبدالله العبدوليمن باريس إلى أوروبا من يسرقنا ثم يخوفنا من الفوضى/حسام عبد الحسينالحبلُ على الجرّار/جميلة مزرعاني - لبناندفن الموتى / توماس ستيرنز اليوت-ترجمة: حواء سعيدوتكـلمَ العودُ / شيماء عبيد- مصراليوم عيد محمد/نيفون سابا- لبنانA Thunderstorm by Emily Dickinsonمسافات - عارف عبد الرحمنعجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية/إبراهيم أبو عواد / الأردنالرجل الذي أيقظ المرأة في داخلي - كوثر الصحراويتاج من زجاج/سميرة جدي - الجزائرمكعبات الضوء/جواني عبدالطرقات الليل/مصطفى معروفيقراءة في قصة «دقيقتان» لحسين بن قرين درمشاكي/ماجد القيسي*To Dearest Eva Petropoulou Lianou by Lan Xin
مقالات فكرية

هكذا تكلم ابن عربي:نشأة الوجود ومراتب الموجودات/نصر حامد أبو زيد

download

مقدمة

يتميز فكر ابن عربي في بنيته بخاصية نادرة جدًّا لا أعلم لها نظيرًا في فكر مفكر آخر. تتمثل تلك الخاصية في أن أي نقطة بداية يختارها الباحث للإبحار في فكر ابن عربي تحيل إلى نظامه الفكري كله، إنه فكر يقوم على بنية دائرية مماثلة لبنية الوجود التي سنشير إليها من بعد. وككل بنية دائرية ثمة مركز وثمة محيط، وأي نقطة على المحيط يمكن أن تكون هي نقطة البداية، وتكون في الوقت نفسه هي نقطة النهاية. ليس مهمًّا في نسق ابن عربي الفكري المتميز من أين تبدأ، لأن أي نقطة ستقودك إلى التجوال في محيط دائري ينتهي بك إلى حيث بدأت. من هنا لا بد من الإشارة مقدمًا إلى أن نظرية الوجود ونشأته ومراتبه ليست إلا نسيجًا مركبًا من عناصر ومكونات شتى تشكلت في نظرية يصعب الإلمام بها دون فك شَفراتها الأساسية.

هناك ثلاثة عناصر على الأقل في تفسير نشأة الوجود وفي تحليل مراتبه في خطاب ابن عربي؛ العنصر الأول: هو مفهوم «التجلي الأسمائي»، والعنصر الثاني: مفهوم «التجلي في النفس الإلهي»، وهو العنصر الذي يمثل محور نظرية «الكلمة» عند الشيخ الأكبر. أما العنصر الثالث: فهو مفهوم «النكاح». وسنبدأ عرضنا بشرح مفهوم «التجلي الأسمائي»، وتلخيصه أن «الأسماء الإلهية» تمثل الوسيط العازل بين «الذات الإلهية» وبين «العالم». من خلال الأسماء تَبْطُن «الذات» عن أن يلحقها وصف أو تتعلق بها معرفة أيًّا كانت سوى معرفة «وجودها». لكن هذه الأسماء ذاتها هي التي تتجلى في العالم، أي تمنحه صفة «الوجود». ومن هذه الزاوية فهي تُظهِر فعالية الذات — المحتجبة فيها — في العالم. وهنا نتفهم قول ابن عربي: «الحق بين الخلق وبين ذاته الموصوفة بالغِنى عن العالمين. فالألوهة في الجبروت البرزخي؛ فتقابل الخلق بذاتها، وتقابل الحق بذاتها. ولهذا لها التجلي في الصور الكثيرة والتحول فيها والتبدل؛ فلها إلى الخلق وجه به يتجلى في صور الخلق، ولها إلى الذات وجه به تظهر للذات. فلا يعلم المخلوق الذات إلا من وراء هذا البرزخ وهو الألوهة. فتحققناها فما وجدنا سوى ما ندعوه بها من الأسماء الحسنى؛ فليس للذات جبر في العالم إلا بهذه الأسماء الإلهية. ولا يُعرَف من الحق غير هذه الأسماء الإلهية، وهي أعيان هذه الحضرات» (راجع الفتوحات ٤: ٢٠٨-٢٠٩، وأيضًا: ٢: ٢٠٣، ٣٧٩، و٣: ٣٥٨).

ونظرية التجلي الأسمائي هذه أفادها ابن عربي دون شك من التراث الصوفي السابق عليه. ويكفي هنا الإشارة إلى كتاب «خلع النعلين» — الذي نعلم من ابن عربي اطلاعه عليه كما سبق لنا الإشارة في الفصل الأول — للصوفي الأندلسي «أبي القاسم بن قَسِي».١ وقد وضع ابن قسي الأسماء الإلهية في مكانة متميزة إلى جانب الذات الإلهية — أو الأحدية — ووصف الأسماء الإلهية بأنها الماسكة للوجود، والقائمة عليه، والمتجلية فيه. فهي الموجدة للمظاهر الوجودية.٢ وهذه الأسماء في نظر محيي الدين بن عربي هي البرزخ بين الإلهية والعالم، ولذلك تعددت حقائقها بتعدد سريانها وانبثاقها في الوجود. فهي «أصل العالم، وأصل الجوهر الفرد، وفلك الحياة، والحق المخلوق به». وهي «حقيقة الحقائق، أو جنس الأجناس العالية».٣

إن ابن عربي على خلاف الفلسفة الإشراقية — المتأثرة بالأفلاطونية المحدثة — لا يرى الوجود بنية خطية هابطة من «الواحد» أو «الأول»، ولكن الوجود عنده دائرة ذات مركز ومحيط. يمثل المحيط دائرة الموجودات الممكنة، بينما يكون المركز هو «الله» الاسم الجامع للأسماء الإلهية والمعبر في الوقت نفسه عن ظاهر «الذات». ابن عربي هنا مخلص أشد الإخلاص للمعاني والدلالات القرآنية، كما أنه مخلص بنفس القدر للتمييز الحاد الذي لا تنازل عنه بين «الذات» الإلهية وبين أسمائها وصفاتها التي يعبر عنها جميعًا الاسم الجامع «الله».

من مركز الدائرة — دائرة الوجود — وهو الاسم «الله» تمتد خطوط لكل نقطة من المحيط، وهي الأسماء الإلهية التي لا يحصرها عدد ولا يحيط بها إحصاء. لكن داخل الدائرة دوائر أصغر بعضها يصور الأسماء الفاعلة في إظهار الممكن الأول، وبعضها يمثل الأصول الطبيعية الأربعة — الماء والهواء والتراب والنار — التي منها يتكون العالم الطبيعي. «كل خط يخرج من النقطة إلى المحيط مساوٍ لصاحبه، وينتهي إلى نقطة من المحيط. والنقطة في ذاتها ما تعددت ولا تزيدت مع كثرة الخطوط الخارجة منها إلى المحيط. وهي تقابل كل نقطة من المحيط بذاتها، إذ لو كان ما يقابل به نقطة يقابل به نقطة أخرى لانقسمت ولم يصح أن تكون واحدة، وهي واحدة، فما قابلت النقط كلها — على كثرتها — إلا بذاتها. فقد ظهرت الكثرة عن الواحد العين، ولم يتكثر هو في ذاته، فبطل قول من قال لا يصدر عن الواحد إلا واحد (إشارة واضحة للفلاسفة الإشراقيين وأتباع أفلوطين من أصحاب الفيض والصدور). فذلك الخط الخارج من النقطة إلى النقطة الواحدة من المحيط هو الوجه الحاصل لكل موجود من خالقه، وهو قوله: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

فالإرادة هنا هي ذلك الخط الذي فرضناه خارجًا من نقطة الدائرة إلى المحيط، وهو التوجه الإلهي إلى عين تلك النقطة في المحيط بالإيجاد، لأن ذلك (المحيط) هو عين دائرة الممكنات. والنقطة التي في الوسط المعَيِّنة لنقطة الدائرة المحيطة الواجب الوجود لنفسه. وتلك الدائرة المفروضة دائرة أجناس الممكنات، وهي محصورة في: جوهر متحيز، وجوهر غير متحيز، وأكوان، وألوان.» «والذي لا ينحصر وجود الأنواع والأشخاص، وهو ما يحدث من كل نقطة من كل دائرة من الدوائر التي يحدث فيها دوائر الأنواع. وعن دوائر الأنواع دوائر أنواع وأشخاص، فاعلم ذلك. والأصل في النقطة الأولى لهذا كله. وذلك الخط المتصل من النقطة إلى النقطة المعينة من محيطها يمتد منها إلى ما يتولد عنها من النقطة في نصف الدائرة الخارجة عنها، وعن ذلك النصف تخرج دوائر كاملة. وعلة ذلك الامتيازُ بين «الواجب الوجود لنفسه» وبين «الممكن»؛ فلا يتمكن أن يظهر عن «الممكن»، الذي هو دائرة الأجناس، دائرةٌ كاملة؛ فإنها كانت تدخل بالمشاركة فيما وقع به الامتياز. وذلك محال، ليتبين نقص «الممكن» عن كمال «الواجب الوجود لنفسه»» (الفتوحات ١: ٢٨٩-٢٩٠).

هذا التصور الدائري للوجود هو ما يميز تصور ابن عربي عن غيره من التصورات في التراث الإسلامي، وهو تصور يجعل من صدور «الكثرة» عن «الواحد» أمرًا مقبولًا دون تعارض منطقي. ومن المهم الإشارة إلى أن ابن عربي يقرن كلامه بالرسم، وله رسالة بعنوان «إنشاء الدوائر» يفصل فيها نظريته التي تُبقي على المفهوم الديني للخلق من خلال تأويله بمفهوم ديني آخر هو «التجلي». هكذا تكون التوجهات الإلهية حاضرة في العالم، وتكون بنية العالم بنية روحية في حقيقتها وجوهرها. ويصبح من الطبيعي أن تتعدد الظواهر المرئية المشاهدة رغم الرابطة الروحية الجامعة لأشتاتها، وهي الرابطة التي لا يدركها إلا العالمون.

إن هذا التصور الدائري إلى جانب قدرته على تجسيد التصور الروحي للعالم والوجود؛ أعني بوصف الوجود بنية روحية، يضمن التقاء البداية — بداية الوجود — بالنهاية؛ الأمر الذي يُسقط مفهوم «الزمن» الخطي لصالح مفهوم «الزمن» الكوني، أو الزمن الإلهي. في هذا الزمن الإلهي الباطن الذي يُعَد الزمن الخطي الظاهر تعبيرًا — مجرد تعبير سطحي — عنه، توجد الموجودات كلها، وفيه تتحرك حركتها الدائرية التي تربط البداية بالنهاية.

«اعلم أن العالم لما كان كُروي الشكل لهذا حن الإنسان في نهايته إلى بدايته، فكان خروجنا من العدم إلى الوجود به سبحانه وإليه نرجع كما قال عز وجل: «وإليه يُرجع الأمر كله» وقال: «وإليه المصير» وقال: «وإلى الله عاقبة الأمور.» ألا تراك إذا بدأت وضع دائرة فإنك عندما تبتدئ بها لا تزال تديرها إلى أن تنتهي إلى أولها، وحينئذ تكون دائرة. ولو لم يكن الأمر كذلك لكنا إذا خرجنا من عنده خطًّا مستقيمًا لم نرجع إليه، ولم يكن يصدق قوله، وهو الصادق: «وإليه تُرجَعون.» فكل أمر وكل موجود هو دائرة تعود إلى ما كان منه بدؤها، وإن الله تعالى قد عيَّن لكل موجود مرتبة في علمه.» (الفتوحات ١: ٢٨٤)

(١) الأسماء الإلهية والممكنات

هكذا نرى أن تصور ابن عربي لمفاهيم مثل «الألوهة» و«الوجود» و«العدم» و«الإيجاد» و«الخلق» الخ، ليست هي بالضبط المفاهيم المستقرة في الوعي اللاهوتي أو في الوعي العام المتأثر به، ومن الصعب تتبع «الجذور» المتشعبة، والعناصر التكوينية الكثيرة، التي يصوغ منها الشيخ مفاهيمه الخاصة بطريقة المزج والتركيب والتأويل، وهو ما حاوله بنجاح ملموس «أبو العلا عفيفي» في دراسته الرائدة في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي.٤ ودون الدخول في تفاصيل فلسفية يكفي الإشارة هنا إلى كيفية استخدام ابن عربي للمفهوم الذي صاغه «المعتزِلة»، وهو مفهوم «الأعيان الثابتة في العدم» عن طريق توظيفه في سياق فلسفي مغاير لنسق الفكر الاعتزالي. والمعتزِلة في تاريخ الفكر الإسلامي هم مؤسسو العقلانية الدينية، أي العقلانية التي لا تتعارض مع الوحي. وفي حالة التعارض يمكن تأويل الوحي لُغويًّا، أي وفق قوانين اللغة وبلاغتها، ومن أهمها قانون «المجاز» بكل فروعه التصويرية والأسلوبية.٥ في محاولة المعتزِلة تفسير معنى كلمة «شيء» في العبارة القرآنية: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ كان على المعتزِلة أن يجيبوا على السؤال التالي: إلى أي حد يمكن أن يُطلَق اسم «الشيء» على ما لم يوجَد بعد، أي على المعدوم؟ وقد جعلتهم محاولة الإجابة يفترضون وجودًا ما في حالة «العدم» يمكن أن يُطلَق عليه اسم «شيء»، وهو افتراض يقوم على مبدأ «عدم الاستحالة» من جهة، ويقوم من جهة «اللغة» على وجود عبارات من أمثال: «ما عندي شيء» أو «لا أملك من أمر نفسي شيئًا»، وهي عبارات نافية للشيئية، الأمر الذي يفترض «وجودًا» ما يُطلَق عليه اسم الشيئية. يؤكد الافتراض ويرسخه الآيات القرآنية مثل: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وأمثال ذلك من العبارات القرآنية الكثيرة.

يستخدم ابن عربي مفهوم «الأعيان الثابتة» ويوظفه في نسق تصوره العام للوجود ولنشأته. فهذه «الأعيان الثابتة» في العدم — يقول ابن عربي — لا تمتلك من خصائص الوجود شيئًا سوى القابلية لسماع الأمر الإلهي والاستجابة له: «ولم يكن للأعيان في حال عدمها شيء من النِّسب إلا السَّمع، فكانت الأعيان مستعدة في ذواتها، في حال عدمها، لقبول الأمر الإلهي إذا ورد عليها بالوجود. فلما أراد لها الوجود قال لها «كن» فتكونت وظهرت في أعيانها، فكان الكلام الإلهي أول شيء أدركته من الله تعالى بالكلام الذي يليق به سبحانه» (الفتوحات ١: ١٨٧). وهذا الفهم متسق تمامًا مع النسق القرآني، حيث قال الله تعالى للسماء والأرض: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فالطاعة هنا هي سرعة الاستجابة للأمر الإلهي بالتكوين.

