📰 آخر الأخبار
قراءة نقدية: لقصة لماذا لا تعود امي ؟: للْقَاصُّ وَالرِّوَائِيُّ عَدْنَانُ مَهْدِي الطَّائِيُّ/ا.د حمام محمد ثلاث باقات من الهايكو الهندي المعاصر/ ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال​الدُّبُّ المغرور/عبدالناصر عليوي العبيديوحين النهاية/ أسامة محمد صالح زاملحين يدنو الحنين / إنتصار الخشتالعنف لا جنس له/عائشة بوزراربلاغة الحذف وتقويض المركزية/سلهام المحمودالأدب ليس للإيجار/ د.ازهر سليمانتسريبات نقدية في رواية ينال لأمجد توفيق/الدكتور أحمد فرحاتدور العبادة - د.رافد حميد فرج القاضيأضرب واهرب/أمين الساطيRoom to Breathe/Dr Haroon Rashidفي بعض الظهيرات هي لا ترد على الهاتف/آن كارسون-ترجمة:موزة عبدالله العبدوليمن باريس إلى أوروبا من يسرقنا ثم يخوفنا من الفوضى/حسام عبد الحسينالحبلُ على الجرّار/جميلة مزرعاني - لبناندفن الموتى / توماس ستيرنز اليوت-ترجمة: حواء سعيدوتكـلمَ العودُ / شيماء عبيد- مصراليوم عيد محمد/نيفون سابا- لبنانA Thunderstorm by Emily Dickinsonمسافات - عارف عبد الرحمنعجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية/إبراهيم أبو عواد / الأردنالرجل الذي أيقظ المرأة في داخلي - كوثر الصحراويتاج من زجاج/سميرة جدي - الجزائرمكعبات الضوء/جواني عبدالطرقات الليل/مصطفى معروفي
قراءة نقدية: لقصة لماذا لا تعود امي ؟: للْقَاصُّ وَالرِّوَائِيُّ عَدْنَانُ مَهْدِي الطَّائِيُّ/ا.د حمام محمد ثلاث باقات من الهايكو الهندي المعاصر/ ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال​الدُّبُّ المغرور/عبدالناصر عليوي العبيديوحين النهاية/ أسامة محمد صالح زاملحين يدنو الحنين / إنتصار الخشتالعنف لا جنس له/عائشة بوزراربلاغة الحذف وتقويض المركزية/سلهام المحمودالأدب ليس للإيجار/ د.ازهر سليمانتسريبات نقدية في رواية ينال لأمجد توفيق/الدكتور أحمد فرحاتدور العبادة - د.رافد حميد فرج القاضيأضرب واهرب/أمين الساطيRoom to Breathe/Dr Haroon Rashidفي بعض الظهيرات هي لا ترد على الهاتف/آن كارسون-ترجمة:موزة عبدالله العبدوليمن باريس إلى أوروبا من يسرقنا ثم يخوفنا من الفوضى/حسام عبد الحسينالحبلُ على الجرّار/جميلة مزرعاني - لبناندفن الموتى / توماس ستيرنز اليوت-ترجمة: حواء سعيدوتكـلمَ العودُ / شيماء عبيد- مصراليوم عيد محمد/نيفون سابا- لبنانA Thunderstorm by Emily Dickinsonمسافات - عارف عبد الرحمنعجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية/إبراهيم أبو عواد / الأردنالرجل الذي أيقظ المرأة في داخلي - كوثر الصحراويتاج من زجاج/سميرة جدي - الجزائرمكعبات الضوء/جواني عبدالطرقات الليل/مصطفى معروفي
مقالات فكرية

هكذا تكلم ابن عربي:نشأة الوجود ومراتب الموجودات/نصر حامد أبو زيد

(٢) مراتب التجليات الوجودية في النفس الإلهي

وَفقًا لمفهوم التجلي في «النفس الإلهي» يرى ابن عربي أن الوجود قد نشأ حروفًا في «النفس» الإلهي حين أرادت «الذات» الإلهية أن ترى نفسها في صورة غير ذاتها. وفي تعبير آخر إن الذات الإلهية أرادت أن تُعرَف خارج إطار ذاتيتها. يعتمد ابن عربي في هذا التصور على تأويلٍ خاص للحديث القدسي الرائج في دوائر التصوف فقط: «كنتُ كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أُعرَف؛ فخلقتُ الخلقَ فبي عرَفوني»، فيقرر أن «الواحد» أحب أن يرى نفسه في صورة غيرية، يتجلى فيها ويرى نفسه من خلالها. ويتمسك ابن عربي في تأويله للحديث القدسي بالمعنى الحرفي لكلمة «أحببتُ» ويفسرها بالعشق الذي يسبب ضِيقًا في النفس؛ فيحاول العاشق «التنفيس» عن ضِيقه بإخراج ما في صدره عن طريق «التنفس» العميق.

وهكذا يكون التجلي الإلهي الذاتي من مرتبة الوجود «لا بشرط شيء» إلى مرتبة «الوجود بشرط لا شيء» تفريجًا عن «كرب» الوحدة، وعن «حب» الواحد أن يرى ذاته ماثلة في صورة غيرية. في هذا المستوى المعبر عن «نفس» الذات بدأ الوجود رحلة تجلياته، التي هي صورة الذات منعكسة في الخارج. (الفتوحات ٢: ٣١٠، ٤٢٠).

ومن المهم هنا التوقف عند مدلول «الحب» في الحديث لارتباطه بمفهوم الرحمة؛ فالذات التي «أحبت» أن ترى نفسها في صورة أخرى غير ذاتها سبَّب لها «الحب» غير المتحقق ضِيقًا في النَّفَس، فكان «التنفس» هو الوسيلة المثلى للتفريج عن هذا الضيق. وعن هذا التنفس — الذي هو العماء — تتكون حروف الوجود حرفًا حرفًا — أو لنقُل مرتبةً مرتبةً — حتى استوت مراتب الوجود الأساسية كما تنتظم حروف اللغة في النفَس الإنساني. فإذا استوت الحروف أمكن تكوين الكلمات، وإذا استوت بالمثل مراتب الوجود الأساسية أمكن ظهور الموجودات. أليست الموجودات في النهاية هي كلمات الله؟ الوجود إذن نبَع من بُعدين ونشأ على أساسين: الحب من جهة والرحمة من جهة أخرى. وهذا هو الذي يبرر لابن عربي أن يكون مآل الوجود إلى الرحمة التي منها بدأ.

هذا النفس الإلهي هو البرزخ، وهو الوسيط الجامع الذي ينتظم الكون كله، يقسمه ابن عربي إلى أربعة مستويات، يتفرع كل مستوًى منها إلى أربعة مستويات فرعية متداخلة في بعضها البعض، بحيث يظل هناك دائمًا بين كل مستوًى والذي يليه مجالٌ مشترك يكون عادة «الرابع» في المستوى الأعلى، وهو هو بذاته «الأول» في المستوى التالي. وبعبارة أخرى، إذا كان الوجود كله من أعلاه إلى أدناه برزخًا فاصلًا وجامعًا، فإن هذا البرزخ الجامع ينقسم إلى ما لا نهاية له من البرازخ. من الضروري الإشارة هنا إلى أن ابن عربي حين يُسهب في شرح مراتب الوجود ومستوياته يحذر قارئه دائمًا من تصور أي نوع من التوالي الزماني؛ فالزمان لا مدخل له في التجليات الإلهية لأنه مفهوم نسبي محدَث مخلوق (الفتوحات ١: ٢٩١).

بالجمع بين مفهوم «التجليات الأسمائية» ومفهوم «تجلي النفَس» معًا يمكن موازاة مراتب الوجود الأساسية بحروف اللغة. وباستثناء المستوى الأول من البرزخ؛ مستوى «البرزخ الأعلى» أو «برزخ البرازخ»، تتضمن المستويات الثلاثة التي تليه مجتمعةً مراتب وجودية يصل عددها إلى ثمانٍ وعشرين مرتبة أساسية، توازي كل مرتبة منها حرفًا من حروف اللغة العربية الصوامت consonants. أما الحركات vowels فابن عربي يوازي بينها وبين مراتب المستوى الأول، البرزخ الأعلى كما سنرى.

ومن الهام هنا أيضًا تأكيد أن العلاقة بين المستويات البرزخية هي علاقة «الباطن» و«الظاهر»؛ بمعنى أن المستوى الأول — البرزخ الأعلى — يمثل المستوى «الظاهر» مقارنًا بمستوى الذات الإلهية في وحدتها المطلقة، ولكنه بالنسبة للمستوى الثاني — عالم العقول — يُعَد «باطنًا». ويُعَد المستوى الثاني، من جهة أخرى، «ظاهرًا» بالنسبة للمستوى الأول، لكنه «باطن» بالنسبة للمستوى الثالث، وهكذا. نفس العلاقة — علاقة «الباطن» و«الظاهر» — تتمثل في العلاقة بين المراتب في كل مستوًى على حدة؛ فالمرتبة الأولى في كل مستوًى تمثل «ظاهر» المرتبة الأخيرة في المستوى السابق، وهي «باطن» بالنسبة للمرتبة التالية لها داخل نفس المستوى، وهكذا.

(٢-١) مستوى «البرزخ الأعلى» أو «الخيال المطلق» أو «برزخ البرازخ» أو «العماء المطلق»

يقع هذا المستوى خارج نطاق المعرفة، إلا من خلال تجلياته — وجوديًّا ومعرفيًّا — في المستويات التي تليه. وليس هذا المستوى إلا تعبيرًا أُنطولوجيًّا/معرفيًّا عن مستوى الذات في وحدتها المطلقة وغيبها الأزلي. ويتضمن هذا المستوى أربع مراتب من «الوسائط» أو «البرازخ» هي بمثابة «العلل» الكلية للوجود عند الفلاسفة:

  • (أ) المرتبة الأولى: هي مرتبة «الألوهة»، وهي مجموع الأسماء الإلهية الفاعلة في العالم. وهي تمثل الوسيط الذي تجتمع فيه «الذات الإلهية» و«العالم»، ومن خلال هذه المرتبة يتمكن ابن عربي من حل معضلة ثنائية «الذات والصفات»، وهي معضلة أساسية في «علم الكلام». وهذه المرتبة تقابل مفهوم «العلة الفاعلة» عند الفلاسفة. في هذا الفلك الأعلى تنتظم حقائق «الألوهة» وهي النسب والإضافات التي تتطلب وجود العالم كما يتطلبها بنفس الدرجة. إنها «الحضرة الجبروتية» التي تفصل بين «الحق» و«الخلق» من جهة، وتقابلهما وتصل بينهما من جهة أخرى.
  • (ب) المرتبة الثانية: هي مرتبة «العماء أو الأعيان الثابتة في العدم»، وهي تمثل وسيطًا من نوع آخر بين «الوجود المطلق الكلي» و«العدم المطلق». إنه وسيط عالم «الإمكان» الذي توجد فيه أعيان الموجودات وجودًا بالقوة لا بالفعل. وهذه المرتبة تقابل مفهوم «العلة الهيولانية» عند الفلاسفة.
  • (جـ) المرتبة الثالثة: هي مرتبة «حقيقة الحقائق الكلية»، وهي الوسيط العلمي/المعرفي الكلي؛ أي الحقائق الكلية المعقولة التي تشبه إلى حد كبير «المقولات الكلية». وهذه المرتبة تقابل مفهوم «العلة الصورية» عند الفلاسفة.
  • (د) المرتبة الرابعة: هي مرتبة «الحقيقة المحمدية أو الإنسان الكامل»، وهي تمثل الوسيط بين «الذات الإلهية» و«الإنسان»، وهي تقابل مفهوم «العلة الغائية» عند الفلاسفة. ولهذه «الحقيقة المحمدية» جانبان بوصفها برزخًا في ذاتها: من حيث الجانب الذي تنتمي به إلى «البرزخ» الأعلى هي الحقيقة المحمدية السارية في الكون والإنسان والنبوة، هي العلة الغائية. ومن حيث الوجه الذي تنظر به إلى المستوى التالي، عالم الأمر، هي «العقل الأول» و«القلم الأعلى».

(٢-٢) مستوى «عالم الأمر» أو «العقول الكلية»

بدءًا من هذا المستوى الثاني من مستويات البرزخ نلاحظ حضورًا لمفهوم النكاح والتوالد؛ حيث كان أن بُعِثَت النفس الكلية (اللوح في القرآن) عن العقل الأول، وهو «القلم» في القرآن، «كانبعاث حواء من آدم في عالم الأجرام» (الفتوحات ١: ١٣٩). ثم بالتوالد والنكاح بين العقل/مذكر والنفس/مؤنث تولدت الطبيعة والهباء «توءمين». هكذا يكون «القلم» الأبَ الأول، ويكون اللوح بالنسبة للقلم (النفس الكلية بالنسبة للعقل) بمثابة الأم. لكن اللوح/النفس الكلية بالقياس إلى ما يليه — الطبيعة والهباء — يُعَد أبًا ثانيًا. «وبعد أن عرَفت الأب الثاني من الممكنات وأنه أم ثانية للقلم الأعلى، فكان مما أُلقيَ إليها من الإلقاء الأقدس الروحاني الطبيعةُ والهباء، فكان أولَ أمٍّ ولدت توءمين: فكان أولُ ما ألقت الطبيعةَ ثم تبعتها بالهباء؛ فالطبيعة والهباء أخ وأخت فكان الطبيعةُ الأبَ فإن لها الأثر، وكان الهباءُ الأمَّ فإن فيها ظهر الأثر، وكانت النتيجة الجسم، ثم نزل التوالد في العالم إلى التراب على ترتيب مخصوص» (الفتوحات ١: ١٤٠).

هذا المستوى — مستوى عالم الأمر أو العقول الكلية — يحتل بدوره موقعًا وسطًا بين مستوى «الخيال المطلق» السابق ومستوى «عالم الخلق» الذي يليه. وبدءًا من هذا المستوى تتجلى فعالية الأسماء الإلهية في توجهها على إيجاد أعيان مراتب الوجود التي تتعلق بها المعرفة (كما شرح ابن عربي أليجوريًّا في الفقرة السابقة). وبدءًا من هذا المستوى أيضًا ترتبط كل مرتبة وجودية بمرتبة معرفية يُعبَّر عنها برمزية حرف من حروف اللغة. وينبع هذا الربط بين مراتب الوجود الكلية وبين حروف اللغة عند ابن عربي من موازاته للمستوى السابق بمفهوم «النفَس الإلهي» كما سبقت الإشارة. وكما تتشكل حروف اللغة نطقًا في النفَس الإنساني باعتماد أعضاء النطق على أماكن معينة في جهاز النطق، كذلك تتشكل مراتب الوجود الكلية في مستوى العماء، وتظهر بالتجليات المختلفة والدائمة لحقائق الألوهة. ومن الضروري التنبيه هنا إلى أن هذا المستوى من الوجود وجود «عقلي» لا وجود «عيني» (الفتوحات ١: ٦٧٥).

  • (أ) يُعَد «العقل الأول أو القلم الأعلى» أول مبدَعٍ في العماء: فهو ينتمي من حيث بُعده الباطن إلى مستوى «الخيال المطلق» في مرتبته الرابعة «الحقيقة المحمدية»، بينما ينتمي ظاهرُه إلى أولى مراتب مستوى «عالم الأمر». ومعنى ذلك أنه يقوم بدور «همزة الوصل» بين المستويين الأول والثاني. والاسم الإلهي الذي توجه على إيجاد «العقل الأول أو القلم» هو «البديع»، ويوازيه من حروف اللغة حرف «الهمزة» على المستوى الوجودي/المعرفي.٨ (الفتوحات ٢: ٤٢٠، ٤٢٧).
  • (ب) المرتبة الثانية: هي «النفس الكلية أو اللوح المحفوظ»، أول منبعث عن مرتبة «العقل أو القلم». ويمثلها على مستوى اللغة حرف «الهاء»، وتوجه على إيجادها الاسم الإلهي «الباعث» (الفتوحات ٢: ٥٦٨، ٣: ٢٩٦، ٤٢٠).٩ والفارق بين العقل الأول واللوح المحفوظ فارق كَمِّي لا كيفي، بمعنى أن كلًّا منهما يمثل تجليًا مختلفًا في مستوى العماء، يتماثل مع الفارق بين «الهمزة» — الملتبسة في وصف اللغويين العرب بألف المد، والتي يكون هواء النفَس حالة النطق بها في حالة تحرر كامل — وبين حرف الهاء التي تمثل مرحلة أدنى من تحرر الهواء على المستوى الصوتي؛ بسبب ما في نطقها من الاحتكاك نتيجة ضِيق مخرج الهواء عند النطق بها.
  • (جـ) المرتبة الثالثة: هي «الطبيعة الكلية أو الهباء»، وهي ثمرة التلاقح بين «القلم» أو «العقل»/مذكر وبين «النفس الكلية»/مؤنث. وتمثل هذه المرتبة من حروف اللغة حرف «العين»، ومن الأسماء الإلهية الاسم «الباطن».
  • (د) المرتبة الرابعة: مرتبة يسميها ابن عربي «الهيولى الكل» أحيانًا، ويشير إليها في أحيان أخرى باسم «الجوهر الهبائي». هذه المرتبة توجه على إيجادها الاسم الإلهي «الآخِر»، ويوازيها حرف «الحاء» من حروف اللغة. ويُدْمِج ابن عربي داخل هذه المرتبة مرتبة أخرى هي مرتبة «الجسم الكل». هذه المرتبة الأخيرة تمثل مرتبة وسطى بين آخر «المعقولات» وبين أول الموجودات في المستوى الثالث، مستوى «عالم الخلق»، وهو «العرش». وعلى إيجاد تلك المرتبة الوسطى المدمجة توجه الاسم الإلهي «الظاهر»، ويوازيها من حروف اللغة حرف «الغين» (الفتوحات ٢: ٤٣٠، ٤٣١، ٤٣٣). ويتداخل أيضًا مع تلك المرتبة مرتبة «الشكل»، التي تبدو مرتبة أكثر تجريدية لمفهوم «الجسم الكل»؛ ذلك لأن الاسم الإلهي المتوجه على إيجاد هذه المرتبة هو الاسم «الحكيم»، وحرف اللغة الذي يوازيها هو حرف «الخاء».

وللأسماء الإلهية هنا دلالتها؛ فالطبيعة تمثل باطن النفس الكلية (اللوح المحفوظ)، والجسم الكل يمثل مجلى «الظهور» الأول في «الجوهر الهبائي» أو «الهيولى الكل»، الذي يمثل بدوره آخر المراتب المعقولة. ويجب الإشارة هنا إلى أن التمييز بين هذه المراتب يتسم ببعض الغموض عند ابن عربي. ولكن مثل هذا الغموض يزول إذا وضعنا في اعتبارنا تأكيد ابن عربي الدائم أن هذه المراتب ليست مراتب وجودية عينية، بل هي مراتب معقولة تمثل وسائط ذهنية. والواقع أن ترتيب تلك المراتب، وما يرتبط بإيجادها من أسماء إلهية، وكذلك ما يوازيها من حروف اللغة، إنما هو ترتيب لا يعكس تتاليًا بأي معنًى من المعاني. إنها كلها في حقيقتها تعبيرات مختلفة عن حقيقة واحدة هي الحقيقة الإلهية على مستوى الأسماء، وحقيقة «العماء» أو «النفَس الإلهي» على مستوى حروف اللغة. والترتيب مجرد تصور ذهني عقلي، فالأمر في حقيقته دائرة يتصل أولها بآخرها كما سبقت الإشارة.

(٢-٣) مستوى عالم الخلق

وهو يتكون كذلك من أربع مراتب:

  • (أ) المرتبة الأولى: «الجسم الكلي أو العرش»، وهو يمثل من حيث باطنه آخر مستويات مرتبة «عالم الأمر»، ويمثل من حيث ظاهره أول مستويات المرتبة الثالثة. ولأنه أول عالم الوجود الروحي، الذي يحيط بجميع الموجودات؛ فقد توجه على إيجاده الاسم الإلهي «المحيط»، ويوازيه من حروف اللغة حرف «القاف».
  • (ب) المرتبة الثانية: مرتبة «الكرسي» الذي يمثل بداية عالم «التعدد» في عالم الروحانيَّات، لكنه تعدد في مستوى «الإثنينية»، والتي تتحول إلى «كثرة» في المرتبة التالية. والإثنينية التي يمثلها الكرسي منشؤها أنه موضع «القدمين»؛ أي انقسام الأمر الإلهي إلى «خبر وحكم»، وانقسام الحكم إلى «أمر ونهي»، ثم انقسم الأمر إلى «وجوب وندب وإباحة»، في حين انقسم النهي إلى «حظر وكراهة». هذا تأويل ابن عربي لثنائية «القدمين»، التي يمثلها «الكرسي» إذا قورنَت مرتبته بمرتبة العرش السابقة. ويوازي الكرسي حرف «الكاف» من حروف اللغة، والاسم الإلهي الذي توجه على إيجاده هو «الشكور».
  • (جـ) المرتبة الثالثة: هي «الفلك الأطلس» أو فلك «البروج»، الذي تتحول ثنائية المرتبة السابقة فيه إلى كثرة تمثلها البروج الاثنا عشر. وهذا الفلك يُعَد — بحكم تمثيله للكثرة — علةً لكل التغيرات التي تحدث في عالم «الكون والاستحالة» (التبدل والتغير) على المستويين الطبيعي والروحي. يوازي هذه المرتبة من حروف اللغة حرف «الجيم»، وتوجه على إيجاده الاسم الإلهي «الغني».
  • (د) المرتبة الرابعة: هي مرتبة «فلك الكواكب الثابتة» أو «كوكب المنازل»، وله من الحروف حرف «الشين»، وتوجه على إيجاده الاسم «المقدِّر». وللاسم الإلهي هنا دلالته؛ لأن الأمور يتم تقديرها تقديرًا فعليًّا عبر هذا الفلك. أما دلالة حرف الشين فنابعة من خصائصه الصوتية، حيث يمثل «تفشيًا» واضحًا للهواء حال النطق به، وهي حالة توازي تحول «المضمر» إلى «معلن» في الأمر الإلهي من حيث صلته بعالم الكون والاستحالة.

(٢-٤) مستوى عالم الشهادة (الكون والاستحالة)

وهو يتضمن — أولًا — الأفلاك السبعة المتحركة، والتي تسبب حركتُها التغيرَ والتحولَ في العالم المشهود لنا. هذه الأفلاك السبعة يتوسطها فلك «الشمس»، يعلوها ثلاثة أفلاك وتعلو هي ثلاثة أخرى. وهذه الأفلاك كلها مقدرة في فلك المنازل، الذي هو بدوره في باطن الفلك الأطلس. وليس هذا الأخير إلا دائرة أضيق داخل دائرة «الكرسي»، الذي هو بالنسبة للعرش كالحلقة الملقاة في فلاة. وكل الأفلاك السبعة المتحركة توجه على إيجاده اسم إلهي، ويوازيه حرف من حروف اللغة كما هو مبين في الشكل. لكن الجدير بالالتفات هنا هو ظهور أرواح بعض «الأنبياء» في كل فلك من تلك الأفلاك، تمثل كل واحدة منها «الروحَ» الموكَّلةَ بحفظ الفلك. هذا إلى جانب أن ابن عربي يحدد اسم اليوم الذي تم فيه إيجاد كل فلك منه، الأمر الذي يكشف عن معنى «الكون والاستحالة». وآخر هذه المرتبة هو فلك «القمر» الذي يليه عالم الكون والاستحالة الفعلي.

(ب) المرتبة الثانية في هذا المستوى هي الدوائر التي تمثل العناصر الطبيعية الأربعة: «النار» و«الهواء» و«الماء» و«التراب». ولكل منها فلك توجه على إيجاده اسم إلهي، كما يوازيه حرف من حروف اللغة. ومرة أخرى يحرص ابن عربي على تأكيد أنه يتحدث عن مراتبَ روحيةٍ كلية، لا عن درجات يعلو بعضها فوق بعض أو يسبق بعضها البعض في الوجود. فالعناصر الأربعة هي الطبائع الأصلية التي منها تشكلت أجسام الكواكب السابقة الإشارة إليها، أي من حيث الوجود المادي.

(ج) المرتبة الثالثة: تتضمن مراتب الموجودات الأصلية، وهي ثلاثة: مرتبة «المعدِن»، ومرتبة «النبات»، ثم مرتبة «الحيوان»، والمقصود بها مرتبة «الحياة» بإطلاق.

(د) ومن فلك «الحيوان/الحياة» تنبثق المرتبة الرابعة التي تتضمن مراتب كل الكائنات الحية من «ملَك» و«جن» و«إنسان». وتُختتم مراتب الوجود بمرتبة «المرتبة»، وهي المرتبة الأساسية التي على أساسها ترتبت المراتب كلها.١٠

جدول مراتب الوجود وما يوازيها من الأسماء الإلهية ومن حروف اللغة.

الحرف اللغويالاسم الإلهياسم المرتبة الوجودية
الهمزة (الألف الممدودة؟)البديع(١) العقل الأول/القلم
الهاءالباعث(٢) النفس الكلية/اللوح المحفوظ
العينالباطن(٣) الطبيعة الكلية
الحاءالآخِر(٤) الهيولى الكل/الجوهر الهبائي
الغينالظاهر(٥) الجسم الكل
الخاءالحكيم(٦) الشكل
القافالمحيط(٧) العرش
الكافالشكور(٨) الكرسي
الجيمالغني(٩) الفلك الأطلس/فلك البروج
الشينالمقدِّر(١٠) فلك الكواكب الثابتة/كوكب المنازل
الياءالاسم الإلهي: الربالنبي: إبراهيماليوم: السبت(١١) كوكب زحل/السماء الأولى/كيوان
الضادالاسم الإلهي: العليمالنبي: موسىاليوم: الخميس(١٢) كوكب المشتري/السماء الثانية
اللامالاسم الإلهي: القاهرالنبي: هاروناليوم: الثلاثاء(١٣) كوكب المريخ/السماء الثالثة
النونالاسم الإلهي: النورالنبي: إدريساليوم: الأحد(١٤) كوكب الشمس/السماء الرابعة
الراءالاسم الإلهي: المصوِّرالنبي: يوسفاليوم: الجمعة(١٥) الزهرة/السماء الخامسة
الطاءالاسم الإلهي: المُحصيالنبي: عيسىاليوم: الأربعاء(١٦) عطارد/الكاتب/السماء السادسة
الدالالاسم الإلهي: المبينالنبي: آدماليوم: الاثنين(١٧) القمر/السماء السابعة، أو السماء الدنيا
التاءالقابض(١٨) كرة النار
الزايالحي(١٩) كرة الهواء
السينالمحيي(٢٠) كرة الماء
الصادالمميت(٢١) كرة التراب
الظاءالعزيز(٢٢) المعدن
الثاءالرازق(٢٣) النبات
الذالالمذل(٢٤) الحيوان
الفاءالقوي(٢٥) الملَك
الباءاللطيف(٢٦) الجن
الميمالجامع(٢٧) البشر
الواوالرفيع الدرجات(٢٨) المرتبة

(٣) الموجودات كلام الله

تتكون الموجودات العينية من تآلف بعض مراتب الوجود السالف ذكرها، والتي تكونت بدورها في «العماء» (النفَس الإلهي). من هنا تتوازى الموجودات العينية مع كلمات اللغة، التي تتكون بدورها من تآلف الحروف، التي توازي مراتب الوجود. وعلى ذلك فالموجودات هي كلمات الله، التي توازيها كلمات اللغة. وإذا كانت مراتب الوجود البسيطة ٢٨ مرتبة مثل عدد حروف اللغة، فإن الكلمات التي تتألف من الحروف، بالمعنى الوجودي واللغوي على السواء، لا حصر لها. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن «الصوامت» تحتاج للحركات من أجل تكوين الكلمات، فلا وجود لكلمة واحدة في اللغة تتكون من صامتين متتاليين. وهنا يأتي دور المستوى الأول من مستويات الوجود «البرزخ الأعلى أو برزخ البرازخ»؛ إذ لا يوازيه أيٌّ من حروف اللغة الصوامت، بل توازيه الحركات، التي لا تتصف بالدخول في هذا العالم ولا بالخروج عنه (الفتوحات ١: ٥٨، ٢: ٣٩٥، ٤٢١–٤٦٩). من تآلف الصوامت والحركات تتألف الكلمات التي تنِد عن الحصر، إنْ في الوجود وإنْ في اللغة: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (سورة الكهف ١٨: ١٠٩)، وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة لقمان ٣١: ٢٧).

«اعلم أن الممكنات هي كلمات الله التي لا تنفد وبها يظهر سلطانها الذي لا يبعد. وهي مركبات؛ لأنها أتت للإفادة فصدرت عن تركيب يُعبَّر عنه باللسان العربي بلفظة «كن»، فلا يتكون عنها إلا مركَّب من روح وصورة، فتلتحم الصور بعضها ببعض لما بينها من المناسبات … والمادة التي ظهرت فيها كلمات الله التي هي العالم هي نفَس الرحمن، ولهذا عُبِّر عنه بالكلمات» (الفتوحات ٤: ٦٥، ١٠٤-١٠٥، ١٦٦-١٦٧؛ ١: ١٦٨-١٦٩؛ ٣: ٢٨٣). وإذا كانت مراتب الوجود وُجدت عن «النفَس» الإلهي، فإن الموجودات المركبة وجدت عن كلمة إلهية مركبة هي فعل الأمر «كن».

إن تحليل ابن عربي لمستويات تركيب الفعل «كن» المتكرر وروده في القرآن الكريم بوصفه الأمر الإلهي للأشياء بالظهور١١ يكشف عن إحدى وسائله التأويلية من جهة، ويكشف عن بعد آخر لدلالة الحروف من جهة ثانية، ويكشف من جهة ثالثة عن تصوره للبعد الدلالي للغة. ووصْف اللغويين لأصل الفعل «كن» أنه صيغة فعل الأمر المشتقة من الفعل الثلاثي «كان» الأجوف؛ أي الذي يتوسط حروفَه حرفُ علة، ضعيف. يقول اللغويون: إن أصل الفعل «كن» هو «كُونْ» ولكن تم حذف الواو لتحاشي التقاء حرفين ساكنين في الكلمة. من هذا الشرح يبدأ ابن عربي تأويله — الوجودي المعرفي — لدلالة الكلمة الإلهية «كن» بوصفها تتضمن من الأسرار ما يتفق مع طبيعتها وأثرها.

تتكون الكلمة «كن» — في تحليل ابن عربي — من جانبين؛ ظاهر: هو تكوُّنُها من حرفين هما الكاف والنون، وباطن: وهو تكوُّنُها من ثلاثة حروف هي الكاف والواو والنون، لأن أصل بنائها الصرفي «كُونْ»، فحُذِفَت «الواو» لتحاشي وجود حركتين متماثلتين؛ إحداهما قصيرة — وهي حركة «الضم» على «الكاف» — والثانية طويلة — وهي «الواو» — فصارت «كُن». ومعنى أن للكلمة «ظاهرًا» و«باطنًا» أنها توازي بباطنها عالم «الغيب والملكوت»، وتوازي بظاهرها «عالم الملك والشهادة». وإذا كان عالم «الملك والشهادة» نفسه له ظاهر وباطن، فإن ظاهر كلمة «كن» يعكس — طبقًا لابن عربي واستنادًا للتحليل الصوتي لحرفيها — هذين البعدين. تمثل الكاف من حيث مخرجها البعد الباطن؛ لأنها من حروف أقصى الحنك؛ أي توازي باطن عالم الشهادة. ومخرج «النون» من التقاء اللسان مع أصول الثنايا العليا؛ فهي تمثل البعد الظاهر من حيث مخرجها. والنون تمثل — من جهة أخرى؛ من حيث شكلها الكتابي النصف دائري — شطر الوجود الظاهر، حيث تحيل «النقطة» التي فوق نصف الدائرة إلى النصف الباطن الغائب.١٢

ويكتسب حذف «الواو» عند ابن عربي دلالات وجودية، فهي رابطة «باطنة» — غير ظاهرة — بين الكاف والنون، وهي تماثل من هذه الزاوية التوجه الإلهي الباطن في إيجاد عين كل شيء، سواء تم هذا التوجه باسم إلهي، كما في حالة إيجاد مراتب الوجود الأصلية، أو تم التوجه بالقول (الفتوحات ٢: ٣٣١-٣٣٢). هذا الوضع الباطني للواو يتماثل مع تصور ابن عربي لوجود وجهين لكل موجود: وجه إلى علته وسببه المباشر، وهذا هو وجهه الظاهر، ووجه إلى موجده الفعلي، وهو الله، وذلك هو وجهه الباطن.

ولا تتوقف دلالة الكلمة الإلهية «كن» عند هذا المستوى من التحليل؛ لأنها على مستوى آخر من مستواها الظاهر تتماثل مع الأفلاك التسعة (الفلك الأطلس وفلك الكواكب الثابتة بالإضافة إلى الأفلاك السبعة المتحركة) التي ينتج عنها كل ما يحدث في الدنيا والآخرة من كون واستحالة. توازي كلمة «كن» هذه الأفلاك التسعة لأن حروفها الظاهرة والباطنة عددها ثلاثة، يمكن أن تنحل إلى تسعة؛ فالكاف — حين تُنطَق منفردة — ثلاثة حروف هي «الكاف» و«الألف» و«الفاء»، وكذلك الواو ثلاثة — «واو» و«ألف» و«واو» — والنون أيضًا هي: «نون» و«واو» و«نون». ومن جهة أخرى توازي «الكاف» من «كن» الفلك الأطلس؛ لأنه باطن بالنسبة لفلك البروج الذي يليه. و«النون» توازي فلك البروج، الذي يضم في باطنه الأفلاك السبعة المتحركة. أما الواو الباطنة في «كن» فتمثل حركة توجه الفلكين الثابتين على الأفلاك السبعة المتحركة (الفتوحات ١: ١٦٩).

إن دلالة الكلمة هنا لا تنفصل عن دلالة حروفها، بل يمكن القول إن دلالة الكلمة ليست سوى محصلة لمجموع دلالة حروفها الظاهرة والباطنة على السواء. مثل هذا التصور لدلالة الكلمات من شأنه أن يثير أسئلة لا تخطر على ذهن مفسر غير متصوف، مثل السؤال الذي يثيره ابن عربي مثلًا عن دلالة حذف الألف في رسم المصحف من كلمة «بسم» في «البسملة» ووجودها في نفس الكلمة في غير البسملة مثل: «اقرأ باسم ربك» و«باسم الله مجراها». ويشرح ابن عربي مسألة غياب «الألف» كلمة «بسم» في البسملة بأن «الألف» تدل على الألوهية، والباء — أو بالأحرى النقطة التي تحت الباء — تدل على الإنسان، فيمتنع ظهورهما معًا، خاصة مع كثرة استعمال البسملة في القرآن وفي التداول اللغوي (الفتوحات ١: ١٠٢). أما وجودها في غير البسملة — مع وجود الباء أيضًا — فهو للدلالة عليها، ولتأكيد أن وجود العبد هو مجرد وجود ظاهر، وأن الله هو الفاعل على الحقيقة من خلف حجاب الصور الكثيرة ومنها الإنسان:

«فلو لم تظهر في «باسم» السفينة ما جرت السفينة، ولو لم تظهر في «اقرأ باسم ربك» ما علم المِثْل (الإنسان) حقيقته؛ فتيقَّظ من سِنة الغفلة وانتبه. فلما كثر استعمالها في أوائل السور حُذِفَت لوجود المثل (الإنسان) مقامه في الخطاب وهو الباء، فصار المثل مرآة للسين، فصارت السين مثالًا، وعلى هذا الترتيب نظام التركيب.» (السابق نفسه)

وهكذا نجد أن دلالة الكلمة لا تنفصل عن دلالة حروفها المنطوقة والمكتوبة، الظاهرة والباطنة. ولا تنفصل دلالة الكلمات الملفوظة والمرقومة عن دلالة الكلمات الوجودية، التي هي الموجودات المركبة. لقد سبق أن نوقشت قضية الدلالة اللغوية في التراث الديني من خلال الخلاف المعروف حول «قِدَم» القرآن و«حدوثه»، وهو خلاف يعكس خلافًا أعمق حول العلاقة بين الذات الإلهية وصفاتها: هل الذات عين الصفات أم هي غيرها؟ وهناك من ذهب في قضية الدلالة إلى أنها وضعية اصطلاحية، ومن ذهب إلى أنها علاقة ذاتية. هذا بالإضافة إلى خلافهم حول أصل المواضعة، هل هي من الله بدأت أم بدأها الإنسان؟١٣

أما منظور ابن عربي لقضية الدلالة فينطلق من منظوره للألوهة — وهي مجموع الأسماء والصفات الإلهية — بأنها مجمل العلاقات الوسيطة بين الذات الإلهية والعالم من جهة، وبينها وبين الإنسان من جهة أخرى. من خلال هذا المنظور تختفي ثنائية الذات والصفات، كما تختفي بالمثل كل الثنائيات الأخرى مثل «القدم والحدوث». وبناء على موازاة ابن عربي بين اللغة والوجود من جهة، وبين مراتب الوجود والأسماء الإلهية من جهة أخرى، تنتفي ثنائية القدم والحداثة على مستوى الدلالة في القرآن؛ الذي يتسم بصفة الإحاطة فيجمع بين صفتي القدم والحدوث (الفتوحات ٤: ٤٠٢).

إذا كانت الموجودات كلمات الله، وكلام الله قديم محدث معًا؛ فالموجودات/الكلمات لها وجه إلى القدم من حيث وجودها في علم الله القديم الأولي الأزلي، كما لها وجه إلى الحدوث من حيث الظهور في صور أعيان الموجودات. ولما كانت اللغة الإنسانية تمثل «ظاهر» اللغة الإلهية، فإن اصطلاحية الدلالة وعُرْفيتها في اللغة الإنسانية تصبح مسألة اعتبارية فقط. وإذا كانت دلالة اللغة الإنسانية — ظاهر اللغة الإلهية — كذلك، فإن دلالة الكلمات الإلهية — باطن اللغة الإنسانية — لا تقوم على الوضع والاتفاق، بل تستند إلى أعيانها ومعانيها الثابتة في علم الله القديم. ولأن الإنساني يمثل «ظاهر» الإلهي، الذي يمثل الباطن الحقيقي والفعلي فإن اللغة الإنسانية تبدو على مستوى الوعي الظاهري وكأنها «تُحْدِث المعاني فينا بحدوث تأليفها الوضعي»، وليس الأمر كذلك، لأن هذه اللغة تدل على الموجودات وتشير إليها، وهذه الموجودات/الكلمات «ما وقع فيها الوضع في الصور المخصوصة إلا لذاتها، لا بحكم الاتفاق، ولا بحكم الاختيار؛ لأنها بأعيانها أعطت العلم الذي لا يتحول والقول الذي لا يتبدل» (السابق نفسه، ص٦٥).

لكن قضية الدلالة في اللغة لا تتضح في فكر ابن عربي دون تبيان موقع «الإنسان» الوجودي والمعرفي. وأهمية تبيان هذا الموقع يستند إلى حقيقة أن «مرتبة الإنسان» هي المرتبة الأخيرة، حيث لا تليها سوى مرتبة «المرتبة». ولكن هذه الآخِرية لا تعني التأخر الزماني، كما أنها لا تعني انفصالًا عن المراتب السابقة، خاصة مرتبة الألوهة. والإنسان في النهاية «كلمة» من كلمات الله الوجودية، بل هو «الكلمة» المقصودة من التجليات الإلهية؛ فهو الذي يحقق غايتها الأساسية.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية