حراسُ النور في قلعة سوس: أسرٌ أضاءت عتمة القرون وبنت إمبراطورية المعرفة/حسن كرياط

بين طيات الذاكرة التاريخية لمنطقة سوس، حيث تُعانق الجبالُ سموَّ الهمم وتنبت الأرضُ الحكمة كما تنبت ألياف الأرگان، تتجلى صورة نادرة تُحفظ اليوم بإجلال في مكتبة الشيخ ماء العينين بمدينة تزنيت. تضم هذه الوثيقة البصرية اثنتين وأربعين قسماً ووجهاً لعلماء وأعلامٍ أقاموا في محاريب المعرفة، لتختزل بين أبعادها صرحاً علمياً شامخاً بنيت لبناته عبر أجيال متعاقبة.
لم تكن سوس مجرد رقعة جغرافية في جنوب المغرب، بل كانت إمبراطوريةً علمية قوامها المدارس العتيقة ودعامتها أسرٌ جعلت من العلم نسباً ومفخرة. وقد أحصى مؤرخ سوس وفريد عصرها، العلامة محمد المختار السوسي رحمه الله، زهاء 157 أسرة علمية توزع إشعاعها بين مختلف القبائل؛ من “التمليات” التي كانت مهد العلماء، إلى “البعقيلات” و”الأسر الجزولية” التي أحيت علوم الشريعة واللغة، مروراً ببيوتاتٍ جعلت من الإقراء، والتدريس، والفتيا، والقضاء إرثاً يورَث كابر عن كابر.
وثّق العلامة المختار السوسي هذا الامتداد الحضاري في درته الخالدة «سوس العالمة»، مسطّراً شرطاً صارماً للبيت العلمي، إذ يقول رحمه الله:
«وقفنا في أثناء تتبعنا لرجالات العلم بسوس على أسر كثيرة، تسلسل فيها العلم أو إتقان القراءات… ونريد أن نذكر منها ما نعرفه على وجه الإجمال، متتبعين للقبائل… وشرطنا في الأسرة العلمية أن يتوالى فيها العلم في ثلاثة أجيال على الأقل، أو جيلين إن تعدد فيها العلماء… وإليك الأسر.»
ومما يزيد هذا الإرث عمقاً وأصالة، أن هذه الأسر لم تكتفِ بتلقين العلوم النقلية والعقلية، بل ارتبطت بنظامٍ تعليمي واجتماعي فريد أُسس على المدارس العتيقة (كـ”مدرسة أدوز”، “مدرسة سيدي أحمد أو موسى”، و”مدرسة أقا”)؛ وهي المؤسسات التي شكلت نواة أول جامعة شعبية مفتوحة في تاريخ المغرب الكبير. فكانت هذه البيوتات ترعى طالب العلم (الطلبة والمشارطين)، وتتكفل بتوفير الأوقاف والمخطوطات، مما خلق بيئة استمر فيها السند العلمي متصلاً لم يقطعه جَورُ زمان ولا شُحّ جغرافيا.
إن هذه الصورة المحفوظة في تزنيت ليست مجرد أرشيف للماضي، بل هي شفرة جينية لذاكرة أمة جعلت من الكتاب سلاحاً، ومن محراب العلم حصناً لحماية الهوية والمقومات الحضارية للمغرب.
تغمد الله علماء سوس بواسع رحمته، وحفظ تراثهم المجيد شاهداً على أن العلم كان دائماً وأبداً نبعاً يفيض بالضياء من أقاصي سوس ليُنير آفاق الوطن بأكمله.





