📰 آخر الأخبار
كيف نبني الوطن إذا لم نبنِ الإنسان؟غارسيا ناصحرحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة/جواد عامركورنافة */نبيل حامد-مصرإشراقة من عتمة الدجى / زيد الطهراويTHE DAWN AFTER DARKNESS By Dr. Nancy Denniss-SYDNEYThey Lied to You By Ahmed Miqdad-G a zaPoems By Kushi Nanayakkara-Sri LankaThe Green House of Dead Sunlight/Alam Mahbubبَرْقٌ مِنْ سَحَاب/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي-العِراقُ - بَغْدادُكلماتك / تغريد نديم عمران - سورياAwaiting / Ri Hossain-Bangladeshجيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovoزمن الأبيض والأسود / جواني عبدالالصمت والصدى/ملفينا توفيق ابو مراد / لبنانحين عبرت الكلمات إلى القلب/عبد العزيز الخبشي- المغرب اللغة وسيكولوجية الجمهور عند غوستاف لوبون مقاربة لسانية/كريم عبيد علوي
كيف نبني الوطن إذا لم نبنِ الإنسان؟غارسيا ناصحرحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة/جواد عامركورنافة */نبيل حامد-مصرإشراقة من عتمة الدجى / زيد الطهراويTHE DAWN AFTER DARKNESS By Dr. Nancy Denniss-SYDNEYThey Lied to You By Ahmed Miqdad-G a zaPoems By Kushi Nanayakkara-Sri LankaThe Green House of Dead Sunlight/Alam Mahbubبَرْقٌ مِنْ سَحَاب/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي-العِراقُ - بَغْدادُكلماتك / تغريد نديم عمران - سورياAwaiting / Ri Hossain-Bangladeshجيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovoزمن الأبيض والأسود / جواني عبدالالصمت والصدى/ملفينا توفيق ابو مراد / لبنانحين عبرت الكلمات إلى القلب/عبد العزيز الخبشي- المغرب اللغة وسيكولوجية الجمهور عند غوستاف لوبون مقاربة لسانية/كريم عبيد علوي

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

رحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة/جواد عامر

Copilot 20260722 150331

إن البحث في تاريخية النسق تبتدئ من الطروح الفلسفية ذات الصبغة الميتافيزيقية التي نظرت للكون على أنه كل منظم وليس مجرد فوضى كما كان عند هيراقليطيس وألكسمندريس والفيتاغورين مثل فيولولاوس وهيباسوس وأرخيتاس وغيرهم ممن عدوا الكون قائما على تناسب رياضي عددي منظم وعند الرواقيين الذين نشروا للعالم على انه نظام متألف من الأجزاء المنظمة التي يرعاها اللوغوس، أما التصور الأفلاطوني للعالم فكان قائما على ثنائية المثل والعالم الحسي ونظر إلى النسق على أنه انسجام كلي يجمع الأخلاق والسياسة والمعرفة والوجود في نظام شمولي يتسم بالتكامل ويتغيى الوصول إلى الخير لأنه المثال الأعلى ، أما أرسطو فقد قدم تصورا فلسفيا واقعيا وتحليليا مؤسسا على التصنيف الذي ظهر في فصله بين المعارف وعلى العلية والغائية ربطا للنتيجة بالسبب، ومع ذلك فلم يخرج النسق عن الطرح الكوني الميتافيزقي في الفكر اليوناني حتى ظهرت الفلسفة الحديثة التي نقلته إلى طرح إبستمولوجي معرفي ليتحول النسق إلى أداة إيديولوجية تعمل من الداخل على تنظيم المعرفة وتمهد عبر طروحاتها للدرس اللساني الحديث بدءا من البنيوية مع فردناند دي سوسير الذي سيأخذ النسق من محضنه الميتافيزيقي والأداتي إلى الطابع المنهجي كأداة تحليلية للظاهرة اللغوية ، إذ لم يعد النسق مجرد تصور فلسفي محض بل صار وسيلة للتحليل العلمي للبنى اللغوية كشفا لتفاعلات الأجزاء داخل النظام اللغوي .
النسق من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الحديثة : التحولات والسمات
ارتبط النسق كفكرة في التصور الفلسفي اليوناني بالوجود والكون والمعرفة ، فقد اعتبر فلاسفة ما قبل سقراط الكون كلا منظما متألفا من أجزاء ، فهيراقليطيس عد الكون نظاما ينأى عن الفوضى واعتبر ه الفيتاغوريون نظاما رياضيا محكما وكذلك اعتبره الرواقيون منظما يخضع لحكم اللوغوس ما يحتم على الإنسان العيش وفق الطبيعة والعقل تحقيقا للفضيلة ، لذلك ربطوا بين الفيزياء والأخلاق والمنطق في إطار كل متراكب يتغيى تحقيق السعادة والحكمة ، ويتأسس النسق عند أفلاطون على بناء فلسفي مثالي يرتكز على ثنائية عالم المثل الثابت وعالم الحس المتغير الذي لا يوصل إلى الحقيقة ، ويربط أفلاطون بين الأخلاق والميتافيزيقا والمعرفة والدولة لأن تحقيق العدالة لا يتم إلا في ظل عالم المثل والفضيلة ما يجعل النسق موسوما بالكلية والتكامل على أساس عقلي صرف يستطيع أن يفسر العالم ، وقد أخذ مفهوم النسق صبغة أكثر تطورا مع أرسطو الذي عد المؤسس الحقيقي للتفكير النسقي في الفلسفة الغربية اعتمادا على منهجه المسترفد من المنطق إذ فصل أرسطو بين المعارف كالطبيعيات والميتافيزيقا والأخلاق والمنطق والسياسة والأدب والمسرح وعمد إلى تفسير الوجود تفسيرا مبنيا على عدم التجزيء والفصل معتمدا على طرحه السببي القائم على العلل الصورية والمادية والفاعلية والغائية ، فقد كان أرسطو أكثر تنظيما من غيره من الفلاسفة ، إذ إن اعتماده على مبدأ العلل الأربعة يكشف بجلاء الطابع النسقي للتفكير الأرسطي الذي جعل تفسير الظواهر يتم في إطار كلي يرفض التفسير الجزئي المتقطع ، وبهذا فإن أرسطو اعتبر النسق نظاما عقليا يفسر الوجود عبر تفسير أسبابه ومبادئه في إطار شمولي تتداخل فيه الميتافيزيقا والأخلاق والمعرفة والسياسة يقترب فيه أرسطو من تصور أستاذه أفلاطون لكنه ينأى عنه في اتجاه أكثر واقعية ومنطقية حيث يركز أرسطو على الواقع المادي وبأدوات منهجية تحليلية يبحث في الأشياء في ذاتها عبر الكشف عن أسبابها وغاياتها بينما أفلاطون ظل مرتكزا إلى تصوره المثالي النابع من عالم المثل الذي لا يعلى عليه لأنه الحقيقة المطلقة .
ولابد أن رحلة النسق وهي تجتاز محطة اليونان كان لابد لها أن تستقر بالمحضن العربي الذي التقط مصطلحات اليونان الفلسفية وعمد إلى ترجمتها بدهاء يتوافق مع السياق الإسلامي ويستجيب لخصوصيات الوحي الديني رغم تلك الانفلاتات التي شهدها الفكر الفلسفي بسبب الأفلوطينية المحدثة الوافدة عبر التيارات الهرمسية والغنوصية التي تعامل معها فلاسفة الإسلام عبر إعادة البناء والتأويل الجديد الموافق للوحي وأصول الاعتقاد ن حيث أعيد تركيب البنية الفلسفية الوافدة وتم توجيهها داخل إطار عقلاني يستمد مقوماته من التوحيد كما صنع ابن سينا بنظرية الفيض مثلا ، لذا فالنسق تم إخراجه من محيطه اليوناني المتشبع بروح الميتافيزيقا إلى سياق يتماشى مع روح العقيدة فصار النسق دالا على النظام المنسجم الموجود في العالم والموضوع بإتقان من قبل الذات الإلهية والعقل البشري يقتصر دوره على محاولة فهم وكشف قوانين هذا النظام المدبر و المحكم من قبل الذات الإلهية ، لذا عد ابن سينا العالم نسقا من المراتب شديدة الانسجام النابعة من العقل الإلهي ؛ وهكذا فالنسق كمفهوم فلسفي لم يختف من المدونة الفلسفية العربية وإنما ظل تغير والتف بالصبغة الدينية والإيمانية التي لم تفصل بين الطرح الفلسفي القائل بأن النسق نظام كلي مؤلف من أجزاء شديدة النظام لا فوضى فيها وتحتاج إلى تحكيم المنطق لمعرفة تركيبها وأسرار تأليفها عن التصور الإسلامي كما أرسته مدونة الوحي ، ليأخذ النسق مفهوما جديدا مختلفا تماما في الفلسفة الحديثة مع ديكارت الذي انطلق في تصوره للنسق من البنية الرياضية والذات المفكرة وفق مبدإ الكوجيطو ، معتبرا أن الأفكار يجب أن ترتب بطريقة منظمة ومنهجية مرتكزا على اليقينية لأجل الوصول للحقيقة واليقين العلمي الثابت والمطلق وذلك بالابتعاد عن الفوضى والعشوائية منتقلا من البساطة إلى المعقد والمركب فهو ينطلق من الافكار الواضحة البديهية يحللها ويفكك أجزاءها ثم يعمد الى الترتيب المتدرج مع اعتماد مراجعة دقيقة وشاملة وصولا إلى اليقين ، إنه نسق ممنهج ومضبوط لا يقبل الفوضى في داخله ينطلق من البسيط الى المركب لإثبات المعرفة اليقينية ، إن هذا الطرح الذي تبناه ديكارت يجعل الترتيب المنطقي المحكم رياضيا طريقا إلى الحقيقة ما يجعل كل فكرة مرتبطة بفكرة ثانية وفق نظام معرفي متسق ومنظم لامجال فيه للغموض ولا للتناقض او الاضطراب ، أما اسبينوزا فإننا يعتمد النسق الهندسي الصارم ذي الجذور والميكانيزمات الرياضية ، لذا فقد ركز تصوره على مبدإ الوحدة الكلية للوجود فعد النسق منظومة واحدة ؛ كل عنصر فيها يرتبط بالبنية الكلية بشكل منطقي وحتمي وليس ترتيبا للأفكار فحسب كما عند ديكارت ، فأقام اسبينوزا طرحه في كتابه الأخلاق على مجموعة من المتواليات هي المعطيات والبديهة والمبرهنات والبراهين وصولا إلى نتائج نهائية وقطعية ثابتة ، لذا فالنسق عنده يتسم بطابع الوحدة بين الطبيعة والله ، إنه نسق واحد لكل الموجودات في العالم ومن هنا كان تصوره للنسق تصورا شموليا يجمع بين الفكر والوجود لأجل فهمه وفق منطق الكلية ، أما هيجل فقد بنى تصوره الفلسفي للنسق على الحركية والجدلية ، من منطلق رؤيته للتاريخ القائم على الصراع والتناقض ، ما يجعل النسق متسما بالتغير تتكشف أجزاؤه الداخلية باستمرار ووفق معطيات التاريخ الجدلية ، إنه جدل ينبثق من تعارض الأطروحة مع نقيض الأطروحة وبانصهارهما في مستوى اعلى للتركيب كما قال باشلار في كتابه الجدل العلمي ، لذا فقد اعتبر هيجل أن النسق يتطور عبر الصراع والتناقض وأن كل فكرة تشكل جزءا من هذا الصراع ما يجعل النسق عنده حيا يتغير فيسهم في كشفه للوحدة الكلية للواقع والفكر والتاريخ ، وإذا انتقلنا إلى كانط وجدنا أن النسق يصطبغ بالروح النقدية يرسم حدود المعرفة التي يمكن أن يحصلها الإنسان ، معتمدا على الحواس والعقل مع الإيمان بنطاقات الحدود التي لا يمكن للقدرات العقلية أن تتجاوزها ، فالنسق عند كانط يبتدئ من الإدراك عبر الحواس ثم تحليل المعطيات الواقعية وتنظيمها بواسطة العقل للوصول إلى تشكيل المعرفة ثم يبدأ دور النقد ليحدد الممكن من المعرفة التي تصل إليها القدرة الإنسانية لذا فتصور كانط تصور شمولي للنسق يؤمن بقدرة العقل وبدور الحواس في الوصول للمعرفة مع ممارسة الفعل النقدي للكشف عن حدود المعرفة الممكنة .
إن هذه الرحلة التي سافر عبرها النسق من الفكر اليوناني إلى الفلسفة الحديثة عبر محطة الفكر الإسلامي مكنته من التحول من البعد الميتافيزيقي الكوني إلى فاعل إبستمولوجي (ذات عارفة) جعل منه أداة إيديولوجية وتارة ومنهجية تحليلية تارة أخرى لأنه صار يعكس نظام العقل بعدما كان يعكس الوجود، أي تحول من الاهتمام بالوجود بما هو وجود أي في بعده الأنطولوجي إلى الذات أي الفاعل المعرفي المؤسس للمعنى وبتعبير أبسط لقد تحول النسق من الإجابة عن سؤال ماذا يوجد؟ إلى سؤال كيف نعرف ما يوجد؟ ، إنه تحول أحدث زعزعة كبيرة في مفاهيم الفلسفة وتصوراتها التي ظلت قائمة في الفكر منذ الانعطاف الكوجيطي الذي أحدث تحولا إبستمولوجيا كبيرا في مسار الفكر الفلسفي، فقد أسهم التصور الجديد للإنسان حول العالم والمعرفة في هذا الانعطاف الجديد محدثا تحولا جذريا في إدراكه للنسق الذي صار بناء كليا قائما على المنطق الرياضي وقوانينه ، فرأيناه مع ديكارت قائما على اليقين العقلي فكان نتاجا لمنهج عقلي صارم خاضع لقوانين الرياضة وعند اسبينوزا ظهر النسق مبنيا على بناء هندسي تتحدد فيه المترابطات بشكل منطقي لتجعله بناء محكم الإعلاق ومع هيجل كان النسق ديناميكيا لا يتسم بالثبات بفعل الصراع والتناقض ، أما كانط فربط بين النسق والنقد حيث نقل الفكر الفلسفي من التساؤل عن نظام الوجود إلى شروط إمكان تحقيق المعرفة نفسها.
إن هذا التحول ذي الطبيعة الابستمولوجية الذي أملته إشراطات تحول المعرفة وطريقة النظر إلى العالم في عصر اتسم بتطور الرياضيات والفيزياء وعبد فيه الطريق للتفكير المنهجي في العلوم وكان فيه التأسيس لفصل العلوم عن الفلسفة الكلاسيكية والمتافيزيقا وبدأ فيه التفكير في العقل من حيث هو أداة بعدما ظل وسيلة لاكتشاف العالم فنقلت مركزية التفكير الفلسفي من الوجود إلى الذات الباحثة عن المعرفة ، خاصة مع إيمانويل كانط الذي عد العقل شرطا لتكوين المعرفة بعدما جمع بين عقلانية ديكارت وتجريبية دافيد هيوم وجان لوك ،أولنقل ـ بتعبير آخر ـ :لقد كان التحول من جوهر التأمل الوجودي إلى النقد العقلي الذي سيسهم في امتداد النسق إلى حقول معرفية متعددة جعلت منه ذلك الكيان المنفتح والمرن الذي التقطته روافد كثيرة منحته مركزية التشكل في بنيتها الداخلية ، كان من أبرزها الحقل الللساني الحديث الذي مهدت له الطروح الفلسفية الحديثة ليعبر إلى داخلها.
عبور النسق من الفلسفة إلى اللسانيات
اسخدمت الألسنية الحديثة مصطلح النسق في بنيوية دي سوسيرحينما اعتبر اللغة نسقا من العلامات ونظاما من العلاقات حيث تتحدد قيمة كل عنصر بناء على علاقته بالعنصر المجاور ، إذ تناول العالم السويسري اللغة في ذاتها ولذاتها فأقصى التعاطي التقليدي ذي الطبيعة الميتافيزيقية للغة حيث أحدث قطيعة إبستمولوجية مع اللغويات التاريخية التي كانت تركز على تطورية اللغة ، وركز اهتمامه على الثنائيات كالدال والمدولول وعلاقتهما الاعتباطية وعلى اللغويات الخارجية والداخلية والسانكرونية والدياكرونية ، ما جعل تعاطيه اللساني مع اللغة ذا طبيعة مغلقة إلى حد كبير ، وهو ما جعله يشبه النظام اللغوي بلعبة الشطرنج التي تظل محافظة على نفس قواعد لعبها رغم استبدالا لقطعة بقطعة جديدة لكنها تفتقد إلى نسقها المنظم حينما نمارس حذفا أو نزيد قطعة مما سيؤدي إلى فساد النظام ، والتقطت مدرسة براغ مع ياكوبسون هذا الطرح النسقي البنيوي وتعاطت مع الظاهرة اللغوية في بعدها الفونيتيكي ما أسهم في تعزيز فكرة النسق وزيادة إغلاقه ، واستمر نفس التفكير النسقي في لسانيات بلومفيلد التوزيعية حين أقامها على أساس تصنيفي في محاولة لتطوير بنيوية سوسير بإقامة لسانيات وصفية مستندها المنهج التوزيعي لذا كانت الاشكال اللغوية عنده أشكالا صوتية / فونيطيقية ذات معان ، وكانت لتطور الفونولوجيا مع جماعة براغ وجنيف وفيينا وغيرهم وتحديدا مع تروبتسكوي صاحب ” مبادئ الفونولوجيا ” دور كبير تثبيت مفهوم النسق عبر منحه مضمونا عينيا تعمد عبره إلى تحليل الفونيمات باعتبارها وحدات دنيا وتجريدا وصولا إلى البنية المغلقة والمحددة التي تسم كل لغة ، ما يجعل التحليل الفونولتحليلا نسقيا يبحث في نسق العلاقات التي تنطوي على جانب وظيفي داخل النظام اللغوي ، وكانت توليدية تشومسكي من أقدر المدارس التي بلورت فكرة النسق بشكل مختلف حينما قفز التصور اللساني من الظاهر إلى ذهن المتكلم أي إلى البنية العميقة التي تكشف عنها قواعد التحويل لتتشكل في البنية السطحية ، كل هذا لأجل البحث عن القواعد التي تنظم اللغة ، أما اللسانيات النصية والتداولية فإنها استطاعت أن توسع من دائرة النسق إلى نطاقات أكبر في الثقافة والمجتمع ،ما جعله يمتد إلى مداخل معرفية جديدة محدثا ثورة هائلة على المستوى المنهجي في مضمار إبستمولوجيا العلوم الإنسانية كالأنتتروبولوجيا التي تظهر أن مفهوم البنية مع كلود ليفي ستراوس صار جوهرا في بنيتها المعرفية ، بل إن ستراوس لم يكن يتصور النتروبولوجيا إلا بنيوية مادام أنها ذات نسق معرفي إمبريقي ، لذا كانت رؤيته للواقع العيني نظرة متسمة بالعمق تبحث في البنية التحتية اللاشعورية التي تستلزم عملية بناء استنباطي للنماذج المجردة أما علم النفس الذي جعل من البنية أساسا معرفيا على يد لاكان الذي وضع النقاد اسمه إلى جوار ستراوس باعتبار رتفكيره البنيوي ، فعودته إلى فرويد عبر استكشاف لغة اللاشعور باعتباره نسقا متالفا من عقد أو شبكات من الدلالات لذلك عده بنية لا جوهرا وهذا ما جعل منه مفكرا بنيويا أما الماركسية التي أقامت صرح نظريتها على أساس بنيوي محض فالبنية الفوقية وما تشمله من الإيديولوجيا والمؤسسى الدينية والإعلامية والمناهج التعليمية كلها تظل موجهة ومسيطرة على البنية التحتية المكونة من أدوات الإنتاج ووسائل العمل وما ينشأ بينهما من صراع يحدد طبيعة المجتمع المؤسس على العلاقة النسقية بين البنيتين لأن أي تغير في البنية الاقتصادية عند ماركس ينتج عنه تغير في البنية الفوقية ، ومن ثم أقام ماركس تصوه للنسق على أساس جدلي مادي يجعل المجتمع كلا متكاملا ومترابطا تضبطه علاقات مادية اقتصادية يمتاز فيها النسق بديناميكيته وقيامه على الصراع والتناقض ، وأقام فوكو تصوره للثقافة على مشروع بنيوي كان فيه الحفر الأركيولوجي في طبقات التاريخ الثقافي مفتاحا للبحث في تاريخ الجنون وتاريخ العقاب وتاريخ العيادة والألفاظ والأشياء كما أعلنت عن ذلك مجموعة كتبه التي أسست لنظرية جديدة في الثقافة بمنظور تاريخي جعل الثقافة مساوية للبنية في مرحلة زمنية كان فيها التاريخ أسلوب وعي الإنسان بوجوده وكانت فيه الأبستمولوجيا قد انفتحت على الدراسة الثقافية للتاريخ .
إن رحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة رحلة إبستمولوجية انتقل فيها المفهوم من البعد الميتافيزيقي الكوني إلى البعد الأداتي التحليلي والمنهجي فمن تنظيم الفكر إلى الأداة والمنهج لأجل الوصول للمعرفة اليقينية مستجيبة للتحول الذي شهده تصور الفكر للعالم وللإنسان كذات عارفة ، إلى التفكير في نظام اللغة وبنيتها الداخلية ؛ وضمن سيرورة هذا التحول كانت اللغة التي لم تشهد من قبل دراسة بنيوية لسانية عميقة في ذاتها ولذاتها، بعدما مهدت الفلسفة الحديثة عبر تناولاتها المختلفة للنسق مع ديكارت واسبينوزا وهيجل وكانط ومحاولة الفلسفة الإجابة عن سؤال ماهو العقل الذي نعقل به ؟، فكان هذا الطرح في نظري الطريق النظري الذي فرش التفكير للدرس اللساني ليفكر في اللغة من حيث هي نسق داخلي وهو ما جلته بإيضاح بنيوية دي سوسير والتقطته باقي المدارس بشكل أبرز قيمة النسق في تشكيل المعرفة ومركزيته في الطروح اللسانية الحديثة ومنح النسق بعدا إبستمولوجيا في الطروح الفكرية المعاصرة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة