التنوير والتغيير/حميد المصباحي. كاتب روائي

التنوير عرف في سياقه الفلسفي، كتخلص من الوصاية التي فرضت على الفكر باسم الكنيسة، الممثلة للمقدس الذي تحالف مع السلطة السياسية، فخول لها الحكم بإطلاقية، وبذلك تم تقاسم المطلق كمشترك، بين المعرفة المتعالية المفروضة كخضوع مطلق للمقدس، والدولة كممثلة للمقدس باعتباره سماويا، فتفعل ما تشاء بدون محاسبة ولا مراجعة ولا حتى تقديم استشارة أو تنبيه من أية جهة كانت، وبذلك كانت المعارف حقائق وغيرها باطل، والسلطة الممثلة للدولة، حق لا حق بعده ولا حتى قبله، فحسمت ملامح الوجود البشري ولم يسمح بظهور أي منافس لهاتين السلطتين، بل يمكن القول، أنهما استحوذتا على مجمل الأنشطة البشرية، فصار كل فعل بالضرورة تابعا لهما ولا مجال لانفلاته منهما، علما وسياسة، فما هي غاية التنوير وكيفيات تحققه، وهل هو رهان ثقافي أم سياسي أم هما معا؟؟
1 غاية التنوير:
تعتبر الحرية دافعا وغاية في الوقت ذاته، فهي محرك تجاه متعة الاختيار، وفي الوقت ذاته مطلب تنشده كل الإرادات العاقلة، الرافضة للتوجيه والتحكم فيها لتساق رغما عنها، حيث أريد لها أن تكون وتمضي، والتنوير هو ما يحقق هذه الحرية وينبه لضرورتها، فهو نور سابق على أية حركة، حيث يحدد الوجهة التي يسلكها العابرون، ويحول بينهم وبين التيه أو الوقوع في المزالق والحفر، التي خلفها المارون أو وضعوها عنوة في درب لا يريدون لغيرهم أن يسلكه أو يمضي فيه، وهو أيضا كاشف لما عليه الذات وما كانته وما ينبغي أن تكونه، إنه إدراك لحقيقة الذات وما يجعل منها سيدة في اختيارها، فلا تمضي إلا حيث تريد وتطمح بدون أوهام أو خرافات مستمدة من الأسلاف والسابقين، هكذا هو التنوير كإضاءة للماضي وإدراك له في حقيقته الزمنية والتاريخية، ورسم حدود لتأثيراته التي تسمح للذات بالتحرر مما اعتقدت أنه حقيقتها وتاريخها، هذه هي غايات التنوير، فكيف تحقق؟
2 كيفيات تحقق التنوير:
يمكن المجازفة بالقول، أن التنوير كان مقدمة للحداثة أو هو امتداد لها، من حيث أن الحداثة قبول بالعقل وانخراط فعلي في الدفاع عن قيمه، إلى أن مثل ذلك عقلانية تجاوزت الزمن، وصار لها مضمون فكري أصيل بالعودة لجذور قديمة وصلت الحضارة اليونانية بالأوروبية، ولم تعد الحداثة مفهوما زمنيا كما قد يتبادر إلى الذهن في أحيان كثيرة، بل هي محتوى له مقوماته الفكرية والثقافية والذهنية بل حتى السياسية، وقد اتخذ التنوير سياقات مختلفة، فلما صارت له قاعدة اجتماعية، أفرزت ممثليها من المثقفين والساسة، فساروا بها نحو السلطة السياسية واصطدموا بها دفاعا عن الحرية والمساواة والعدالة، فاستسلمت وتفهمت ضرورة التغيير، أو أصرت فدفعت بالمواجهات إلى حدودها القصوى إلى انهارت سلط الاستبداد وسلمت بالأمر الواقع ونال حلفاؤها جزاءهم بعنف، قانوني وغير قانوني أحيانا، فوجدت مجتمعات أخرى بسلطها نفسها في مواجهة المصير نفسه، فاضطرت للتعاقد بتنازل الطرفين وفق الممكن التاريخي، فتم التغلب على رواسب الماضي بنقدها ومواجهتها والكشف عن محدودية مقترحاتها ومشاريعها، سواء كانت دينية كنسية أو سياسية.
3 التنوير كرهان سياسي:
في السياسة التنوير، وعي بحرية في التفكير والحكم، ومساءلة الحاكم عن مصدر مشروعية حكمه، عما أهله ليصير حاكما دون غيره ممن يعيشون في كنف سلطته، وهو وعي بضرورة المشاركة في الحكم قبل أن يصير ذلك بصيغة تناوبية، من خلالها يختار الشعب ممثليه وحكامه ممن يتقدمون بما يؤهلهم لهذه المهمة، التي بالتنوير تستعيد طبيعتها البشرية، بدون ربطها بما هو متعالي في صيغة تعبير عن الإلهي أو تمثيله، وهكذا ينشد التنوير بهذا الرهان، اعتبار الخلاص نسبيا لا يحتاج لروايات مقدسة تغامر بالدنيوي لربح جزاءات أخرى غير مدركة وهي مرجوة باعتبارها خلاصا يضمن الخلود والمتع الحقيقية، فيتنافس الناس عليها ليقدموا أرقى ما لديهم لحل مشاكل الجماعات والمجتمع برمته، بدون أن تصير السلطة غاية لذاتها، بها تحصل امتيازات وتنال سلط لا حدود لها، فتكون فوق المحاسبة وخارجها، إن التنوير رسم اتجاه وفق قواعد الأخلاق والقانون الذي يشرعه العقل ويطوره وقد يلغيه عندما يفقد قدرته على تحقيق العدالة أو حفظها.
4 التنوير كرهان ثقافي:
كانت السياسة تتويجا له وترسيخا لقيمه، لكن الثقافة دائمة الحضور فيه، بل هي المقوم له باستمرار من خلال حضور المثقفين وفاعليتهم المعرفية داخل مجتمع العلم والمعرفة، فالتنوير بتحريره للعقل، عمق المعرفة وذهب بها بعيدا عن كل أشكال الجمود الموروث، وبذلك، فسح المجال أمام العقل ليتدبر الوجود البشري مسائلا كل أساطير الوجود التي صورت الكائن البشري في أكثر مظاهر الضعف والتبعية للطبيعة وكل أشكال التعبير عنها المتعالية وغير المدركة علما وعقلا، فوجد الإنسان نفسه في مواجهة مصيره بنفسه، بعيدا عن أحلام الخلاص الفردي والجماعي المراد له أن يكون في صيغ طلاسم غامضة، صالحة لعصر كانت فيه الإرادة البشرية مقيدة بحدود المعارف العلمية والتجارب البشرية المحدودة والمقتصرة على التفكير في الآني، أو المتعالي بما هو آمال تطمئن النفس وتدفعها لانتظار الآتي والاستعداد له بخيره وشره الذي لا راد له.
5 التنوير العربي مغاربيا:
تجانست الأقطار العربية لغويا ودينيا، لكنها تباعدت جغرافيا وسياسيا، وهي في ظل هذا الوضع، الأكثر حاجة للتنوير، لأنه حل لكل المعضلات التي تعيشها، اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، فهي تتفاوت من حيث قدرتها على استيعاب التنوير اجتماعيا، لكن نخبها ما تزال تعيش تجاذبات بين التقليدي والحداثي، الأسطوري والعقلاني، وبفعل غياب قاعدة اجتماعية للتنوير، فهو مهدد باستمرار من جهتين، من طرف مجتمع يتفاعل وجدانيا ودينيا مع روح المحافظة، والطرف الثاني، تمثله السلطة السياسية، التي لا يعنيها القديم أو الجديد، بقدر ما يعينها حفظ سلطتها ووجودها بضمان التوازن بين الاتجاهين، وإن كانت مؤخرا، بعد تجربة ما سمي بالربيع العربي، أدركت أهمية تحديث وتنوير المجتمع تجنبا لما يجره عليها التيار المحافظ من كوارث، قد تعصف بها وبالمجتمع، لكنها ما تزال مترددة وإن أقدمت على ما يعتبر شرطا للتنوير، لا تحوز على ثقة المثقفين المتوجسين منها، بفعل تاريخها في التعامل مع الثقافة والمثقفين في مسارها السياسي.
لقد ظهرت بعض النزعات المغاربية الداعية لاعتبار المشرق مصدرا للمحافظة والغلو الديني، لكن هذه النزعات بتناسيها لوحدة المسار الحضاري، تتجاهل بداية التنوير في المشرق وانتشاره ووصوله إلى المجتمعات المغاربية، التي بهذه الاتجاهات اخترقتها ميولات عرقية متعصبة استغلت تراجع الفكر العقلاني والتقدمي الأممي لتكشف عن ذاتها، معتقدة أنها بذلك تحقق انتصارا لأطروحة الانغلاق والاكتفاء بذات لا يمكن عزلها عن تاريخها ووحدة عقلها ومصيرها رغم كل التفاوتات والاختلافات.
خلاصات:
التنوير رهان ثقافي عندما يفشل الفاعل السياسي في فرضه، وهو أيضا حاجة تاريخية لها قواعد تحققها ومنطق حركتها التي لا تكفي الإرادة لوجودها، فهو في مواجهة سلطة لا تعترف به إلا كتقنيات وآلات وتدابير قانونية واحترازية وأمنية، وأحيانا كواجهة تواجه من خلالها التيارات التقليدية عندما تهددها، وهو كذلك مخنوق بمجتمع لم يتحول بعد إلى مجتمع علم ومعرفة، فما يزال يستمد معارفه ممن يدعون الإلمام بالمطلق كخلاص ويخضع لسلطته المعرفية المتوافقة مع سلطة سياسية أخرى، تحاول معه الحفاظ على تمدنه بمده بما يحفظ بداوته روحا وقيما.





