📰 آخر الأخبار
قلْ للزّمانِ/أسامة محمد صالح زاملهورتنسيا أندرسون .. أحجار الماء : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمدينة إفني حَارِسَةُ المَمَرِّ/محمد مبارك الوحداني الدين والتدين - حميد المصباحيHymns (تراتيل) شعر وترجمة/ مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمنالجبهة الفارسيَّة في صدر الإسلام ( برواية تاريخيَّة سُريانيَّة ) أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيالكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف - ترجمة أنور إبراهيمجمال حمدان … وعقدة القنديل/ محمد جبريليحيى حقي: هذا التاريخ الأدبي! محمد جبريلعوالم الجنيات: بعيدًا وفي الأعماق/مارينا وارنر-ترجمة أسماء الطيفي دَعْ عَنكَ لومي / غدير حميدان الزبون-فلسطينمعارك نزار قباني والإسلاميين/زياد أحمد سلامةتأملات في العقل القوموي التركي/سربست نبيالحضارة /ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانUnspeakable gifts/ Mohammad Kutubuddinسيدي علي و الشيخ محمد ن افني الرگرگارة : قراءة نقدية في هوية دفيني ضريح سيدي إفني/محمد المبارك الوحدانيأرجوحةُ مهدٍ هجرها الوقت/ عارف عبد الرحمنموسم آسا: بين الروحانية العميقة وذاكرة الصحراء/ محمد عالي الحيرشترددات / سالم الياس مدالوEducation Is Awareness, Education Is Light By Dr Haroon Rashidجيولوجيا الروح /رانية مرجية الوعي واللغة / عبد الله الهميليأصناف العبيد وأخلاقهم/ د. سربست نبيقبل اكتمال القرن… حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن/اكرم توفيق باربرا تايلور .. تلك الأيام الدراسية الجميلة : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال
قلْ للزّمانِ/أسامة محمد صالح زاملهورتنسيا أندرسون .. أحجار الماء : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمدينة إفني حَارِسَةُ المَمَرِّ/محمد مبارك الوحداني الدين والتدين - حميد المصباحيHymns (تراتيل) شعر وترجمة/ مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمنالجبهة الفارسيَّة في صدر الإسلام ( برواية تاريخيَّة سُريانيَّة ) أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيالكتَّاب الروس في القرن العشرين، أعمالهم ومصائرهم/فلاديمير أكيموف - ترجمة أنور إبراهيمجمال حمدان … وعقدة القنديل/ محمد جبريليحيى حقي: هذا التاريخ الأدبي! محمد جبريلعوالم الجنيات: بعيدًا وفي الأعماق/مارينا وارنر-ترجمة أسماء الطيفي دَعْ عَنكَ لومي / غدير حميدان الزبون-فلسطينمعارك نزار قباني والإسلاميين/زياد أحمد سلامةتأملات في العقل القوموي التركي/سربست نبيالحضارة /ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانUnspeakable gifts/ Mohammad Kutubuddinسيدي علي و الشيخ محمد ن افني الرگرگارة : قراءة نقدية في هوية دفيني ضريح سيدي إفني/محمد المبارك الوحدانيأرجوحةُ مهدٍ هجرها الوقت/ عارف عبد الرحمنموسم آسا: بين الروحانية العميقة وذاكرة الصحراء/ محمد عالي الحيرشترددات / سالم الياس مدالوEducation Is Awareness, Education Is Light By Dr Haroon Rashidجيولوجيا الروح /رانية مرجية الوعي واللغة / عبد الله الهميليأصناف العبيد وأخلاقهم/ د. سربست نبيقبل اكتمال القرن… حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن/اكرم توفيق باربرا تايلور .. تلك الأيام الدراسية الجميلة : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

الدين والتدين – حميد المصباحي

Copilot 20260726 214954

الدين هو شعور الفرد بانتمائه لجماعة مصيره بها مشروط بوحدة إيمانية، هي الكفيلة بتحقيق الخلاص من الشرور، سواء كانت دنيوية أو أخروية، فالدين بدون جماعة لا معنى له، وإن انعزل به الشخص فلحظوة حقيقية أو متوهمة أو خوفا من جماعة لا تقبل بتدين الفرد، أو تعتبره مختلفا عنها أو مهددا لوحدتها، وبذلك فالدين يحقق غايات، هي بالضرورة، فردية أو جماعية، فما هي هذه الغايات وما الذي تحققه وما هي وسائل ذلك؟

1_ الغايات الجماعية:

أسماها وحدة الجماعة بما هي وسيلة للحماية وضمان الاستمرار الفيزيولوجي والثقافي الروحي، فالبشر بتعاونهم يستمرون ويحققون مصالحهم، وعليهم أن يوجدوا المبرر لهذا التعاون، وكلما كانت المبررات مقدسة ضمنت عدم مساءلتها أو التشكيك فيها، أو البحث عن مبررات بديلة للتعاون وضمان الاستمرار، كما أن شحنة الاجتماع الديني تحفز على الاندفاع تجاه الغير كلما بدا مختلفا أو عدائيا لانتزاع اعترافه بدين الجماعة والخضوع له أو احترام مقوماته، هنا تدرك كل الجماعات أن اللحمة الثقافية يقويها الديني أكثر، فلا يكون جزءا منها، بل هو جوهرها ومحتواها في الوقت نفسه، فمهما ذابت الفروقات بين الناس، يذكرهم الديني بوحدة تنسي الأعراق أو تستحضرها بوسيلتها الخاصة، بل حتى الأوطان لا ترى في تميزها بالتاريخي عن الديني رغم التصريح بذلك والسعي إليه بتعددية دينية، تنضبط لوحدة الدولة سياسيا والوطن جغرافيا.

2_ الغايات الفردية:

هي ميل الفرد لتحقيق اطمئنانه بإرضاء خالقه، أي تحقيق خلاصه كنفس تدين بوجودها لخالقها وعليها أن ترد الدين عبادة وإيمانا، هي بذلك تتغلب على كل اندفاعاتها الجسدية أو تهذبها تفاديا للاصطدام بالآخرين الذين لهم الغرائز نفسها، بل هو إقناع الذات بحدود ما تضعه الشرائع والقبول بما تقدر عليه باعتباره مسموحا به للعيش داخل هذه الجماعة الدينية والتاريخية وحتى السياسية أحيانا، بل ربما غالبا، هنا الفرد يتعرف على ذاته ويحترمها بسموها على ما دونها من الكائنات، إنه شرط لتحقيق توازن بين الممكن والمباح وتفادي صراعات الوجود بما فيه من رغبة في السيطرة وإحكام للقبضة على الآخرين مهما كانت ميولاتهم وقدراتهم، الفرد يحقق ذاته بتدينه ولا أحد ينكر ذلك، وإن لم ينف ذلك وجود آليات أخرى لتحقيق هذا التوازن، لكن هذه الصيغ هي الأكثر انتشارا وعمومية بسبب عدم نخبويتها، فهي مفتوحة على الكل، مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية والمعرفية.

3- الغايات الجسدية:

للجسد ماديته بما هي حاجات تفرض إشباعها والاعتراف بضرورة ذلك، الدين نسق منظم لها بمنع ما يلحق بها ضررا، والضرر خارجي كالأوساخ ولكنه أيضا داخلي تطلب تجارب طويلة لمعرفة ما يؤكل وما لا يؤكل، ما يرتدى لباسا وما يتجنب، وامتد ذلك إلى الأمكنة الحافظة للجسد والأخرى المهددة له، الأديان حافظة لما به يحافظ الأنسان على وجوده، بعد ذلك تم الانتباه إلى الحاجات الأخرى كالجنس، وهنا لم يكن بالإمكان تصور جنس مفيد وآخر مضر، اللهم ما يساهم في تمتين علاقات الأسرة وما يهددها بعد أن اتسعت وصارت تجمعات أسرية، كان لابد لها من قواعد ضابطة تحد من اندفاعات الذكور والإناث تجاه بعضها بدون وضع حدود لها، أي ما المسموح به في الجنس والممنوع، وقد تطلب ذلك قبل الاهتداء إليه صراعات مريرة، هذبت الغريزة البشرية وجعلت لها غايات، أهمها تقسيم التجمع وفق قاعدة القرابة التي سمت هذه الجماعة أسرة وعائلة مانعة لزواج الإخوة من أخواتهم، فامتدت الحدود باحثة عن نماذج قديمة عاشها الأجداد وأوصوا بها امتثالا لدين ارتضاه الإله لمخلوقاته التي كرمها بالعقل إلى جانب الغريزة، ولم يسمح لها أن تشبه الحيوانات أو تتشبه بها، بل إنه أباد العصاة الذين رفضوا تعاليمه فأرادوا الحط من قيمة البشر والنزول به إلى درك الحيوانات.

4- الغايات الروحية:

هي ما ليس جسديا وإن ارتبط به، فالطهارة تمس نفسية الكائن البشري وتمتد لروحه، بما هي كيانه اللا مادي والثقافي والمرتبط بوعيه ونفسيته، وهي ما يتأهل به لإدراك المتأمل غيبا وهو ما يغيب عن الحس والجسد ويتجاوزه، كمآل الإنسان بعد الموت، وذكراه بعد الموت وما خلف لغيره من بنيه وبني جنسه من منافع وآثار يضمن بها تواصله معهم كما تواصلوا هم معه من خلال ما خلفوه وحفظوه له، الديانات حررت الإنسان من التبعية المطلقة للجسد وخدمته وحده بالاستجابة لكل ميولاته، فلولا هذه المسافة التي رسمت الديانات بين الوجود المادي والروحي، ما مال الناس للمعرفة وابتهجوا بها وتوارثوها، وأضافوا إليها من فنون القول وحركات الأجساد وحتى بعض أصناف الغناء حسب الثقافات والحضارات، بل هناك عبادات وطقوس لها إيقاعات الموسيقى وإيحاءات بالجسدي على ما هو تاريخي قبل أن ترسم على جدران المعابد ودورها، إنها تلك المعاني التي لها دلالات روحية بما تحيل عليه وتبتغيه متعاليا عن الحاجات ومنظما لها.

إذا كان هذا هو الدين بشكل عام، فهل اختلاف الديانات يؤثر على غاياته؟

إن المتعارضات تختلق لنفسها أحكاما حول غيرها من أشكال التدين، بذلك تحاول فرض تميزها بما تحققه لأتباعها من سعادة متجاهلة التمييز بين الدين والتدين، صحيح أن حفظ الوجود البشري هو أسمى سعادة يحققها الكائن البشري، فلا سعادة إن لم يكن موجودا، لكن الديانات الموحدة تخرق هذه القاعدة بتركيزها على سعادة أدوم وهي خالدة في عالم آخر، وأحيانا تتجاهل السعادة بمعناها الدنيوي الحاضر، وهناك ديانات غيرها تقبل بالمتدينين جميعا، بل تحث أتباعها على الإيمان بكل الأنبياء، ولا تخوض فيما خو خلافي بينها، بل تعتبر حقائقهم جديرة بالتصديق جميعا ما دامت تحقق لأتباعها سعادة واطمئنانا روحيا، كالبوذية مثلا، مما يطرح ضرورة استحضار أشكال التدين في الديانات وربطها بمحيطها الثقافي والحضاري والتاريخي. فهل يمكن مثلا الحديث عن ديانات الوحي وديانات الحكمة، فهل الوحي متعارض مع الحكمة رغم ربانيته؟

إذا اعتبرنا الدين دينونة للخالق بموجب الوحي فإن ذلك يفرض وجود الرسل والأنبياء، لكن هناك ديانات لم يقل أصحابها أنهم مبعوثون أو رسل، ورغم ذلك تعتبر ديانات حتى وهي خالية من العبادات أو تعتبر سلوك أتباعها ليس طقوسا، بل تمرينا مثلا للجسد ليستحضر روحا أو يربطها بالجسد بطريقة ما، هنا لابد أن نبحث عن المشترك في ديانات الوحي أو الأكثر اشتراكا، ربما ساعد ذلك على فهم اختلافها عن ديانات ما يمكن تسميته مؤقتا بديانات الحكمة البشرية تمييزا لها عن الحكمة الإلاهية أو الملهمة.

5- دين الوحي:

دين موحد للإله أقدمه اليهودية وآخره الإسلام، بموجب رسالة اعتبرت في اليهودية هي ألواح موسى التي تسلمها من الله مكتوبة بجبل موسى، ومفادها المحرمات العشر، أما عيسى فاعتبر كلامه كلاما إلاهيا، لذلك سمي كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، بل إن بعض المسيحيين غالوا فيه لدرجة أنهم اعتبروه تجسيدا للوجود الإلاهي، ليس قولا فقط، بل فعلا، وأنه بصلبه تخلص من البشري فيه ليعود إلى طبيعته الإلاهية، وهو ما ذكره المسلمون الذين ذهبوا إلى ما ذهب إليه إنجيل لقا، أي أنه رفع إلى السماء جسدا وروحا، ولم يصلب أصلا، أما الإسلام فكان الوحي منزلا، فغالى المسلمون ليلحقوا به أحاديث النبي حتى لو كانت في قضايا الدنيا وليس الدين والغيب، فما المشترك في هذه الديانات وهي تخلق علاقات خاصة بالاه واحد؟؟

من البين أنها تعتبر نفسها وليدة وحي تكلف به نبي من أنبيائها ليبلغه إليها، مكتوبا أو مقالا أو محمولا، إنها معنية مباشرة به وهي التي اختارها الله لتحمله إلى الناس وتسود باسمه، بل تحكم وترغم وتفرض شريعة الله على الناس أجمعين، الوسائل اختلفت باختلاف الأنبياء والأتباع أيضا، به توحدت لتصارع بعضها أيها أقوم وأحق بأن يتبع، فنشبت بينها صراعات واختلافات نتجت عنها فرق ونحل بدون استثناء حتى في صفوفها، وخلقت كل جماعة لنفسها تاريخا، بأن عادت للتاريخ تبحث فيه عما يؤهلها لتمثيل الأنبياء، حيث عاد اليهودي إلى دولة يهوذا في الجنوب والآخر إلى إسرائيل شمالا بل آخر عاد للسامرة، أما المسيحيون فمنهم الأرتوذكس والكاثوليك والبروتستانت، ولم يستثنى المسلمون من الانشقاقات، أكبرها الشيعة والسنة والخوارج، إضافة للنزوعات العقلية الاعتزالية التي عرفت بالمعتزلة، والمشترك بين هذه الفرق هو تأويل النصوص المقدسة وكيفيات الفهم، وبشكل أعم، المكتفون بالظاهر والموروث، والراغبون في قراءة النصوص بأشكال أخرى لم يعرفها السابقون، بناء على مستجدات عرفتها الذهنيات وتاريخ الوجود الحضاري والتاريخي للجماعات الدينية، إن المشترك هو حقيقة الإله الراسم للحقيقة والمصور لها، إنها إعلان الغيب الذي كوجود الإيمان به شرط قبول بربوبية الإله، وها ما تتأسس عليه طقوس العبادة الضامنة للخلاص الأبدي، وهنا المشترك الثاني، وهو القول بالخطيئة الأصلية التي وقع فيها آدم بتحريض من إبليس رغم اختلاف الحكاية في الديانات الثلاث، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات تجاه الذات والغير، أي باقي الديانات وحواء، هنا العنصر الثالث المشترك، وهو تكفير الآخرين حتى الموحدين أي المعترفين بوحدانية الله، وكل جماعة تعتبر الأخرى مزورة أو محرفة للحقيقة الأولى، لكن رغم ذلك تبقى ديانات الوحي بوحدتها تتفاوت جماعاتها في الرفض والقبول، لكن التي سبقت لتجديد قيمها وعزل المغالين فيها عن المعتدلين، هي الديانة المسيحية، وقد حدث ذلك بفعل عوامل تاريخية ومعرفية وحتى سياسية، وقد نفهم شدة التنابذ بينها بفعل المشترك، الذي بدل أن يقرب باعد بينها، وهذا التباعد ليس وليد اليوم، بل هو موروث لم يؤثر فيه الزمن بفعل قداسة الحكم على بعضهم وربانيته حسب نصوص كل منهم، إن المشترك مباعد، وهو في المسيحية منسي ومتجاوز بفعل الإصلاح الديني الذي عدل الأحكام واعتبرها مشروطة بالتطور التاريخي الذي عرفه المتدينون، وبذلك اعتبروا ديانتهم محصورة فيما هو تعبدي، وحصروا التعليم الديني في الكنيسة، بينما المعرفة لا يمكن اختزالها في الدين، فالتاريخ لا يعول على النصوص فيه، بل الآثار المادية التي يستنطقها المؤرخون وليس رجال الدين، وكذلك الأمر مع العلوم والطب وغيرهما من المعارف، بل حتى السياسة نفسها، عزل الديني عنها.

6- دين الحكماء:

من الصعب القول بديانة الحكمة، لأن ذلك سوف يعتبر ديانات الوحي خارج الحكمة، وقد سمى فلاسفة الإسلام الدين الإسلامي بالحكمة ليقربوه من الفلسفة، غير أنه حكمة منقولة في مقابل الحكمة المعقولة، التي هي الفلسفة، بينما الشريعة منقولة كحكمة وإن لم يقبل كل الفلاسفة بذلك، فالموحى به ليس كالمتوصل إليه عقلا، بل ذهب فلاسفة آخرون إلى القول أن الشريعة أي القرآن، يتضمن ما يمكن تدبيره باللغة وما لا يمكن فهمه إلا بالعقل، فالناس خواص وعوام ولكل قدرته على الفهم والتدبر في المعاني والدلالات، لكن الأكيد أن الكتاب لم يكن جديدا عليهم، بدليل أن فيهم قبل الدعوة يهود ونصارى، ولم يكن منهم فلاسفة، لكن آثار الحكمة كانت ببعضهم لصيقة في شكل شعر وعواطف فياضة فيض العقل رغم انفعالات أصحابها، ولما اختلجت أفئدتهم بما هو فلسفي يوناني، كان لزاما عليهم محاولة أسلمة الفلسفة أو فلسفة الدين بما أتيح لهم من معارف، مالوا بها ميل الدراية والنظر، أو الولاية والعرفان، فحققوا باختلافاتهم ما أغنى الحضارة ودفع بها لإنتاج ما به تحكم الذوات وتسير سابرة مسلك البهجة، بما هي تجاوب مع الجسد أو تنكر له حفظا لسلامة النفس، وهو مشروع عرفته حضارات أخرى غير اليونان، سماها البعض مشرقا واعتبرها آخرون غنوصيا، وهي  تجارب بشرية تستحق أن تعرف ويكشف الحجاب عن الغامض منها، سواء أبهج أهله أو أشقاهم، فالناس وجدوا مختلفين فيما عرفوا وحتى فيما جهلوا، ولا حق لأحد بأن يعتبر نفسه وليا لغيره مهما تغايروا واختلفوا عنه، لغة واعتقادا وحضارة وتاريخا.

7- دين الطبيعة:

هو ما يعتبره المؤمنون تنكرا للديانة وتمردا عليها، والحقيقة أن المنكر لا يعترف إلا بما تفرضه عليه الطبيعة، فيدخر خوفه ليلهم نفسه القدرة على التحكم فيها بمعرفة قوانينها، والقوانين ليست مرئية، ولا يمكن تقبل صور لها تتخذ صيغ موجودات لا يدركها العقل إلا إن كانت لها آثار، وانتظام ظواهرها هو ما يجعل المؤمن بها يعتبر متدينا بشكل الطبيعة، فهو بما يعتبره أخلاقا، يكون قد امتثل لخير فيه وليس مفروضا عليه من الخارج بشرائع ووصايا موروثة، وتلك المثل كقوانين الطبيعة، لا تفرضها الغريزة كاستجابة لحاجات الجسد، بل تقاوم الحاجات وتحد منها دفعا لكل أنانية مفرطة، تجعل الكائن يتنكر لما يعتبره قيما وأخلاقا دالة عليه بما يتجاوز وجوده الجسدي، العابر أو الفاني، كما أن هناك طبيعة بشرية، تعتبر الخير متأصلا فيها ولا يحتاج لحوافز خارجية أو معتقدات أو حتى حكم عقلية، هكذا يكون الطبيعي، بعيدا عن أية نزوعات جماعية مفروضة لحفظ وجود الجماعة أو حمايتها مما يهدد تلاحمها، وه ما يعتبر أساسا أخلاقيا لكل كائن بشري، به اهتدى قبل الديانات جميعا، فسمي فطرة أو غريزة خيرة، موجودة مع هذا الكائن المختلف عن غيره من الموجودات الأخرى، تلك التي لا يسعها التحكم في غرائز عدوانها إلا بالترويض والتوجيه، ومع ذلك تظل طبيعتها الحيوانية قوية تنتظر الفرصة لتظهر من جديد، قد يقال أن الإنسان ليس خاليا من العدوان، وهذا ما لا يمكن نفيه في كل الديانات، حتى التي أكثر تسامحا وتنازلا، فالبشر لا تصنعه الديانات أو تعيد تكوينهم إلا ضمن حدود الممكن الثقافي والتاريخي، وملابسات أخرى فيها الفردي والجماعي، ولذلك لابد من التمييز بين الدين والتدين، الذي يعني فاعلية الإنسان في تعامله مع الديانة وكيفيات تمثله لها وانصياعه لها، فبأية آلية يحدث التدين وما المؤثرات التي يحدثها الوعي في الاعتقاد بما هو تدين؟؟

1_الطقوسي: بما هو موروث منظم للحياة ومكيف لها مع مستجدات، فرضتها المسارات الثقافية والسياسية لحضارة أو مجتمع في سياق تاريخي، يستحضر طقوسه كتميز له عن هويات أخرى داخل المجتمع أو مجاورة له، لكأنه لا يبحث عن الصحة ولا يدقق فيها مادامت موروثة وموثوق فيها، بل قد صارت مرتبطة بالجسد ولائقة به كما الألبسة، لا نتخيل ما هو أجمل منها لأجسادنا، بل صرنا نرى أنفسنا نرتديها حتى في أحلامنا، وهو أفق تفكيرنا فيما نريد أن نكونه، التدين هو تمثل للدين وفق اتفاقات وتواطؤات يتم التسليم بها لتبدو متطابقة مع الدين نفسه، بل هي صحيحه في وجه المشوه أو المتلاعب به أو حتى المنسي، هكذا التدين يعبر عن ذاته بصيغة الفردي ليصير جماعيا، بالحد من اندفاعات المبالغة في روحانيته أو ماديته، إن التدين الطقوسي حافظ للتوازن بين المطلوب والممكن، بين الواجب والمؤجل، حتى لا ينصرف العابد كليا للعبادة أو يتجاهلها كليا.

2-المعرفي: هي تلك المعارف المشتركة والعامة لبساطتها وسهولة تمثلها، فلا تميل للتعقيدات التي تنشدها النخبة، ولا تغالي هذه المعارف في بحثها عن الحقيقة أو ما يعتبر كذلك، بل تكتفي بما يفيد إنجاز الطقوس ونقل ذلك لجاهليه، دون أن تلغي شروط الإيمان كاعتقاد فيما هو ضروري للتدين الذي مفاده القدرة في حدودها الدنيا، بعيدا عن المبالغة أو البحث المضني عما يصعب إيجاده، وهنا يلجأ التدين للإضافة والبحث عما ورد على ألسنة التابعين ليصير كلاما لمن اتبعوه، فقط لبساطته، فقد شرح، فصار الشارح هو القول ونسي القول لصعوبته أو تعقيداته، وهي عمليات تحدث في كل الديانات، تعبيرا عن فئات الناس وتفاوت مداركهم وقدراتهم العقلية والوجدانية، فلكي يفعل التدين فعله، لاتكفيه الطقوس، بل لابد له من معارف هي الناقل لهذه الطقوس والمدافع عنها شرحا وتوضيحا، وبذلك يحصل الاقتناع بها، والمعارف التي تشكل حمولة للتدين لها خصائص مختلفة عن الدين أحيانا، فهي أكثر تسامحا، وقابلية للإدراك ولها نشاط تخيلي عتيق، يمتح من لذة الحكي وتنشيط خيالات الأتباع الذين يهيمون بها حتى لتبدو لهم حقائق عايشوها باللغة والإيحاء الرمزي واستدمجوها عاطفيا وذهنيا، وتمثلوها كأنهم أول المتدينين بتلك الديانة، وعليهم التوعية بها ونشرها ليصيروا أبطالها المقربين ممن يفوقونهم معرفة وإيمانا وقربا من الجذور التعبدية والإيمانية.

_3-التسلطي: وهو تدين يفرضه حامل أفكار رافضة للمجتمع أو كارهة له، فيربط التدين بالتسيس ليسمح للأتباع بالتجمع والتعاضد الحركي المؤدي في أحيان كثيرة لممارسة العنف والتحريض عليه، فهذا التدين لا تعنيه الطقوس وأحيانا ينتج معارف حوله غريبة، وهو يتراوح بين العزلة والتجمع، إذ يدفعون الفرد إلى كره المتدينين مثله، حتى إذا شعر بغربته بينهم، تم جره إلى الجماعة البديلة التي تستغل حاجته النفسية إليها، لأنه انقطع عن الآخرين ولم يعد يرى فيهم أشباها له، بل أعداء وجهلة وربما كفرة في نظره، فيلتحم بالمغالين ويتدين معهم بتطرف، فيقع تحت نيرهم وفيما بعد يخضع لزعيمهم بعد أن علموه وأهلوه للقبول بتسلط سيدهم وزعيمهم، وهنا يتدين بدين الرفض ليعتبر نفسه معنيا بإيمان الناس، فلا يراه عبادة أو طقوسا، بل فعلا وقومة وانتصارا للحق، ومواجهة لكل تدين لا يحرض على الفعل والتباهي بذلك لسد الطرقات أثناء الصلاة، ومعاقبة من في زعمهم يمسون بأخلاق المعتقد، الذي صار معتقدهم وهم حراسه وأتباع أنصاره، وبذلك يمثلون الدين الحق، أي التدين التسلطي.

4_التعاطفي: تدين فيه المحبة والمصلحة، ينشئ لنفسه مرتعا للمساعدة والتخفيف عمن ثقلت عليهم تكلفة الحياة، فأتعبتهم وكادت تدفعهم لليأس، فلم يجدوا غير التدين مهربا من هموم لا يستطيعون التغلب عليها وحدهم، فانحازوا لمغلوبين مثلهم، ينشدون بهم التفريج عن أنفسهم لتبادل الشكوى، ومساعدة بعضهم بعضا، لا ينشدون من الدنيا غير الخلاص من أثقالها التي أرهقتهم، فضاقوا بضنكها واجتمعوا على الذكر، يحكون عن كرامات الأولياء ومن خصهم الله بحكمة الصبر، فصبروا على الويلات حتى أتاهم الفرج، فابتهجوا وفرجوا على غيرهم بما استطاعوا، عطاء ونصائح وتوجيهات، تبعث الآمال في الأنفس البئيسة، فتوقظ فيها حب الحياة والتزود فيها بزاد الآخرة عملا وعبادة وطهرا وإيمانا، فلا الجماعة استعاضت عن غيرها ولا هي كرهتهم في بعضهم، بل زرعت المحبة وشجعت عليها واعتبرتها صدقة لمن لم يجد ما به يتصدق على غيره.

5_ التهربي: هو صيغة انهزامية، به يفر المتدين من تحديات الحياة الاجتماعية المدنية، فينفر نحو الصحاري والأماكن الخالية، ويحدث أن يلتقي أفراد مع بعضهم، فيشكلون تجمعا شبيها بالرحل، إذا تقاطعت طرقهم مشوا فيها وإن اختلفت تفرقوا، فما أن يشعر بعضهم بحاجتهم إلى بعض، حتى يكون ذلك بمثابة محفز على التفرق في الأرض والتيه فيها، طلبا لغربة ووحدة يحافظ بها المتدين على دينه أو تدينه بالأحرى، إنه فعل مغامر وسعادة اختارت التنقل بحثا عما يديمها وهربا مما قد ينغص على الفرد حياته، وهي تختلف عن هجرات المتصوفة المتأملة، من حيث الغايات وطبيعة التدين فيها، إنها رحلة لم تحدد لنفسها سقفا ولا حتى غاية، عدا النجاة بما يعتقد أنه فرحة بإيمان غامض، أو لنقل صامت، يبحث لنفسه عما تهبه الطبيعة إياه بدون مقابل، فيقبل به كنصيب وحق مستحق لا ينازعه فيه أحد، إنه تدين متحرك ومتهرب من كل التزام فردي أو جماعي.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة