📰 آخر الأخبار
قراءة نقدية: لقصة لماذا لا تعود امي ؟: للْقَاصُّ وَالرِّوَائِيُّ عَدْنَانُ مَهْدِي الطَّائِيُّ/ا.د حمام محمد ثلاث باقات من الهايكو الهندي المعاصر/ ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال​الدُّبُّ المغرور/عبدالناصر عليوي العبيديوحين النهاية/ أسامة محمد صالح زاملحين يدنو الحنين / إنتصار الخشتالعنف لا جنس له/عائشة بوزراربلاغة الحذف وتقويض المركزية/سلهام المحمودالأدب ليس للإيجار/ د.ازهر سليمانتسريبات نقدية في رواية ينال لأمجد توفيق/الدكتور أحمد فرحاتدور العبادة - د.رافد حميد فرج القاضيأضرب واهرب/أمين الساطيRoom to Breathe/Dr Haroon Rashidفي بعض الظهيرات هي لا ترد على الهاتف/آن كارسون-ترجمة:موزة عبدالله العبدوليمن باريس إلى أوروبا من يسرقنا ثم يخوفنا من الفوضى/حسام عبد الحسينالحبلُ على الجرّار/جميلة مزرعاني - لبناندفن الموتى / توماس ستيرنز اليوت-ترجمة: حواء سعيدوتكـلمَ العودُ / شيماء عبيد- مصراليوم عيد محمد/نيفون سابا- لبنانA Thunderstorm by Emily Dickinsonمسافات - عارف عبد الرحمنعجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية/إبراهيم أبو عواد / الأردنالرجل الذي أيقظ المرأة في داخلي - كوثر الصحراويتاج من زجاج/سميرة جدي - الجزائرمكعبات الضوء/جواني عبدالطرقات الليل/مصطفى معروفي
قراءة نقدية: لقصة لماذا لا تعود امي ؟: للْقَاصُّ وَالرِّوَائِيُّ عَدْنَانُ مَهْدِي الطَّائِيُّ/ا.د حمام محمد ثلاث باقات من الهايكو الهندي المعاصر/ ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال​الدُّبُّ المغرور/عبدالناصر عليوي العبيديوحين النهاية/ أسامة محمد صالح زاملحين يدنو الحنين / إنتصار الخشتالعنف لا جنس له/عائشة بوزراربلاغة الحذف وتقويض المركزية/سلهام المحمودالأدب ليس للإيجار/ د.ازهر سليمانتسريبات نقدية في رواية ينال لأمجد توفيق/الدكتور أحمد فرحاتدور العبادة - د.رافد حميد فرج القاضيأضرب واهرب/أمين الساطيRoom to Breathe/Dr Haroon Rashidفي بعض الظهيرات هي لا ترد على الهاتف/آن كارسون-ترجمة:موزة عبدالله العبدوليمن باريس إلى أوروبا من يسرقنا ثم يخوفنا من الفوضى/حسام عبد الحسينالحبلُ على الجرّار/جميلة مزرعاني - لبناندفن الموتى / توماس ستيرنز اليوت-ترجمة: حواء سعيدوتكـلمَ العودُ / شيماء عبيد- مصراليوم عيد محمد/نيفون سابا- لبنانA Thunderstorm by Emily Dickinsonمسافات - عارف عبد الرحمنعجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية/إبراهيم أبو عواد / الأردنالرجل الذي أيقظ المرأة في داخلي - كوثر الصحراويتاج من زجاج/سميرة جدي - الجزائرمكعبات الضوء/جواني عبدالطرقات الليل/مصطفى معروفي
مقالات فكرية

هكذا تكلم ابن عربي:نشأة الوجود ومراتب الموجودات/نصر حامد أبو زيد

(٤) الإنسان كلمة الله

إذا كانت مرتبة الإنسان هي آخر مراتب الوجود، فالإنسان نفسه هو أرقى الموجودات وأعلاها من حيث إنه مجلى كل حقائق الوجود ومراتبه من جهة، وهو مجلى الحقيقة الإلهية من جهة أخرى. ويطول بنا المقام لو أردنا أن نتتبع الموازاة التفصيلية الدقيقة التي يقيمها ابن عربي بين حقيقة الإنسان وحقائق الوجود.١٤ من هذه الزاوية فقط يُعتبر الإنسان آخر الموجودات. وعلى العكس من ذلك يكون الإنسان «أول» الموجودات من حيث القصد الإلهي. من هذه الزاوية الثانية يمكن لابن عربي أن يصف الإنسان بأنه «الأول والآخِر» (الفتوحات ٣: ٣٤٣). بل يمكن له كذلك أن يصفه بأنه «الظاهر والباطن»، إذ يستمد باطنيته من حقيقة أن الأسماء الإلهية مجتمعةً — ممثلةً في الألوهة إحدى مراتب المستوى الأول — توحدت على إيجاده (الفتوحات ٢: ٤٦٨). من خلال هذه الأوصاف يؤكد ابن عربي أوجه التشابه بين «الله» و«الإنسان»؛ فالله هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ (سورة الحديد ٥٧، الآية ٣). وبعبارة أخرى يمكن القول إن للإنسان — كلمة الله — جانبين: ظاهر يجمع كل مراتب الوجود من أرقاها — القلم أو العقل الأول — إلى أدناها — الحيوانية، وجانب باطن هو حقيقته الروحية المستمدة من عالم الألوهة في مستوى برزخ البرازخ. من هنا يصح الوصف بأن الإنسان عالم صغير، وأن العالَم ليس إلا إنسانًا كبيرًا. وإذا كان كلٌّ من الإنسان والعالم يمثلان ظاهر «الألوهة»، فالعالم يمثلها من حيث كثرة الأسماء والصفات، في حين يمثل الإنسان الألوهة من حيث جمعيتها، وكما تتمثل في الاسم الإلهي «الله». إن العالم في كثرته لا يمكن الإحاطة به، كما أن الأسماء الإلهية في كثرتها تند عن الحصر والإحاطة، أما الإنسان فيمكن الإحاطة به نظرًا وإدراكًا. إنه «الجِرْم الصغير» الذي تجلى فيه «العالَم الأكبر».

يقول ابن عربي: «العالَم ما في قوة إنسانٍ حصره في الإدراك لكِبَره وعِظَمه، والإنسان صغير الحجم يحيط به الإدراك من حيث صورته وتشريحه، وبما يحمله من القوى الروحانية. فرتب الله فيه جميع ما سوى الله؛ فارتبطت بكل جزء منه حقيقة الاسم الإلهي الذي أبرزته (هذا الجزء) وظهر عنها؛ فارتبطت به الأسماء الإلهية كلها لم يشذ عنه منها شيء، فخرج آدم على صورة الاسم الله؛ إذ كان هذا الاسم يتضمن جميع الأسماء الإلهية. كذلك الإنسان، وإن صَغُر جِرْمه، فإنه يتضمن جميع المعاني» (الفتوحات ٢: ١٢٤).١٥

تلك الموازاة بين الإنسان والعالم لا تنفي كونه جزءًا من العالم، فهو جزء أصيل يمثل الروح بالنسبة للجسد؛ ذلك لأن وجود العالم قبل إيجاد الإنسان — مع الحذر دائمًا من تصور وجود «قَبْلية» أو بَعْدية زمانية — كان «وجود شبحٍ لا روح فيه، فكان كمرآةٍ غير مَجْلُوَّة … فاقتضى الأمر جلاء تلك المرآة، فكان آدم جلاء تلك المرأة، ورُوح تلك الصورة.»١٦ وعلينا هنا أن نتأمل صورة «المرآة» ونستعيد ما قاله ابن عربي عن «حُبِّ» الذات الإلهية أن ترى نفسها في صورة غيرية، أي غير رؤيتها لذاتها بذاتها. وعلينا أن نستعيد تأويل ابن عربي للحديث القدسي: «كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أُعرَف فخلقت الخلق فبي عرَفوني»؛ فهذا الحب هو الذي نتج عنه العماء (النفَس الإلهي) الذي تشكلت فيه مراتب الوجود. العالم إذن هو المرآة، لكنه بدون الإنسان مرآة غير مجلوة، ولا يجلوها إلا وجود الإنسان. وبعبارة أخرى لا يكون العالم ممثِّلًا للوجود الإلهي إلا بوجود الإنسان؛ لأنه بالنسبة للعالم بمثابة «الروح» بالنسبة للجسد. إن «الإنسان» هو رُوح العالم الذي بدونه لا يكون العالم موازيًا لحقائق الألوهة؛ فالإنسان موازٍ للألوهة أو هو على صورة الله.١٧ ولا يكون العالم موازيًا للألوهة أو على صورة الله إلا بالإنسان: «فالعالم بالإنسان على صورة الحق (الفتوحات ٣: ٣٤٣). والإنسان دون العالم على صورة الحق. والعالم دون الإنسان ليس على الكمال في صورة الحق». وهذه المعادلة الوجودية يمكن تلخيصها كما يلي:

باطن الإنسان …………… / / الله.

ظاهر الإنسان …………… / / العالم.

العالم (بدون الإنسان) = جسد بلا روح (مرآة صَدِئة غير مَجْلُوَّة).

العالم … + … الإنسان … / / الله.

الله    / /    الإنسان    / /    العالم.

وهنا نصل إلى مفهوم الإنسان بوصفه «برزخًا جامعًا للطرفين»،١٨ وهو المفهوم الذي يُبرز أفضلية الإنسان على الموجودات كلها؛ لأنه متميز عنها بكماله الذاتي وعدم مماثلته لأي جزء من مفردات الموجودات، وذلك رغم استمداده وجوده منها جميعها: «فجميع العالم برز من عدم إلى وجود إلا الإنسان وحده؛ فإنه ظهر من وجود إلى وجود: من وجود فَرْق إلى وجود جمع، فتغير الحال عليه من افتراق إلى اجتماع، والعالم تغير عليه الحال من عدم إلى وجود، فبين الإنسان والعالم ما بين الوجود والعدم، ولهذا ليس كمثل الإنسان شيء» (الفتوحات ٣: ٣٩٠). لا بد أن نلاحظ هنا كيف يقيم ابن عربي التماثل بين حقيقة الإنسان وبين الاسم الله خلال الاستشهاد بعبارات قرآنية. إن الإنسان الذي ينطبق عليه الوصف: الأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، ينطبق عليه كذلك وصف: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (سورة الشورى ٤٢، الآية ١١).

لكن علينا أيضًا أن نؤكد أن ابن عربي يتحدث هنا عن تشابه وتماثل لا عن تطابق؛ فالعالم والإنسان صور ومرايا لحقيقة واحدة. وأيًّا كانت الصورة فهي تعكس الأصل بحسب طبيعتها، وليست هي الأصل. وعلى ذلك فالإنسان ليس هو الله وإن جمع في ذاته بين الصورتين الإلهية والكونية (الفتوحات ٣: ٣٤٣-٣٤٤، ٢: ٤٦٨). فالإنسان مماثل لله ومماثل للعالم، لكن هذه المماثلة لا تنفي التغاير بين الله والإنسان من جهة، وبين الله والعالم من جهة أخرى، فضلًا عن التغاير بين الإنسان والعالم. ومن الواجب علينا حين يوازي ابن عربي بين حقائق الألوهة وحقائق العالم أن نفهم أن «العالم» في هذه الموازاة يتضمن الإنسان. وعلينا أيضًا أن نلاحظ أن الإنسان الذي يوازي ابن عربي بينه وبين العالم من جهة وبينه وبين حقائق الألوهة من جهة أخرى هو الإنسان العارف الذي وصل إلى معرفة حقيقة نفسه. إنه الإنسان الكامل الذي يُعَد آدم المجْلَى الأول له، كما يُعَد الرسل والأنبياء والعارفون الوارثون تجليات مختلفة لحقيقته الروحية.

وهنا لا بد من التعرض للجانب المعرفي في مسألة التجليات الإلهية، التي هي علة ظهور أعيان الموجودات؛ لأنها هي بذاتها علة المعرفة التي يقذفها الله في قلب المؤمن بعد أن يُجْلي مرآة قلبه بالانصراف عن كل ما سوى الله وتوجيه الهمة إليه وحده. ولا يمكن لقلب العارف أن يمتلئ بالمعرفة الكاملة إلا بعد رحلته المعرفية التي ينفذ من خلالها من ظاهره/ظاهر الوجود إلى باطنه، الذي هو أيضًا باطن الوجود. هناك إذن نمطان من التجلي الإلهي: التجلي الوجودي للظهور في أعيان صور الممكنات، والتي أكملها صورة «الإنسان»، والنمط الثاني هو التجلي الإلهي المعرفي على قلوب العباد. وشرط وقوع هذا التجلي أن ينهض العبد بواجبه في الرحيل القصدي خارج العالم والولوج إلى حضرة الحق؛ فيتجلى الله على قلبه، أو لنقُل تنكشف له الحقيقة من باطنه فيصبح قادرًا على «التأويل» — تأويل الكلام الوجودي — وصولًا لدلالته العميقة. والرحيل في معراج الصعود عبر مراتب الوجود أمر ضروري؛ لأن ظهور صور أعيان الموجودات يمثل حُجُبًا كثيفة متراكمة تحجب الحقيقة، والتجلي الإلهي على قلب المؤمن لا يتم إلا بعد ارتفاع تلك الحجب عن صورة العارف. وفي هذا السياق يحتفي المتصوفة بالحديث القدسي: «ما وسِعني أرضي ولا سمائي ووسِعني قلب عبدي المؤمن».١٩

هكذا يبدأ التجلي المعرفي بمبادرة إنسانية في اتجاهٍ معاكس لاتجاه التجلي الوجودي، بحيث يمكن القول إن التجلي الوجودي يبدأ أولًا في عالم «برزخ البرازخ» ليصل إلى عالم الكون والاستحالة، في حين أن التجلي المعرفي يبدأ من عالم الكون والاستحالة مع بدايات معراج الصوفي في رحلته. وإذا كان التجلي الوجودي في أعيان الموجودات يجعل لها ظاهرًا وباطنًا، فقد يكون التجلي المعرفي على ظاهر الإنسان؛ فيدرك ظواهر أعيان الموجودات، وقد يكون تجليًا على باطن الإنسان — القلب — فيدرك علومًا من علوم الأسرار. وإذا كانت علوم معرفة الظواهر تحتمل الخطأ وتحتاج تأويلًا، فإن علوم الأسرار ليست كذلك؛ لأنها أشبه ﺑ «النصوص» التي لا إشكال فيها. وهذه العلوم هي التي تمكن العارف من القدرة على فهم حقيقة أعيان الموجودات، والنفاذ إلى أسرارها الباطنة. وتزداد العلوم التي تنكشف لقلب العارف مع رقيه في المعراج. وكلما رَقِيَ درجة زاد التجلي في باطنه بقدر ما ينقص الوعي بظاهره، حتى يصل إلى حالة الفناء، أو المشاهدة التامة، فيغمر التجلي باطن العارف وظاهره، أو بالأحرى لنقُل تنتفي الثنائية التي مردها إلى عالم الكون والاستحالة. هذا الاستغراق إلى حد «الفناء» يمثل نوعًا من الموت «الاختياري» تنقشع فيه الحجب، ويصبح البصر بصيرة، وهي الحالة التي لا تحدث للإنسان العادي إلا بالموت، حين يصبح البصر حديدًا، فيقال له: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (سورة ق ٥٠، الآية ٢٢).

إن حالة «الفناء» تلك ليست إلا يقظة من «الغفلة» التي يعيشها الإنسان العادي وتستغرقه. يقظة من الحياة في عالم الصور، التي هي أشبه بالصور التي تتراءى للنائم؛ فيظنها حقيقة ثم يستيقظ فيكتشف أنها كانت أوهامًا. وليس الوجود في نظر ابن عربي في حقيقته إلا خيالًا يماثل الصور التي تتراءى للنائم في أحلامه. والمراتب المختلفة والمتعددة للوجود من أولها إلى آخرها — وهو الوجود الإنساني — تخضع جميعها لهذا التصور. الصوفي وحده هو الذي يدرك تلك الحقيقة؛ «فإذا ترقى الإنسان في دَرَج المعرفة علم أنه نائم في حال اليقظة المعهودة، وأن الأمر الذي هو فيه رؤيا إيمانًا وكشفًا. ولهذا ذكر الله أمورًا واقعة في ظاهر الحس وقال: «فاعتبروا»، وقال: «إن في ذلك لعبرة»، أي جُوزوا واعبروا مما ظهر لكم من ذلك إلى علم ما بطَن منه» (الفتوحات ٢: ٣٧٩). هكذا تمثل مراتب الوجود حجابًا على الحقيقة، كما تمثل الصورة في «الرؤيا» غطاء على المعنى، وتصبح رمزًا يحتاج إلى تأويل. يحتاج الوجود إلى تأويل معناه ودلالته بما هو صور وكلمات دالة على مدلول كامن خلف رمزيتها. وليس هذا التأويل لكلمات الله الوجودية أمرًا متاحًا لكل البشر، بل هو هبة إلهية يختص بها من البشر من تحقق بحقيقته الكونية والإلهية معًا، أي بحقيقته من حيث كونه «كلمة» أيضًا. والعارف وإن عاد من حالة الفناء يظل في حالة «اليقظة»؛ أي لا يعود أبدًا لحالة «النوم» التي يحياها غير العارفين. وبذلك يظل الحق معه؛ فيراه في كل شيء مهما اختلفت التجليات وتعددت الصور، لأنه في كل مجلًى يعرفه ولا ينكره (الفتوحات ٣: ٢٣٤-٢٣٥).

(٥) تأويل القرآن: كلام الله في الوجود

يتماثل تصور ابن عربي للنص الديني مع تصوراته الوجودية والمعرفية، فهو الوجود المتجلي من خلال اللغة. إنه «جوامع الكلم» — كما قال الرسول ﷺ٢٠ — التي توازي الوجود وترمز إلى حقائقه، كما توازي الإنسان وترمز إلى حقائقه. وإذا كان الإنسان هو البرزخ الجامع بين الحق والخلق، أو بين باطن الوجود وظاهره، كما سبقت الإشارة، فالقرآن يمثل «البرزخ» بين الحق والإنسان، وبهذا المعنى هو برزخ الكلمة الجامعة. يتأمل ابن عربي الآيات الأولى من سورة «الرحمن»، وكيف جمعت بين «تعليم القرآن» و«خلق الإنسان» ثم تعليمه «البيان» على هذا الترتيب: «فقوله: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ نصب القرآن، ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ؛ فيُنزِّل عليه القرآن ليترجم منه بما علَّمه الحق من البيان، الذي لم يقبله إلا هذا الإنسان. فكان القرآن عِلم التمييز، فعُلِم أين محله الذي ينزل عليه من العالم؛ فنزل على قلب محمد ﷺ نزل به الروح الأمين. ثم لا يزال ينزل على قلوب أمته إلى يوم القيامة، فنزوله في القلوب جديد لا يبلى، فهو الوحي الدائم. فللرسول — صلوات الله وسلامه عليه — الأولية في ذلك والتبليغ إلى الأسماع من البشر. والابتداء من البشر؛ فصار القرآن برزخًا بين الحق والإنسان، وظهر في قلبه على صورة لم يظهر بها في لسانه؛ فإن الله جعل لكل موطن حُكمًا لا يكون لغيره. وظهر في القلب أَحَدي العين؛ فجسَّده الخيال وقسَّمه، فأخذه اللسان فصيَّره ذا حرف وصوت، وقيَّد به سمع الآذان، وأبان أنه مترجم عن الله لا عن الرحمن لما فيه من الرحمة والقهر والسلطان … فالكلام لله بلا شك، والترجمة للمتكلم به كان من كان؛ فلا يزال كلام الله من حين نزوله يُتلى حروفًا وأصواتًا إلى أن يُرفع من الصدور ويُمحى من المصاحف، فلا يبقى مترجم يقبل نزول القرآن عليه، فلا يبقى الإنسان المخلوق على الصورة» (الفتوحات ٣: ١٠٨).

في هذا النص يخوض ابن عربي في بحار من الفكر هائجة؛ فالقرآن ليس إلا ترجمة للبيان الذي علَّمه الرحمن للإنسان حين خلقه، ولم يقبله إلا الإنسان الكامل. من هنا نفهم كيف أن القرآن «علم تمييز»، فهو نزول على القلب ليترجم به الإنسان ما سبق من البيان الذي عَلِمه من الرحمن. وليس تبليغ محمد للقرآن، الذي نزل به الروح الأمين على قلبه، إلا ترجمة إلى أسماع البشر. في هذه الترجمة يتحول القرآن عن حالة «الأحدية» في القلب ويصبح حروفًا وأصواتًا؛ أي ينتقل من الأحدية إلى «الكثرة». وهنا تكمن الموازاة بين القرآن ومستوى الوجود الأول في «البرزخ الأعلى أو برزخ البرازخ». ولكن القرآن بالإضافة إلى ذلك يتجدد نزوله على قلوب العارفين، الذين يقومون بدورهم بإبلاغه للبشر. وهذا التجدد في النزول مرتبط بتجدد المعنى والدلالة؛ فالرسول في الواقع — حسب ابن عربي — له الأوَّلية في التبليغ، والذي يواصله العلماء: أليس العلماء ورثة الأنبياء؟٢١ القرآن إذن في هذا التصور موازٍ للوجود وموازٍ للإنسان في الوقت نفسه؛ إذ هو «برزخ جامع» بينهما وبين الحقيقة الإلهية من حيث كليته، أي قبل أن يتحول في الأسماع إلى حروف وأصوات. فإذا تحول إلى حروف وأصوات، أي انتقل من حقيقته الباطنة وظهر، صار له — مثل العالم والإنسان — جانبان: «باطن» هو جمعيته من حيث النزول على قلب النبي وتجدد نزوله على قلوب العارفين، وجانب «ظاهر» من حيث تلاوته باللسان.

