انتحار شاعر/نعمة حسن علوان

تكدّست الدولارات وامتلأت الخزائن بالذهب واشترى بعضهم أغلى الخيول وبُنيت القصور التي تكفي مساحاتها لإيواء عشرات العائلات، وعاش الفاسدون رفاهيةً تفوق الوصف، بلا حساب ولا كتاب
وفي الجهة الأخرى، كان هناك شاعر يبحث عن ثمن بدل إيجار مسكنه
_ لم يجد
فانتحر
قد تبدو الجملة الأخيرة عابرة في بلدٍ اعتاد أن يسمع كل يوم خبرا أكثر غرابة من الذي سبقه، لكنها في الحقيقة ليست خبرا عن شاعر مات، بل شهادة وفاة لشيء أكبر بكثير: العدالة، والضمير، ومعنى أن تكون للثقافة قيمة في هذا المجتمع
كيف يسمح بلد للفاسد أن يجد المال لشراء حصان بمبلغ خيالي، ولا يجد المال لحماية شاعر أفنى عمره في كتابة القصائد؟
كيف يصبح امتلاك القصر دليل نجاح، وتصبح القصيدة ترفا لا يستحق صاحبها حتى مسكنا لائقا؟
كيف يستطيع شخص أن يكدّس ملايين الدولارات، فيما يقف شاعر على باب الإيجار عاجزا عن دفعه؟
والأشد إيلاما من كل ذلك أن الفاسد لا يعيش فقيرا، ولا يخجل من ثروته، ولا يخشى أن يسأله أحد: من أين لك هذا؟
بل قد يُعامل بوصفه رجلا مهما، يجلس في صدر الديوان، وتُفتح له الأبواب، وتُمد له الموائد، وتُلتقط معه الصور
أما الشاعر فيُطلب منه أن يصبر
اصبر أيها الشاعر
اكتب عن الوطن
اكتب عن الجمال
اكتب عن الإنسان
اكتب عن الأمل
لكن لا تسأل عن بيت تسكنه، ولا عن قوت يومك، ولا عن ثمن دوائك، ولا عن حقك في أن تعيش بكرامة
كأن المطلوب من الشاعر أن يكون ملاكا منزوع الحاجة، بينما يحق للفاسد أن يكون إنسانا كامل الشهوات والقصور والخيل والذهب
هذه ليست مشكلة فقر فقط
وليست مشكلة ثقافة فقط
إنها فضيحة في ترتيب القيم
حين يصبح المال المسروق أكثر احتراما من المال المكتسب بالكلمة، وحين يصبح الحصان أكثر قيمة من صاحبه الشاعر، وحين تُحمى ثروات مجهولة المصدر أكثر مما تُحمى كرامة المبدع، فإننا لا نكون أمام خلل اقتصادي، بل أمام مجتمع انقلبت لديه البوصلة
ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال:
لماذا انتحر الشاعر؟
فربما علينا أن نسأل أولا:
من الذي دفعه إلى أن يرى الموت أقل قسوة من الحياة؟
وإذا كان جوابنا أن الظروف أجبرته، فعلينا أن نسأل:
ومن صنع هذه الظروف؟
فالظلم لا يبدأ لحظة يمد الإنسان يده ليقتل نفسه
الظلم يبدأ قبل ذلك بكثير، حين يرى الإنسان القصور تُبنى أمام عينيه، والذهب يُكدّس، والخيل تُشترى بالملايين، ثم يعود إلى غرفته وهو عاجز عن دفع إيجارها
يبدأ حين يسمع الخطب الرنانة عن الثقافة والمبدعين، والجلسات العامرة بالأدب والفكر ثم لا يجد في الواقع ما يثبت أن أحدا يعنيه أمرهم
ويبدأ حين يصبح الفساد مشروعا للثراء، بينما يصبح الإبداع مشروعا للخسارة
لا نحتاج بعد ذلك إلى مؤتمرات كثيرة عن أهمية الثقافة
ولا إلى خطب عن دور الشاعر في المجتمع
ولا إلى احتفالات نضع فيها باقة ورد على منصة ونصفق للشعراء ساعةً ثم نتركهم يواجهون الحياة وحدهم
الشاعر لا يحتاج إلى التصفيق بقدر ما يحتاج إلى دولة لا تجعله يموت من أجل سقف يأويه
أما أن يعيش الفاسد في قصر، ويبحث الشاعر عن غرفة، فهذه ليست مفارقة ساخرة فحسب
إنها صورة كاملة لزمنٍ أصبح فيه المال بلا سؤال، والإنسان بلا قيمة، والشعر بلا مأوى
وعندما يصل مجتمع إلى هذه المرحلة، فليس الشاعر وحده من يحتاج إلى الإنقاذ
المجتمع نفسه يحتاج إلى إنقاذ عرض أقل



