الصحافة المغربية بين النص التشريعي وسندان الهشاشة: الاستقلالية التحريرية شرطها الاستقلال الاقتصادي/ حسن كرياط*

تضعنا القراءة المتأنية للمشهد الإعلامي الوطني أمام مفارقة هيكلية تُعطل الدور المفترض للصحافة باعتبارها سلطة رابعة وأمينة على الحق في الإعلام؛ إذ كيف يُستساغ أخلاقياً وموضوعياً مطالبة الصحافي بالاستقلالية والشجاعة المهنية ومواجهة دوائر النفوذ المالي والسياسي، وهو يعيش في وضع اقتصادي هش يجعله الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للضغط؟
إن الحرية التحريرية ليست مجرد شعار أخلاقي أو التزام فردي، بل هي نتاج مباشر للأمان الاجتماعي والاستقرار المالي، فالاستقلال التحريري لا ينفصل بحال عن الاستقلال الاقتصادي. وهنا تنكشف محدودية النص التشريعي؛ فالقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، وإن نجح في تأطير شكليات علاقة الشغل من عقود وتعويضات وأحكام فصل، إلا أنه يقف عاجزاً أمام إعادة إنتاج الهشاشة داخل المقاولات الإعلامية.
ويتجلى هذا العجز التشريعي بشكل صارخ في وضعية “الصحافي الحر” (Freelance) الذي يعترف به القانون دون أن يضمن له حماية اجتماعية أو حدوداً أدنى للتعويض واستمرارية الدخل، لتتسع دائرة المعاناة نحو الصحافيين الأجراء المرتبطين بعقود غير مستقرة أو بأجور متدنية تدفعهم نحو استبدال الجودة بالركض وراء “الإثارة والكم” لتأمين قوت يومهم.
”إن الحرية التحريرية ليست مجرد شعار أخلاقي أو التزام فردي، بل هي نتاج مباشر للأمان الاجتماعي والاستقرار المالي”
إن هذه الإشكالية تعيدنا إلى قناعة راسخة مفادها أن الراغبين في مراكمة الثروات والأموال عليهم الاستثمار بعيداً عن الصحافة؛ فهذه المهنة تتطلب سمواً فكرياً يرفض الاستزادة المالية على حساب الحقيقة، بيد أن هذا السمو لا يعني بحال تجويع الممارسين لها. ولتجاوز هذا الانسداد، أصبحت الحاجة ماسة إلى إعادة صياغة الاتفاقية الجماعية وتعديل بنودها وسقف أجورها، مع استغلال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي لعقلنة الموارد البشرية وتقليص الأعداد غير التأهيلية، مقابل الرفع الجوهري لأجور الكفاءات الأكاديمية والتقنية لضمان تفرغها وجودة مضامينها.
يتكامل هذا المسار بالتسريع بتأسيس تعاضدية خاصة بالأعمال الاجتماعية لتوفير تغطية صحية واجتماعية مستدامة، بدلاً من المبادرات المحدودة لجمعيات المجتمع المدني. وفي النهاية، يظل السؤال المحوري قائماً أمام أي إصلاح مرتقب: هل يمكن بناء صحافة مستقلة فعلاً دون حماية اجتماعية ومهنية قوية للصحافي؟ إن التعديلات التشريعية الأخيرة لم تحدث التحول العميق المأمول، ما يجعل الملف الاجتماعي للصحافيين مدخلاً إستراتيجياً لا غنى عنه لإصلاح الإعلام الوطني.
(باحث في الإعلام والاتصال)*