ينبني الوجود إذن وَفقًا لنظرية «التجلي الأسمائي» على جدليةٍ يكون فيها الإيجاد بمعنى «الإظهار» من حالة العدم، أي النقل من حالة إلى حالة أخرى. فوجود الذات الإلهية وجود في مرتبة «الوجود لا بشرط شيء»، هو الوجود الذي لا تقييد فيه من أي نوع؛ هو وجود بذاته ومن ذاته ولذاته، حيث لا يُعقل بتاتًا تصور أي ثنائية أو كثرة في صعيد هذا الوجود. تتجلى الذات الإلهية لذاتها بذاتها — التجلي الأقدس — فتُظهِر أسماءها إلى مرتبة «الوجود بشرط لا شيء». وهذا الوجود الثاني هو الوجود المطلق، ومعنى أنه مطلق أنه وجود غير مشروط بأي شرط؛ إذ الإطلاق ليس شرطًا. والفارق بين مرتبة الوجود الثاني هذه وبين مرتبة الوجود الأول هو وجود صفة «الإطلاق» في الثاني دون الأول.٦

إذا كان ظهور «الذات الإلهية» بأسمائها يمثل «التجلي الأقدس»، فإن تجلي الأسماء بإظهار العالم هو «التجلي المقدس». ولأنه إظهار وليس إيجادًا من عدم، فإن دَور «الأعيان الثابتة» لا يقل حيويةً عن دور الأسماء الإلهية. ولنبدأ مع ابن عربي لنرى تصوره لنشأة الوجود. في أسلوب سردي مشوِّق بقدر ما هو مُغْرٍ لمن يبحث عن تكفير الشيخ،٧ يصور ابن عربي كيف توجهت الأسماء الإلهية على إيجاد أعيان الممكنات بإظهارها. في قراءتنا لسردية ابن عربي التصويرية علينا إذن أن نحذر من القراءة الحرفية، ونظل دائمًا على وعي وبصيرة بطبيعة اللغة التمثيلية «الأليجورية»: يقول ابن عربي إن الأصل هو أن «الممكنات» في حالة العدم سألت الأسماء الإلهية أن تمنحها الوجود. كيف؟ يصف ابن عربي سؤال الممكنات بأنه كان سؤال افتقار وذلة؛ فقالت:

الممكنات: إن العدم قد أعمانا عن إدراك بعضنا بعضا، وعن معرفة ما يجب لكم من الحق علينا. فلو أنكم أظهرتم أعياننا وكسَوتمونا حُلَّة الوجود أنعمتم علينا وقمنا لكم بما ينبغي لكم من الإجلال والتعظيم. وأنتم أيضًا كانت السلطنة تصح لكم في ظهورنا بالفعل، واليوم أنتم علينا سلاطين بالقوة والصلاحية؛ فهذا الذي نطلبه منكم هو في حقكم أكثر منه في حقنا.

أدركت الأسماء الإلهية — مثل الخالق الذي هو المقدِّر، والعالم، والمدبر، والمفصِّل، والباري، والمصوِّر، والرازق، والشكور، وجميع الأسماء الإلهية — أن هذا الذي ذكرته الممكنات صحيح لأنهم حين نظروا في ذواتهم لم يجدوا مرجعية لهم تبرز فاعليتهم، فأين «المخلوق» و«المعلوم» والمدبَّر … إلخ؟ الممكنات إذن على حق في قولهم إن الأسماء تظل مثلهم مجرد ممكنات (بالقوة والصلاحية لا بالفعل والتحقق) ما لم توجد الممكنات نفسها فتمنح الأسماء صلاحيتها الفعلية.

المفهوم الجدير بالإبراز هنا أن ابن عربي يجعل الوجود علاقة مشاركة بين «الأسماء الإلهية» و«العالم»؛ إذ بدون ظهور أعيان الممكنات من حالة العدم لا تتحقق للأسماء الإلهية فعاليتها، فتظل مجرد إمكانيات باطنة في الذات الإلهية. ومن جهة أخرى فإن ظهور الممكنات من حالة العدم إلى حالة الوجود أمر مستحيل دون ممارسة الأسماء الإلهية لفعاليتها. نحن إذن إزاء مرتبتين، أو لنقل كينونتين، تتضمن إحداهما الأخرى تضمنًا ضروريًّا: هما «الألوهية» و«العالم»، وكلتاهما بالنسبة للذات الإلهية — الواجب الوجود بالذات — ممكنات وجودية.

من هنا يجب تفَهُّم لماذا حرص ابن عربي في عرضه التصويري أن يبين كيف اعتمدت الممكنات في تحريضها للأسماء على المسارعة في إظهار أعيانها إلى تأكيد حاجتهن — حاجة الممكنات — أولًا إلى الظهور، ثم ثانيًا بيان احتياج الأسماء لهذا الظهور من أجل أن تُبرز فعاليتها. والحال كذلك، فمن الفاعل ومن المنفعل؟ هل الأسماء الإلهية هي التي أظهرت الممكنات، أم الممكنات هي التي أظهرت الأسماء؟ سؤال محير، لكن «الحَيرة» في نظر ابن عربي هي قمة المعرفة الحقيقية. من هنا نفهم تساؤله البلاغي الشعري:

العبد رب والرب عبد

يا ليت شِعري من المكلَّف

إن قيل عبد فذاك رب

أو قيل رب أنَّى يُكلَّف

ولأن طلب الممكنات كان مقنعًا للأسماء من زاوية حاجتها هي لإظهار سلطان فعاليتها، فقد اجتمعت — كما يقص ابن عربي — وتشاورت وقررت التوجه للاسم الإلهي «الباري» طالبة منه أن يُظهر أعيان الممكنات. لكن الاسم «الباري» يحتاج إلى الاسم «القادر» ليتمكن من القيام بمهمته؛ فيحيل الاسم «الباري» الأسماء الإلهية لتطلب من الاسم «القادر» إظهار فعاليته التي تمنح الاسم «الباري» القدرة لإظهار فعاليته بإظهار أعيان الممكنات.

لكن الاسم «القادر» بدوره اسم يدل على مطلق القدرة — إن الله على كل شيء قدير — فهو يحتاج من ثَم للمرجِّح والمخصِّص الذي يحدد له مجال ممارسة فعالية فعله — «القدرة» — على التحديد. وهذا الترجيح والتخصيص من وظائف ومهامِّ الاسم الإلهي «المُريد»، وهكذا يحيل الاسم «القادر» الأسماء الإلهية الأخرى، لكي تتوجه بطلبها إلى الاسم الإلهي «المُريد». يقوم الاسم الإلهي «المُريد» بدوره بإحالة الأسماء الإلهية لتتوجه للاسم الإلهي «العالِم»، الذي يطلب بدوره من الأسماء الإلهية أن تستأذن الاسم الجامع «الله». ورغم أن الاسم الله يمثل الجمعية — جمعية الأسماء الإلهية — فهو محكوم بسلطة «الذات» الإلهية؛ فيحتاج من ثَم إلى الدخول على مدلول «الذات» طلبًا للإذن بالفعل.

لا يسرد لنا ابن عربي ما قاله الاسم «الله» للذات الإلهية. أكثر من ذلك لا ينص ابن عربي صراحة، أي لا يصرح تصريحًا مباشرًا بدخول «الله» على الذات، ويكتفي بالقول إنه دخل على «مدلول» الذات. وهي عبارة تعكس حرصًا بالغًا من جانب ابن عربي على عدم إعطاء أي وصف لغوي — فلسفي أو لاهوتي أو حتى سردي — للذات الإلهية. إنها خارج العالم وفوق أي معرفة، ولا تطولها العبارة سلبًا أو إيجابًا. إن وسيلتنا لمقاربة وجودها — مجرد وجودها بلا زيادة ولا نقصان — هو معرفة «الأسماء» الإلهية. ومعرفة «العالم» هي وسيلتنا الوحيدة الممكنة لمعرفة «الأسماء» الإلهية. وإذا كنا نحن العارفين جزءًا من العالم، الجزء الذي يمثل الكل، فالعالم «إنسان كبير» والإنسان «عالم صغير»، فإن معرفتنا بذواتنا هي معرفة بالعالم ومعرفة بالأسماء الإلهية. أليس «من عرَف نفسه فقد عرَف ربه»؟

ليس ثمة وسيلة إذن لمعرفة ما جرى حين دخل الاسم الجامع «الله» على مدلول الذات الإلهية. وينتهي التصوير السردي لقصة الخلق، أو بالأحرى لقصة ظهور العالم من حالة العدم، بقول ابن عربي: فخرج الاسم «الله» ومعه الاسم «المتكلم» يترجم عنه للممكنات والأسماء (الإلهية)، فذكر لهم (الاسمُ الله) ما ذكره المسمَّى (أي الذات)؛ فتعلق (الاسم الإلهي) «العالِم» و(الاسم الإلهي) «المُريد» و(الاسم الإلهي) «القائل» و(الاسم الإلهي) «القادر» فظهر الممكن الأول من الممكنات بتخصيص (الاسم الإلهي) «المُريد» وحُكم (الاسم الإلهي) «العالِم» (الفتوحات ١: ٣٦٠).

جدير بالإشارة هنا أن الشيخ يعطي دورًا متميزًا لاسمين إلهيين متشابهين، هما الاسم «المتكلم» والاسم «القائل»، فما هو الفارق بينهما؟ لاحظنا أن دور الاسم الإلهي «المتكلم» في التصوير السردي هو «الترجمة» عن الاسم «الله» فيما ينقله هذا الأخير عن «الذات»، بينما يكون دور الاسم الإلهي «القائل» متعلقًا بإظهار أعيان الممكنات.

هذا التمييز بين صفة «الكلام» وصفة «القول» ليس مجرد تمييز شكلي أو إجرائي، فالكلام صفةٌ محايثةٌ للذات، أي من الصفات الذاتية، بينما تنتمي صفة «القول» لصفات «الأفعال». وابن عربي في هذا التمييز بين «المتكلم» و«القائل» يستند بلا شك للمعطيات القرآنية المباشرة، حيث يتعلق «القول» بفعل «الإيجاد» متمثلًا في الأمر الإلهي «كن» تعبيرًا عن «الإرادة»، بينما تتعلق صفة «الكلام» بسياقات أخرى: الكلام مع الملائكة، الكلام مع موسى … إلخ. وهنا يبدو ابن عربي حريصًا على عدم مخالفة ظاهر القرآن بالتأويل، على طريقة المعتزِلة خصوصًا، والفلاسفة والمتكلمين على وجه العموم. لكنه في الوقت نفسه لا يتردد في استعارة بعض مفاهيمهم بقدر ما تتلاءم مع نسقه المعرفي وتخدم فلسفته.

من الضروري أيضًا أن نلاحظ أن الشيخ في هذا التصوير السردي لا يتحدث عن إبراز الممكنات كلها، فهذا لا يتسق مع مفهومه للخلق المتجدد والتجليات الدائمة استنادًا إلى العبارة القرآنية: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ، بقدر ما يتحدث عن ظهور الممكن «الأول» من الممكنات في إشارة واضحة «للعقل الأول» عند الفلاسفة الإشراقيين، أو «للقلم» في القرآن، أو «الحقيقة المحمدية» عند الصوفية، أو «حقيقة الحقائق الكلية» عند المشائين من أتباع «أرسطو». عن هذا الموجود الأول انبثقت الموجودات الكلية من خلال عمليات تفاعل كونية تتحكم فيه، وتوجهها «التجليات الإلهية» الدائمة.

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية