كيف نبني الوطن إذا لم نبنِ الإنسان؟غارسيا ناصح
في إقليم كوردستان، كما في كثير من المجتمعات، توجد مدارس أهلية تتمتع بإمكانات كبيرة، وأبنية فخمة، ووسائل تعليمية متطورة، ويحظى طلابها باهتمام ورعاية أكبر. وفي المقابل، هناك المدارس الحكومية التي يقصدها أبناء الطبقة البسيطة، أولئك الذين لا يملكون القدرة على دفع الأقساط المرتفعة للمدارس الأهلية.
وهنا يطرح نفسه سؤال لا يتعلق بالتعليم وحده، بل بمستقبل المجتمع كله:
لماذا تصبح جودة التعليم مرتبطة بقدرة الإنسان المادية؟
الطفل الذي يولد في عائلة ميسورة لا يختلف في إنسانيته أو أحقيته في التعليم عن طفل ولد في عائلة بسيطة. كلاهما طفل، وكلاهما يحمل أحلامًا، وكلاهما يمكن أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو فنانًا أو معلمًا أو عالمًا أو مسؤولًا يخدم وطنه.
لكن عندما يحصل أحدهما على مدرسة حديثة، ومختبرات، ومكتبات، ووسائل تعليم متطورة، بينما يذهب الآخر إلى مدرسة تعاني من نقص الإمكانات، فإننا لا نتحدث فقط عن اختلاف في الأبنية أو الخدمات، بل عن اختلاف في فرص الحياة نفسها.
لا أحد يعترض على وجود المدارس الأهلية، ولا على أن يبحث الإنسان عن الأفضل لأبنائه. ومن الطبيعي أن يرغب الوالدان في توفير أفضل تعليم ممكن لأطفالهم. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا لا تكون المدرسة الحكومية أيضًا مكانًا يطمئن إليه الأب البسيط، ويثق بأنه يرسل ابنه إلى مؤسسة تعليمية قادرة على بناء مستقبله؟
الوطن لا يُبنى بالطرق والجسور والأبنية وحدها.
الوطن يُبنى أولًا بالإنسان.
والإنسان لا يُبنى بالمال وحده، وإنما بالتعليم، والثقافة، والكرامة، والعدالة، والشعور بالمساواة والانتماء.
فإذا أصبح التعليم الجيد امتيازًا لمن يستطيع دفع المزيد، وأصبح التعليم الأقل جودة نصيبًا لمن لا يستطيع، فإننا نخلق مجتمعًا يعيش فيه أبناء المجتمع الواحد في عوالم مختلفة منذ طفولتهم.
ابن الغني وابن الفقير يجلسان في مقاعد مختلفة، ويتلقيان فرصًا مختلفة، ثم نطلب منهما في المستقبل أن يبنيا وطنًا واحدًا!
كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟
إن المدرسة ليست مجرد مكان يتعلم فيه الطفل القراءة والكتابة والرياضيات. المدرسة هي المكان الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، وتتكون فيه رؤيته للعالم، ويتعلم فيه معنى المسؤولية، والاحترام، والعمل، وقبول الآخر، وحب المجتمع والوطن.
ولهذا فإن الاستثمار في المدرسة الحكومية ليس إنفاقًا عاديًا، بل هو استثمار في مستقبل الوطن.
لا ينبغي أن تكون المدرسة الحكومية هي الخيار الذي يضطر إليه الفقير، بينما تكون المدرسة الأهلية الفخمة هي الخيار الذي يختاره الميسور.
بل يجب أن تكون هناك مدارس حكومية قوية، محترمة، حديثة، قادرة على أن تمنح أبناء الفقراء والأغنياء فرصًا متقاربة في التعليم والتكوين.
فالطفل الفقير قد يحمل عقلًا أكبر من ثروة أبيه، وقد يكون لديه حلم قادر على تغيير المجتمع كله.
كم من إنسان بدأ حياته بسيطًا، ثم أصبح عالمًا أو فنانًا أو مفكرًا أو قائدًا؟ وكم من موهبة ضاعت لأن البيئة التعليمية لم تمنحها الفرصة؟
لذلك فإن القضية ليست قضية مدارس أهلية وحكومية فقط، وإنما قضية عدالة في صناعة المستقبل.
نحن لا نستطيع أن نبني وطنًا قويًا إذا كانت بداية حياة أطفاله غير متساوية إلى هذا الحد.
ولا نستطيع أن نتحدث كثيرًا عن التقدم والنهضة، بينما لا يحصل كل طفل على حقه الكامل في التعليم الجيد.
إن بناء الوطن يبدأ من الفصل الدراسي، من المعلم، من الكتاب، من المدرسة، ومن الطفل الذي يجلس على المقعد ويحلم بمستقبله.
فإذا لم نبنِ الإنسان أولًا، فماذا سنبني؟
الأبنية يمكن أن ترتفع، والشوارع يمكن أن تتسع، والمدن يمكن أن تتزين، لكن الوطن الحقيقي لا يرتفع إلا عندما يرتفع الإنسان.
ولهذا يجب أن يكون السؤال الذي يشغلنا دائمًا:
كيف نبني إنسانًا عادلًا، واعيًا، متعلمًا، كريمًا، وقادرًا على بناء وطنه؟
فبعد ذلك فقط يمكننا أن نسأل:
كيف نبني الوطن؟
لأن الوطن، في النهاية، ليس مكانًا نعيش فيه فقط…
(الوطن هو الإنسان الذي نبنيه)



