النص المقدس / حميد المصباحي

النص بالقداسة يستحوذ على الذهن، منتجا خيالات معوضة للسؤال، بجواب مقحم داخل ثقافة بعنف الخوف من الشك، إخلاصا لثقافة سابقة، اعتبرت مرتعا ليقين تام، بتمامه أعد لاحقا، ليخدم ضد امتداد المعاني المحاصرة، بما أريد لها أن تفهم به، أي منطق نحوي للغة، أو قياسات، تلحق الظني بالقطعي، سدا لثغرات تاريخية، لم يقل حولها ما يوضحها، فبقيت منفلتة، تحكى بدون وثائق دالة عليها، إثباتا أو نفيا، فهل النص بما هو، قادر على تفعيل فهمه وحده؟
كل نص مقدس يؤرخ لبزوغه أولا، كأنه يعرف المتلقي به، كأن يكشف عن تعاليه وتلقيه من متعالي عن البشر، الذين ينتدب منهم شخصا بناء على استحقاق أو عهد سابق عليه، فيكون وسيطا بين الإله وبين المعنيين بالرسالة، ويسمى الشخص نبيا أو رسولا، أو كلمة الله، والمعبر بما يتلقى عن مهمته الربانية، ولتأكيد ذلك، يخصه الرب بمعجزات لإثبات زعامته على جماعته، فتكون ملزمة باتباعه، لتستحق بذلك أحقيتها على كل الجماعات الأخرى، المعتبرة ضالة، بما تمارس من طقوس وتقترف من آثام، وبذلك تقترح عليها طقوس جديدة، بل تلزم بها تصديقا للمهمة التي أوكلت إليها، وبهذا الحق تنال حظوة السيطرة على غيرها، بقوتها المدعومة بجبروت الرب الذي يقودها من خلال رسوله وما وهبه إياه من خوارق تذهل الأتباع وحتى الأعداء، وتسجل تلك الخوارق الدالة على عظمة الإله وجبروته، وهي بما تفعله، قد كانت حالة احتاجت فيها البشرية، لدوافع روحية لتنظيم الحياة الجماعية وضمان تميزها عن باقي الكائنات الأخرى، وقد يصح القول، أنها حررت الإنسان من حيوانيته وهذبت سلوكه، ليصير ما هو عليه في تميزه ويشيد لنفسه حدودا بالمحرمات، وبعض أشكال التقرب إلى المقدس ليحفظ للنفس اطمئنانها على مصيرها ومصير الأجداد الذي غادروا الوجود وماتوا، طبيعيا أو بعوارض كالمرض والحروب والغرق وحتى الاختفاء، لكن السؤال، ألم تكن الأساطير قادرة على تأدية هذه المهمة والبحث عن الخلاص الذي منه استمدت الكتب المقدسة ضرورتها وقداسة مهمتها؟؟
أساطير السحر وأساطير الحكي:
أساطير السحر، شبيهة في لغتها بطلاسم، فيها اللغة غموض والتباسات شبيهة بإيقاعات صوتية، اعتقد بأنها لغة سرية، موروثة عن الأجداد المبجلين أو الكائنات الخارقة، التي سكنت بعض الأشجار أو الأنهار أو حتى الحيوانات، فتحدثت بأصواتها، كالرياح العاصفة والبحار المزمجرة والبراكين المنفجرة نارا وشظاياها، فرقص السحرة على إيقاعها منصتين لأوامرها، ونبوءات القادم من الأيام والسنين، وبذلك صنع السحرة لأنفسهم لسانا وتحول إلى سلطة وسط الجماعة، سواء كانت قبائل أو حتى دول عتيقة في الحضارات القديمة.
أما أساطير الحكي، فاستبدلت السحرة، بما يشبه الكهنة وممثلي الآلهة المتعددة، والنموذج اليوناني، هو صانع الحكي، وقد قدم أجوبة عن أصل الوجود وطبيعة الحياة بعد الموت، وقدمت نماذج عن حلول الآلهة على الأرض وصراعاتها مع بعضها، بل إنها صارعت الإنسان نفسه، وجعلت من بعضه أنصاف آلهة، إما بخلودها أو قوتها، وقد تنافست على الإنسان الآلهة، فخاصمه بعضها وعاداه البعض الآخر، لكن الغريب، أن منها من أحبته وحفظت وجوده المهدد، وخاضت في سبيل ذلك حروبا ضد بعضها، وهنا كان مبرر نيابة الإنسان عن الآلهة في صراعاتها ضد الكافرين بها، فنشبت المواجهات بين الحضارات، باسم الآلهة، وسجلت ملاحم ذلك لتحفظ في تاريخ الشعوب، وتغنى في التجمعات احتفاء بالانتصارات وتحفيزا للجماعة على التمسك بوحدتها وهويتها.
ديانات التعدد:
استحضرت رموز الآلهة وجسدتها، بحسب القوى المعبرة عنها، فرسمت لها أشكالا، فلم يعد النهر يعبد مباشرة وتقدم له القرابين، البشرية والحيوانية، رسم أو نحت له صنم يعبر عنه فيحل فيه، ليشهد الطقوس المقدمة كقرابين من خلال وساطة الكهنة، وإلى جانبه إلاه الشمس بعد أن أدرك البشر قيمة الشمس، وهكذا بمعرفة الكائنات العاقلة بمصدر حياتها المتعدد، اضطرت لخلق تعدد الآلهة، ففاخرت به واستمدت منها القوة للتغلب على الطبيعة وكل ما يهدد حياتها واستمرارها، وتحولت تلك الحقائق لموروث، حرسوا على دوامه واستمراره، وقد ظهرت متغيرات اجتماعية وذهنية وحتى نفسية، دفعت للتفكير، في وجود كبير للآلهة، يتزعمها كما تزعم البشر بعضهم، وخضع الضعفاء للأقوياء، فتخيلوا الآلهة كذلك، ولأن مظاهر الوجود متعددة، كانت الآلهة كذلك، والقوة أدركوا أنها هي الأخرى، متفاوتة، فكانت قوى الحكام والحضارات كما عايشوها، متقلبة في سيطرتها على بعضها، وكان على القوى الخارقة أن تخوض صراعا ضد بعضها، فيخضع القوي الضعيف وقد يسترقه فيحييه لخدمته وتأدية ما يأمره به من أفعال، وهكذا بدأت فكرة كبير الآلهة تولد قناعة بوجود رب للأرباب، يسوسهم وينظم بهم فوضى العالم، العلوي وحتى السفلي، من هنا بدأت تبرز آلهة الشر والخير، فغدا الوجود ساميا نورانيا، وآخر سفلي وظلامي، واحد للأرواح الخيرة بعد الموت، والثاني للأرواح الشريرة بعد موتها، فاستمرت هذه المرحلة طويلا، لكن فكرة ما كانت تنخرها، وتتطور في غفلة الجميع، وبرزت داخل الديانات المتعدد الآلهة في الحضارات القديمة وإن بأشكال باهتة وحتى غامضة.
فما هي هذه الفكرة ومن هم أصحابها ودعاتها وكيف اهتدوا إليها؟؟
الديانة الموحدة:
اعتقد أن اليهودية كانت بداية الديانات الموحدة، لكن دراسات الحضارات القديمة، وجدت في المرحلة الفرعونية، أخناتون ونيفرتيتي، فكرة وحدة الإله، التي ظن بعض المؤرخين أنهما اغتيلا بسبب هذه الفكرة، وهناك من ذهب إلى الزرادشتية، حيث إله النور، هيرا مازدا واحدا، فالنار التي يرمز له بها، واحدة في اعتبارها مصدر نور مهما كانت المواد المشتعلة فيها، بل إن الله في اليهودية ظهر لموسى في شكل نور ناري بزغ في عليقة بشجرة في المكان المقدس، وبذلك كانت وحدة الإله، تأكيدا لوحدة وجود ظاهره متعدد في المخلوقات، لكن المصدر لا يمكنه أن يتعدد، وهو مستوى تجريدي، احتل مكان التخيلات، في كل أشكالها، وإن لم تتحرر الديانة الموحدة من ثنائية الخير والشر، والصلاح والفساد والعدم والوجود.
لكن الإله الواحد، اتخذ أسماء مختلفة وصفات متناقضة حتى داخل الديانات الموحدة، التي انقسمت هي نفسها في تصورها للرب وطبيعته، فتفاوت فهمها للخلاص وكيفيات تحققه، وشروط الفوز به، بل هناك فرق كفرت بعضها وفق هذه الاختلافات، ونشبت بينها حروب، قديما وحديثا، وما تزال آثار ذلك حاضرة كتابة وتصورا.
يثبت ذلك، أن الخصومات القديمة، لم تمت منذ أيام الأساطير، وهي تنتهي بعداءات تتأسس على تأويل وإعادة القراءة للنص المقدس، كلما دعت الحاجة لذلك، لكأن القداسة لم تحجب طموحات البشر وميولاتهم في ممارسة السيطرة باسم الرب والإله، رغم وجود ديانات حاولت تجنب السياسة والميل للتسامح الذي يتقلص كلما لامست الديانة السياسة أو اقتربت منها لتبدو هوية جماعة، بها تحفظ وجودها وتدافع عنه في وجوه ديانات أخرى.
لكن الوحدانية لم تترسخ بشكل فجائي، بل هي نفسها مرت بمراحل، إذ اتخذ الإله الواحد أشكالا ظهر بها مختلفا، اسما وهيئة، فكانت أسماؤه ملازمة له في القدم، وبعض صفاته الذاتية، أي الجوهرية كالقدرة والعلم مثلا، إضافة للذات التي يحل فيها ويرفعها فيما بعد لتنضم إليه في الملكوت وإن لم تكن هي نفسه، فهي ملازمة له أو قائدة إليه وفعله يتم بها، وهذا ينطبق على اليهودية المؤسسة للتوحيد من خلال جماعة إسرائيل وأسباطها الذين اعتبروا في العهد القديم كأبناء ليهوه، خصهم برسالته وتأديبه لهم بما حرم عليهم من دون البشر جميعا، وما حثهم على فعله تجاه ذاتهم وغيرهم من أحكام، وصلت في حالات إلى تحريم الزواج من نساء من خارج جماعتهم، رغم عصيان بعض أنبيائهم لأوامره كما يحكي العهد القديم.
والعجل الذي اتخذوه إلها بعد غياب موسى، لم يكن اعتباطيا، بل هو إرث حملوه معهم من الحضارة التي عايشوها قبل الخروج من مصر، وهو لم يكن إلها بديلا، بل صورة لإلههم الذي نهوا على تصويره كما تفعل باقي الشعوب مع آلهتها، إن القداسة لم تبدأ مع التوحيد، لكنها به ترسخت وتراخت مع المسيحية لتشتد مع الإسلام وتحمى بعنف عقدي يتحول إلى فعل مادي قاهر.
الوحدة وإيقوناتها:
الإله معه رموز داله عليه، حاضرة معه وإن لم تكن متماهية معه، فروح المسيح إلهية ارتبطت بجسده البشري ليخلد بها، ويثبت بالقيامة انتصاره على الموت، مثبتا أن الإله فيه حل، ولم يتألم ألم الجسد، بل كان ذلك خلاصا وغفرانا للبشرية وشهادة يراها المؤمنون حقيقة كما حكوها، جميعا وعايشوها ودونوها كانتصار لاهوتي بالناسوت، ليثبتوا أن المسيح كان كلمة الله وفعله وحضوره في الجسد البشري، ليثبت حبه للبشر، أبنائه كما يقول اللاهوت المسيحي وحتى اليهودي، وبذلك فالصليب لا يعبد، بل هو رمز الفداء والخلاص البشري، وهو تذكير بالدم والجسد الذي افتدي به البشر جميعا وهم يسلمون به من خلال الإقرار بألوهية المسيح تكريما للبشر الذين تشرفوا بذلك وتخلصوا من إثمهم الموروث، ليثبت لهم إمكانية الكمال رغم ميولات أجسادهم وغرائزهم، ليكونوا ربانيين محبين لله في خلقه داعين لهم بالهداية وتسليم أرواحهم للمسيح المخلص، وهو ما لم يقبل به كل اليهود، رافضين ألوهية المسيح، بل غير مصدقين أن عيسى هو المسيح الذي انتظروه وبشروا به، بل وجد ذكره في كتابهم التوراة، دون تجاهل وجود يهود آمنوا به بعد القيامة من الموت وربما قبل الصلب أو بعده، وبذلك فإن وأيقونات الإيمان تنضاف للإله دون أن تكون هو في رمزيتها ودلالتها عليه، رغم اتحاده معه، جسدا وروحا وخلودا، كما هي حالة المسيح الذي يدل الصليب عليه، تذكيرا بالتكفير والتضحية، ففي كل ديانات الوحي كما يقال، هناك بأيقونة اتخذت الشخص المبلغ رمزا لها، سواء كانت مكانا أو كلمات أو قبرا أو مكانا مقدسا، بل وحتى تمثالا كما يحدث مع بعض الديانات الهندية كأكرشنا والبوذية التي تختلف كثيرا عن الديانات بحكميتها وإصرار أتباعها على تجديد قيم الاستنارة فيها، فلا تتهم أحدا لا بالتجديف ولا البدعة ولا الانتحال، رغم عدم إصرارها على الألوهية المتعالية والمبالغة في تبجيلها.
القداسة والرغبة:
للقداسة بعد أخلاقي في بدايته، فالإنسان يحلم بالكمال وإن لم يحققه، والحقيقة مشروطة بالثبات، فإن تغيرت فقدت جاذبيتها، ولا شيء يضمن استمرارها يشكل أعمق أكثر من التقديس، الذي يتجاوز الشرائع والمواعظ، ليصل للأمكنة والشخوص، فيتحرك المخيال بشحنته الإيمانية لترسيخ الاعتقاد وتحصينه ضد المشككين أو حتى المتسائلين، وهنا يقع الفاصل بين الدنيوي واللاهوتي، لتظهر مفارقات بين الاعتقادي والأخلاقي ببزوغ النزعات العنيفة، فما لا يقبل به إيمانا يتم فرضه بالقوة، وتتفاوت ممارسة هذا العنف وتتعدد، فقد يمارس اجتماعيا باسم جماعة أو طبقة أو حتى سلطة سياسية، تجد فيه وسيلة هيمنة فكرية واعتقادية، ترسخ بذلك وجودها العاطفي الاعتقادي وتمزج مشروعا بهوية توحد المجتمع والحضارة، لتبدو خادمة للمقدس ومتفانية في دعمه ونشره.
النصوص لا تتصارع لتحتكر قداستها، بل الجماعات الشارحة لها والمصرحة بها دفاعا عن حقيقة يراد لها أن تكون حائزة لحق تخدمه وتتفانى لنشره، فهي خادمة له بإخضاع غيرها له، كلمة أو قانونا وهيمنة، فتبدو الجماعة حريصة على تقاسم خيرها مع غيرها، وهذا الخير هو الحقيقة والغاية السامية، والتي بها ينال الإنسان شرف الوجود المتعالي على كل ما هو طبيعي، فماذا لو اكتفى المقدس بقداسة ذاته وأتباعه وترك غيره يتمثل وجوده كما يشاء، خارج القداسة والوصاية؟؟
علمنة الرغبة:
معناه أن تصير الرغبة دنيوية في تحصيلها للسعادة، المشروطة بالعيش داخل الجماعة، إرادة واختيارا بدون أن تذوب فردية الفرد فيما هو اجتماعي روحي مفروض بسلطة متعالية عن الإرادة الجماعية، الخاضعة له ضرورة بقوة الفعل أو التخويف من المصير النهائي الأخروي.
تحقق هذا النموذج في مجتمعات بشرية، طوره الغرب ووصل إليه في خضم صراع تاريخي ضد شمولية المعتقد، الذي وظف المسيحية، بل أخضعها لنفوذه، فكانت فيما بعد، رافضة لتملكها سياسيا، وبذلك سلمت باستقلالها عن صراعات النفوذ، مكتفية بخوض مواجهات لاهوتية ضد غيرها من المجذفين والرافضين للحياة الروحية التي تدافع عنها بطريقتها الجديدة، أي بعد تمثلها لقيم حرية المعتقد والاختيار الحر للأفراد، الذي دعمته بنصوصها وتصورها للخلاص، المشروط اعتقادا وأخلاقا لا سياسة وتمذهبا عنيفا، لا كما هو حال المسلمين، فماذا يعوق الإسلام عن تمثل الحرية بهذا الشكل والتسليم بحرية المعتقد بعيدا عن منطق رفض كل سلطة لا تدين بالمقدس فعلا وحتى عنفا؟؟
المقدس الإسلامي:
يشترك مع المقدس كنص، لكن قداسته اتسعت أكثر، إذ حولت الاجتهادات إلى أركان للمقدس نفسه، فما لم يصرح به النص القرآني، يجدونه في الأحاديث فتتساوى معه، وتصير شرطا لإسلام المسلمين، وتنضاف إليها أخرى للرواة والتابعين، ممن كانت أحكامهم سابقة حتى على النص نفسه، مؤكدة لبعض ما ذهب إليه بعض الصحابة، كعمر بن الخطاب، الذي قال( وافقني ربي في ثلاث).
بهذا الشكل تصير التجارب التاريخية مقدسة بتاريخها، مثل مفهوم الخلافة، الذي لم يتفق حول أشكاله، لكنه كسلطة سياسية_ دينية يعتبر مقدسا لا يمكن التفريط فيه، ومفاده الحكم بما أنزل الله، والله لم يقدم تصورا لمفهوم الدولة بآلياتها النظرية كما يفهمها دارسو العلوم السياسية، فالقضاء فقه في النوازل بالقياس على ما حدث منها، وما لم يحدث تختلف فيه المذاهب وحتى التوجهات الفقهية، فأيهم يمثل القداسة؟؟
هذه الاختلافات مسكوت عنها، المهم صفة الإسلامية للحاكم ومن يمثلونه، فرضى الفقيه يتم تصويره كإرضاء لله، وهنا تمتد القداسة وتستمد جذورها من لجم الطموحات السياسية لغير المسلمين، وفق التفاضل حتى بين المسلمين، حسب مذاهبهم وتوجهاتهم الفقهية.
فلماذا يبالغ الفكر الإسلامي والديني في قداسته ويمدها للسلطة والمجتمع بأشكال شديدة التعقيد حد التسلط فيها وبها؟؟
هاجس الخلود:
مجتمعات اللا استقرار يحيط بها الموت من كل الجهات، وإذا انضافت إليها طبيعتها الجغرافية القاحلة، فنادرا ما تنتهي حياة أفرادها بالنهاية قبل الطبيعية، وهي بذلك، تبحث عن فرحة الخلود أكثر من غيرها لتواسي نفسها بما يضمن سعادتها بنهاية لا ترجوها، بل تهابها حتى وهي تندفع إليها حروبا وأمراضا وجوعا، وهنا القداسة تفرض سلوكات منقذة ومخلصة، لكنها تجلب حاجات دنيوية، مادية وروحية في الوقت نفسه.
وبعد أن تأسس الحكم في المدن والحواضر، بقي مهددا بمحيطه الرعوي والقبلي، فحافظ على ما يبقي الناس محكومين بخوفهم من عصيان المقدس، والذي هو كل عصيان ضد السلطة أو رفض لقيمها باعتبارها حارسة للمقدس الديني وضامنة لاستمراره وسلطته، فهو يحمي ديار الإيمان من الكفر والشرك، ويؤكد الخلاص، حاميا للناس حتى من غرائزهم، أو ما يعرف بالفتن المنهي عنها وكل ما يؤدي إليها، ولو كان فكرا أو فنا أو خطابا.
إن القداسة المفروضة تعطل ملكة السؤال، وهي بذلك تلغي الفكر لأنها تتجاوز نفسها كمعتقد روحي وحتى طقوسي، يعتبر حقا لمن آمنوا به، شريطة ألا يستمدوا منه أفضلية يستقوون بها على غيرهم، ليخضعوه أو يلغوا حقه في الوجود والمشاركة في السياسة والثقافة والفن.