هذه التفرقة بين جانبي القرآن — الباطن والظاهر — تُمكِّن ابن عربي من حل معضلة قِدَم القرآن وحدوثه. إن كلمات الله الوجودية لها كما أشرنا — وجه إلى القِدَم ووجه إلى الحدوث. هي قديمة من حيث وجودها في العلم الإلهي، ومحدثة من حيث ظهورها في أعيان صور العالم. والقرآن بالمثل قديم من حيث جمعيته ووجوده الكلي في العلم الإلهي، ومحدث من حيث نزوله على قلوب العارفين وتلاوته باللسان: «له الحدوث والقِدَم؛ فله عموم الصفة، فإن له الإحاطة ولنا التقييد» (الفتوحات ٤: ٤٠٢، ٤٧٣). فالقرآن كالوجود والإنسان، جامع للقِدَم والحدوث، والظاهر والباطن، فاجتمعت فيه كل الحقائق الإلهية والكونية. وإذا كان الوجود ينقسم إلى مستويات أربعة كلية — عالم البرزخ وعالم العقول الكلية (الأمر) وعالم الأرواح (الخلق) ثم عالم الكون والاستحالة — فمن الطبيعي أن يقوم البناء الدلالي للقرآن على المستوى الرباعي نفسه. يتكون القرآن من «ظاهر» و«باطن» و«حَدٍّ» و«مَطْلَع»، وهي مراتب ومستويات دلالية تتماثل مع مراتب الوجود ومستوياته. هذا بالإضافة إلى أن لكل موجود من الموجودات ظاهرًا وباطنًا وحَدًّا ومَطْلَعًا. الظاهر هو ما ندركه بالحواس في خبرتنا اليومية، والباطن هو الروح التي تُمسك الصورة الحسية وتحفظها. أما الحد فهو ما يميز الموجود عن غيره من الموجودات، والمَطْلَع هو غاية الموجود ونهايته. للإنسان كذلك ظاهر هو صورته، وله باطن هو روحه المدبِّرة لصورته، وله حد يميزه عن الحيوان والنبات والجماد، وله مَطْلَع هو غايته ونهايته. هذا التقسيم ينطبق أيضًا على مرتبة الألوهة؛ فلها ظاهر وباطن وحد ومَطْلَع يُعبَّر عنها بالأسماء الإلهية الجامعة، وهي «الأول والآخِر والظاهر والباطن»:

«ما من شيء إلا وله ظاهر وباطن وحدٌّ ومَطْلَع، فالظاهر منه ما أعطتك صورته، والباطن ما أعطاك ما يمسك هذه الصورة، والحد ما يميزه عن غيره، والمَطْلَع منه ما يعطيك الوصول إليه إذا كنت تكشف به. وكل ما لا تكشف به فما وصلت إلى مطلعه … لا فرق بين هذه الأمور الأربعة لكل شيء وبين الأسماء الإلهية الجامعة: الاسم الظاهر؛ وهو ما أعطاه الدليل، والاسم الباطن؛ وهو ما أعطاه الشرع من العلم بالله، والأول بالوجود والآخِر بالعلم.» (الفتوحات ٤: ٤١١)

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذه الجوانب التي تنتظم مراتب الوجود الكلية، كما تتواجد في كل موجود على حدة، ليست جوانب منفصلة عن بعضها البعض، والأحرى القول إنها متداخلةٌ تداخُلَ تفاعل. فالظاهر يحيل إلى الباطن، وتأمل الباطن يكشف مستوى الحد، وتفاعل الثلاثة يفضي إلى الوصول إلى المَطْلَع. تأمُّل عالم الكون والاستحالة مثلًا — العالم الظاهر — يحيل إلى عالم الخلق — العالم الباطن —، ومع رقي المعراج يصل العارف إلى عالم الأمر — عالم الحد — والذي يُعَدُّ عالم الخلق بالنسبة له «ظاهرًا». ثم يكون الرقي النهائي إلى عالم المَطْلَع بالوصول إلى برزخ البرازخ الذي هو باطن عالم الأمر. هذا التداخل قائم بنفس الدرجة بين مستويات «الظاهر» و«الباطن» و«الحد» و«المطلع» في البنية الدلالية للقرآن. هذه الموازاة التي يقيمها ابن عربي بين القرآن والوجود موازاة أُنطولوجية وجودية بقدر ما هي أيضًا معرفية؛ لأن أساس الوجود والقرآن معًا هو العماء (النفَس الإلهي)، الذي ظهرت فيه أعيان صور الموجودات، كما ظهرت فيه حروف اللغة التي تشكلت منها الكلمات الإلهية.

الوجود    / /    اللغة    / /    القرآن.

من هذا المنطلق لا يصبح القرآن مجرد نص لغوي تاريخي تتحدد دلالته وَفقًا لقواعد وأصول موضوعية في بنية اللغة العربية؛ فاللغة العربية ذاتها مجرد مظهرٍ ومجلًى للغة الإلهية. القرآن كلام الله، والوجود كلام الله كذلك. وليس المهم عند العارف فهم كلام الله من خلال ظاهر اللغة، بل الأهم هو الاستماع إلى المتكلم من خلال مجالِي كلامه على مستوى الوجود والنص معًا: «اتلُ القرآن من حيث هو كلام الله تعالى، لا من حيث ما تدل عليه الآيات من الأخبار والأحكام؛ فإنه الرَّان (الصدأ).»٢٢ وهكذا يجب أن تكون تلاوة العارف للقرآن تلاوة إنصات لتلاوة المتكلم؛ فيكون استماع العارف للقرآن استماعًا بالإنصات لكلمات الوجود في «الآفاق» ولكلمات «النفس» من الداخل، حتى يتبين له الحق من الآيات في الوجود/الآفاق وفي النفس: «ولا تظن يا بني أن تلاوة الحق عليك وعلى أبناء جنسك من هذا القرآن العزيز خاصة. ليس هذا حظ الصوفي، بل الوجود بأسره «كتابٌ مسطورٌ في رَقٍّ منشورٍ» تلاه عليك سبحانه وتعالى لتعقل عنه إن كنت عالِمًا وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ. ولا تُحْجَبْ عن ملاحظة المختصَر الشريف من هذا المسطور، الذي هو عبارة عنك، فإن الحق تعالى تارةً يتلوه عليك من الكتاب الكبير الخارج، وتارةً يتلوه عليك من نفسك. فاستمِعْ وتأهَّبْ لخطاب مولاك إليك في أي مقام كنت، وتحفَّظْ من الوقر والصمم؛ فالصمم آفة تمنعك من إدراك تلاوة الحق عليك من نفسك المختصَرة، وهو الكتاب المعبَّر عنه بالفرقان؛ إذ الإنسان محل الجمع لما تفرَّق في العالم الكبير.»٢٣ وهذا الربط بين كلٍّ من الوجود (الكتاب الكبير)، والإنسان (المختصر الشريف) من جهة، وبين «القرآن» من جهة أخرى، يجعل فهم النفس وفهم الوجود شرطين لفهم القرآن.

هكذا لا ينفصل تأويل الوجود عن تأويل النص الديني والنفاذ إلى مستوياته المتعددة التي لا يفهمها إلا الإنسان الكامل الذي تحقق بباطن الوجود وتجاوز ظاهره. وبالوصول إلى مستوى «الفناء» في الحق يصل العارف إلى مستوى الدلالة الكلي. في هذا المستوى المعرفي تنحل كل الرموز والإشارات، التي تجسدها اللغة الإنسانية. ويصبح القرآن بالنسبة للعارف خاليًا من الإلغاز أو الرمز، اللذين يحجبان الإنسان العادي عن مستويات الدلالة المختفية وراء مستوى الظاهر اللغوي العرفي. أليس القرآن «ذكرًا»، أي تذكيرًا للنبي ﷺ بما سبقت له مشاهدته من الحقائق في معراجه، وَفقًا لفهم ابن عربي؟ وهو كذلك أيضًا بالنسبة للعارف الذي سلك على دَرَج خطى محمد في معراجه. وهكذا يصبح القرآن بالنسبة لكل من النبي والعارف خاليًا من الإجمال والإلغاز والرموز والتورية، التي توجد في الشعر مثلًا: «قال تعالى:  وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ؛ فإن الشعر محل الإجمال والرموز والإلغاز والتورية؛ أي ما رمزنا له شيئًا ولا لغَّزناه، ولا خاطبناه بشيء ونحن نريد شيئًا آخر، ولا أجملنا له في الخطاب. إن هو إلا ذكر لما شاهده حين جذبناه وغيَّبناه عنه وأحضرناه بنا عندنا، فكنَّا سمعه وبصره. ثم رددناه إليكم لتهتدوا به في ظلمات الجهل والكون، فكنا لسانه الذي يخاطبكم به. ثم أنزلنا عليه مذكِّرًا يُذكِّره بما شاهد؛ فهو ذِكر له وقرآن، أي جمع أشياء كان شاهدها عندنا، مبين ظاهر له لعلمه بأصل ما شاهده وعاينه في ذلك التقريب الأنزه الأقدس، الذي ناله منه ﷺ. ولنا منه من الحظ على قدر صفاء المحل والتهيؤ والتقوى» (الفتوحات ١: ٥١).

هل يمكن بعد هذا الشرح والتفصيل أن يعترض معترض حين يستخدم باحث مثل هنري كوربان مصطلح «تأويل» للإشارة إلى بعد أساسي من أبعاد النظام الفكري لابن عربي؟٢٤ إن عدم استخدام ابن عربي للمصطلح بأي معنًى إيجابي ليس حكمًا صحيحًا مائة بالمائة، فهو في مجال الحديث عن الرؤى والأحلام يوظف عادة إما مصطلح «التأويل» أو مصطلح «التعبير». وأما تحاشيه لاستخدام مصطلح «تأويل» حين يتصل الأمر بالقرآن فهو أمر مفهوم بعد أن تعلقت بالمصطلح دلالات سلبية في سياق الصراعات الأيديولوجية بين «الشيعة» و«السنة» بصفة خاصة.

ومن الضروري هنا تبيان أن مصطلح «التأويل» اكتسب دلالته غير الحسنة تدريجيًّا، خلال عمليات التطور والنمو الاجتماعيين وما يصاحبهما عادة من صراع فكري وسياسي. ويمكن هنا أن نستشهد ببعض الأقوال التي وردت متناثرة في كتب التاريخ والتفسير. من هذه الأقوال ما يُروَى عن علي بن أبي طالب حين رفع الأمويون المصاحف على أسنَّة السيوف، بنصيحة الداهية عمرو بن العاص، طالبين الاحتكام للقرآن، الأمر الذي أحدث انشقاقًا في صفوف جيشه، فقال عليٌّ: «بالأمس حاربناهم على تنزيله واليوم نحاربهم على تأويله»، وهي عبارة تحاول أن تَلفت أنظار الذين استجابوا للتحكيم إلى أن هؤلاء القوم من بني أمية يحاولون اليوم التلاعب بالتأويل بعد أن كانوا في سنوات سابقة يرفضون التنزيل. لكن عبارة عليٍّ لا تتضمن أي دلالة معيبة لكلمة «تأويل» التي لم تكن بعدُ قد تحولت إلى مصطلح، بل هي عبارة واصفة لطبيعة الخلاف. والذي يؤكد ذلك أنه هو نفسه الذي قال ردًّا على المُحكِّمة كذلك: «القرآن بين دَفتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال».٢٥ وهو الذي قال لابن عباسٍ وهو بصدد الحِجاج مع الخوارج: «لا تُحاجِّهم بالقرآن فإن القرآن حمَّال أوجُه، بل حاجِّهم بالسُّنَّة.»

وفيما يورده محمد بن جرير الطبري، (القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي) عن بعض التابعين في شرح الآية ٧ من سورة آل عمران: هناك من يقول عن «الذين في قلوبهم مرض» الذين يتبعون المتشابه أن المقصود هم الخوارج.٢٦ والعبارة في دلالتها الحرفية تعني أنهم يقصدون إلى تأويل المتشابه من القرآن واتباعه بهدف الفتنة؛ لأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله بنص الآية المذكورة. ولعلنا نعلم جميعًا أن هذه الآية صارت فيما بعد محور جدال عميق بين المفسرين من الاتجاهات والفرق المختلفة، لا حول تأويلها وشرح معناها فقط، بل حول علامات الوقف والاتصال فيها كذلك.

ولعلنا لا نحتاج هنا لشرح ما هو معروف تمامًا من تعدد التأويلات واختلاف التفاسير بدءًا من القرن الأول الهجري، وهو أمر اتسع ونما في القرون التالية، حتى صار مصطلح «المؤوِّلة» يُضم إلى جانب الخوارج والشيعة والمعتزِلة والمتصوفة. ولعل القرن الرابع الذي شهد نمو الفكر الشيعي على مستوى الصياغة الفلسفية واللاهوتية، هو القرن نفسه الذي شهد قمة العداء بين الدولة السُّنِّية ممثلةً في دولة الخلافة العباسية، وبين الدولة الشيعية التي امتد سلطانها حتى القاهرة. وهو كذلك القرن الذي كان قد شهد الانتصار السياسي، ممثلًا في تأييد الدولة بدءًا من عصر المتوكِّل، للفكر الفقهي السني المحافظ، بعد أن كانت في عصر المأمون والمعتصم تتبنى الفكر الاعتزالي وتعادي الموقف الفقهي السني. من الطبيعي أن يكون هذا المشهد الذي يصعب فيه التمييز بين السياسي والفكري، أو بين الدنيوي والديني، له تأثيره في إلصاق دلالة «التحريف» بدلالة «التأويل». الأمر الذي جعل مصطلح «التفسير» يتقدم تدريجيًّا ليكون هو المصطلح الدال على البراءة الموضوعية.

إن توظيف مصطلح «التأويل» في مناقشة فكر ابن عربي يستمد مشروعيته لا من العودة بالمصطلح إلى مجال تداوله الأصلي البريء من السلبية فقط، بل يستمدها معرفيًّا من حقيقة أن «ابن عربي» يرى الوجود كله خيالاتٍ ورؤًى وأحلامًا تشبه ما يتراءى للنائم في نومه. هذا الوجود الصوري يحجب الأسماء الإلهية، ولا سبيل إلى النفاذ من الصور إلى الحقائق المحتجبة وراءها إلا بالتأويل، عبر معراج الصوفي من «ظاهره» — الذي هو ظاهر الوجود — إلى باطنه، الذي هو الحقيقة. إن من شجاعة الباحث ألا يتردد في استخدام المصطلح المعبر، ولو تردد «ابن عربي» نفسه في استخدامه لأسباب تاريخية. هذا هو الفارق بين منهج التحليل الفيلولوجي — بالمعنى الكلاسيكي — وبين توظيف منهجية مركبة أنثروبولوجية تاريخية لغوية.

ولأن قضايا التأويل أوسع من أن يستوعبها بحث واحد أو كتاب مهما كان حجمه، فقد رأينا أن نكتفي في الفصل التالي — السادس والأخير — بتحليل «تأويل» الشريعة، كنموذج يمكن أن يكون كاشفًا لنهج الشيخ. ولا نريد أن نكرر أن دراستنا الأولى، والتي كانت مخصصة لمناقشة قضايا التأويل، لم تستوعب كل القضايا. ومن القضايا التأويلية التي لم تتناولها تلك الدراسة، بسبب تركيزها على القضايا اللاهوتية — الوجودية والمعرفية — قضية تأويل الشريعة. لذلك — إلى جانب أسباب أخرى سنذكرها هناك — رأينا تخصيص الفصل القادم لما لم يتسع له كتابنا السابق.

١  هو الشيخ أبو القاسم بن قَسِي شيخ طائفة المريدين في الأندلس. مات مقتولًا سنة ٥٤٦ﻫ. كان معاصرًا لاثنين من كبار رجال التصوف في الأندلس وهما: أبو العباس بن العَرِيف وأبو الحكم بن بَرَّجان اللذان اتُّهما بالزندقة فدعاهما صاحب شمال إفريقية علي بن يوسف إلى مرَّاكش وحبسهما حتى ماتا في السجن. من ذلك الوقت استقل ابن قَسِي بزعامة الصوفية في الأندلس، وأُطلق على أتباعه اسم المريدين، فألف منهم جيشًا قويًّا كان له خطره في الشئون السياسية في الأندلس وإفريقية على السواء، وقد خاض بهذا الجيش مواقع كثيرة في الثورة المعروفة بثورة المريدين، واختلفت عليه الحظوظ فانتصر في بعضها وهُزم في البعض الآخر. ثم انتهى به الأمر إلى أن قُتِلَ في ساحة القتال نتيجةً لعقد تحالف بينه وبين نصارى البرتغال سنة ٥٤٥ﻫ. أما قتله فكان في سنة ٥٤٦ﻫ، وكان بنفس الرماح التي أمده بها هؤلاء النصارى. وليس هناك من شك في أن ابن قسي كانت له آمال سياسية واسعة واستغل مريديه لتحقيقها، ولكنه في الوقت نفسه من أكبر رجال الصوفية الذين عرَفتهم الأندلس، وكان ينحو في تصوفه منحى أهل المشرق. كان من أكبر المعجبين بالإمام الغزالي، فكان يقرأ كتبه ويشرحها علانية في مجالسه متحديًا في ذلك عُرْف أهل وطنه الذين كانوا ينقِمون كل النقمة على الغزالي وكتبه. وكل إشارات ابن عربي لابن قسي تدور معظمها حول مسألة الأسماء الإلهية. (انظر تعليقات أبو العلا عفيفي على «فصوص الحِكَم»، ج٢، ٢٥٥).

٢  خلع النعلين واقتباس النور من موضع القدمين، تحقيق محمد الأمراني، آصفي، ١٩٩٧م، ص٣١، نقلًا عن عبد الرحيم حميد: التصوف اليهودي (القَبَّال) والتصوف الإسلامي، دراسة مقارنة لنظريات الوجود والمعرفة في فكر موسى الليوني ومحيي الدين بن عربي، رسالة دكتوراه مخطوطة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، أكادير بالمغرب، ٢٠٠٠-٢٠٠١م.

٣  إنشاء الدوائر ص١٦–١٩.

٤  The Mystical Philosophy of Muhyid Din-Ibnul Arabi, Cambridge University Press, 1939.

٥  كان هذا الموضوع محور دراستنا «الاتجاه العقلي في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزِلة»، سبق ذكره.

٦  انظر: عثمان يحيى: نصوص تاريخية خاصة بنظرية التوحيد في التفكير الإسلامي، ضمن كتاب «الكتاب التذكاري لمحيي الدين بن عربي»، سبق ذكره، ص٢٣٨. وانظر أيضًا: عبد الرزاق القاشاني: شرح فصوص الحِكَم، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط٢، ١٣٨٦ﻫ/١٩٦٦م، ص٤-٥.

٧  كما حدث في البرلمان المصري عام ١٩٧٩م حيث طالب بعض الأعضاء بمصادرة كتب الشيخ، وبالغ آخرون فطالبوا بحرقها.

٨  تصور العلماء العرب أن «الهمزة» تمثل صوتيًّا أقصى المخارج، وليس الأمر بالطبع كذلك، وربما كانت الألف — حركة المد الطويلة — وليس «الهمزة» هي المقصودة. وليس موضوعنا هنا مناقشة هذا الالتباس بقدر ما نحاول بيان هذا التوازي بين حروف اللغة — مرتَّبةً حسب مخارجها في النفَس الإنساني — وبين مراتب الوجود حسب ترتيبها في النفَس الإلهي.

٩  وانظر أيضًا: كتاب اصطلاح الصوفية، ضمن «رسائل ابن عربي»، سبق ذكره، ص١٢–١٤.

١٠  انظر تصويرًا دائريًّا للمراتب والأسماء الإلهية والحروف المرتبطة بها، ولأسماء أرواح الأنبياء التي تسكن الأفلاك السبعة المتحركة في:
Titus Burckhardt, Mystical Astrology According to Ibn Arabi, trans. Bulent Rauf, Gloucestershire-England 1977, pp. 32-33.

١١  سورة البقرة ٢: ١١٧؛ آل عمران ٣: ٤٧ و٥٩؛ الأنعام ٦: ٧٣؛ النحل ١٦: ٤٠؛ مريَم ١٩: ٣٥؛ يس ٣٦: ٨٢؛ غافر ٤٠: ٦٨.

١٢  في تحليل دلالة الشكل الكتابي لحرف النون، انظر: الفتوحات ١: ٥٣.

١٣  ناقشنا هذه القضية تفصيلًا في الفصل المشار إليه سابقًا من كتابنا «الاتجاه العقلي في التفسير»، سبق ذكره.

١٤  يمكن الرجوع لهذه الموازاة في الفتوحات: (١: ١٢٠-١٢١، ٢:  ٤٤٦-٤٤٧). وانظر أيضًا: إنشاء الدوائر، سبق ذكره، ص٢١–٣٢، وعُقْلة المستوفِز، ص٣٢-٣٣، والتدبيرات الإلهية، ص١٠٨-١٠٩، ٢١٠ وما بعدها. والكتابان ضمن «إنشاء الدوائر»، سبق ذكره.

١٥  وانظر أيضًا: عُقْلة المستوفِز، ص٤٥–٤٧، وعنقاء مُغرِب، ص٣٨. وقد سبق ذكرهما.

١٦  فصوص الحكم، تحقيق: أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت ١٩٤٦م، ص٤٩. وانظر أيضًا: الفتوحات ١: ٤٣٩.

١٧  «إن الله خلق الإنسان على صورته»: حديث يُنسَب للنبي ورد في صحيح البخاري، باب الاستئذان، رقم ١، وفي مسند ابن حنبل، المجلد الثاني، أرقام ٢٤٤، ٢٥١، ٣١٥، ٣٢٣ … إلخ. وانظر كيف ينطلق ابن عربي من هذا الحديث ليستنبط حقيقة الإنسان وتمثيله للصورة الإلهية في الفتوحات ٢: ٤٦٨.

١٨  عُقْلة المستوفِز، ص٤٢.

١٩  عن القلب وموقعه من الملكات الإنسانية، ودوره العرفاني انظر: الفتوحات ١: ٩٠. والتدبيرات الإلهية، ص١٣٣. وأخيرًا مواقع النجوم ومطالعة أهلة الأسرار والنجوم، ص١٣١.

٢٠  وهو حديث أورده البخاري في صحيحه، كتاب تعبير الرؤيا، رقم ١١، وأورده مسلم في صحيحه أيضًا، كتاب المساجد، أرقام ٥–٨.

٢١  البخاري، باب العلم، رقم ١٠.

٢٢  العبادلة، تحقيق عبد القادر أحمد عطا، مكتبة القاهرة، ط١، ١٣٨٩ﻫ/١٩٦٩م، ص١٤٦.

٢٣  مواقع النجوم، سبق ذكره، ص٦٧–٧٨.

٢٤  يمثل هذا الاعتراض اعتراضًا أساسيًّا عند William C. Chittick في دراسته الشاملة The Sufi Path of Knowledge: Ibn al-Arabi’s Metaphysics of Imagination, State University of New York Press, 1989, p. 199. والغريب أنه يعتمد على مراجعة Chodkiewicz لدراستي «فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي»، والتي ظهرت في عام ١٩٨٤م، Studia Islamica 60, pp 177–180 ليحكم على الدراسة — دون أن يقرأها — بأنها أثر من آثار تأثير مفهوم هنري كوربان عن «التأويل».

٢٥  انظر: محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط٤، ١٩٧٩م، الجزء الخامس، ص٤٨-٤٩ وكذلك ص٦٦.

٢٦  الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧١م، الجزء السادس، ص١٩٨.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية