خطة إنقاذ الجامعات العراقية: من صدمة شنغهاي إلى صناعة الجامعة البحثية/ قسم البحوث

ليست المشكلة أن الجامعات العراقية لم تدخل قائمة أفضل ألف جامعة في العالم في تصنيف شنغهاي لعام 2026، بقدر ما تكمن المشكلة في السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بعد هذه النتيجة: لماذا لم تستطع جامعة عراقية واحدة، رغم تاريخ التعليم العالي العراقي وكثرة الجامعات والإنفاق عليها، أن تبلغ هذه القائمة؟
إن الإجابة الجادة لا ينبغي أن تكون بالهجوم على التصنيف، ولا بالتشكيك في معاييره، ولا بإنتاج تصنيفات محلية تمنح جامعاتنا مراكز متقدمة. فتصنيف شنغهاي، مهما كانت الملاحظات التي يمكن تسجيلها عليه، يعتمد مؤشرات موضوعية صعبة التزييف نسبيًا؛ فهو ينظر إلى الباحثين ذوي الاستشهادات العالية، والفائزين بجوائز نوبل وفيلدز، والأبحاث المنشورة في مجلتي Nature وScience، والأبحاث المفهرسة في قواعد Web of Science، إضافة إلى الأداء البحثي نسبة إلى عدد أعضاء الهيئة الأكاديمية. كما أن ShanghaiRanking تقول إنها تقيم أكثر من 2500 جامعة، لكنها تنشر نتائج أفضل 1000 جامعة فقط.
وهنا تبدأ مسؤولية الحكومة العراقية.
أولًا: الاعتراف بأن المشكلة بحثية قبل أن تكون تعليمية
العراق لا يعاني بالضرورة من نقص الجامعات بقدر ما يعاني من ضعف الجامعة البحثية.
لقد توسع التعليم العالي العراقي بصورة كبيرة، وأصبح لدينا عدد كبير من الجامعات والكليات والبرامج الدراسية. لكن الجامعة العالمية لا تُقاس بعدد بناياتها ولا بعدد طلبتها ولا بعدد الأقسام التي تضمها.
الجامعة العالمية هي التي تنتج معرفة جديدة، ويستشهد العالم بهذه المعرفة.
وهذه هي الحلقة التي يجب أن تبدأ الدولة العراقية بمعالجتها.
ثانيًا: اختيار جامعات بحثية وطنية
من الخطأ توزيع الأموال بالتساوي على جميع الجامعات ثم انتظار ظهور جامعة عالمية.
ينبغي للحكومة أن تختار في المرحلة الأولى نحو 5 إلى 7 جامعات عراقية لتكون نواة مشروع «الجامعة البحثية العراقية».
ويُفترض أن تخضع هذه الجامعات لبرنامج تمويل خاص لمدة عشر سنوات، مع استقلال أكبر في الإدارة والبحث العلمي، واستقطاب الباحثين، وإدارة الأموال البحثية.
ولا يعني ذلك إهمال بقية الجامعات؛ وإنما يعني أن الدولة تحتاج إلى قاطرة تقود بقية المنظومة.
ثالثًا: صندوق وطني للبحث العلمي
لا يمكن بناء جامعة بحثية بتمويل متقطع.
المطلوب إنشاء صندوق عراقي وطني للبحث والابتكار بتمويل ثابت لعدة سنوات، وتوزيع أمواله من خلال منافسة علمية شفافة.
المشروع الذي يملك باحثين أقوياء وفكرة قابلة لإنتاج معرفة جديدة يحصل على التمويل، وليس المشروع الذي يحصل على التمويل بسبب موقع صاحبه الإداري.
والأهم أن تكون نتائج المشاريع منشورة وقابلة للقياس.
رابعًا: استعادة العلماء العراقيين
يمتلك العراق ثروة علمية هائلة موزعة في جامعات العالم.
وهنا يمكن للحكومة أن تحقق نتيجة أسرع من خلال إطلاق برنامج وطني لاستقطاب العلماء العراقيين في الخارج.
ليس المطلوب بالضرورة أن يعود الجميع بصورة نهائية.
يمكن أن يكون التعاون عبر:
- أستاذ زائر.
- مشاريع بحثية مشتركة.
- إشراف مشترك على طلبة الدراسات العليا.
- مختبرات مشتركة.
- منح بحثية مشتركة.
- برامج ما بعد الدكتوراه.
- إنشاء مراكز بحثية يقودها علماء عراقيون في الداخل والخارج.
إن عالمًا عراقيًا يعمل في جامعة عالمية ويشارك في مشروع بحثي مع جامعة عراقية يمكن أن يكون أكثر فائدة من عشرات المؤتمرات الاحتفالية.
خامسًا: التوقف عن عبادة عدد البحوث
ينبغي أن تتغير فلسفة تقييم الأستاذ الجامعي.
ليس المطلوب أن ينتج الباحث أكبر عدد ممكن من البحوث، وإنما أن ينتج بحثًا مؤثرًا.
ففي ARWU 2026 يمثل نشر الأبحاث في Nature وScience نسبة مهمة من التقييم، كما يمثل النشر المفهرس في Science Citation Index Expanded وSocial Sciences Citation Index نسبة مهمة أيضًا.
لذلك فإن نشر عشرات البحوث الضعيفة لن يعالج المشكلة.
المطلوب هو:
بحث أقل، جودة أعلى، تأثير أكبر.
سادسًا: إنشاء مراكز بحثية عراقية متخصصة
وهذه الخطوة بدأت تقترب من الواقع؛ إذ وافقت وزارة التعليم العالي في يوليو/تموز 2026 على رفع التريث عن استحداث المراكز والوحدات البحثية في الجامعات الحكومية، مؤكدة الحاجة إلى تشكيلات بحثية متخصصة ودعم البحوث التطبيقية.
لكن المطلوب أن تتحول هذه المراكز من هياكل إدارية إلى مختبرات حقيقية.
لماذا لا يكون للعراق مثلًا مركز عالمي لأبحاث المياه والجفاف؟
ولماذا لا تكون لدينا مراكز متخصصة في:
- الطاقة والنفط والغاز.
- الذكاء الاصطناعي.
- المياه والتصحر.
- الزراعة والأمن الغذائي.
- الطب الجيني.
- السرطان.
- الآثار والتراث.
- البيئة والتغير المناخي.
- الصناعات الدوائية.
إن اختيار مشكلات العراق وتحويلها إلى مشاريع بحثية عالمية يمكن أن يكون طريقًا مختصرًا نحو بناء هوية علمية للجامعات العراقية.
سابعًا: ربط الجامعة بالصناعة
لا يمكن أن تبقى الجامعة العراقية جزيرة منفصلة عن الاقتصاد.
ينبغي إلزام الشركات الكبرى، ولا سيما شركات النفط والاتصالات والطاقة والمصارف والصناعات الدوائية، بالمساهمة في تمويل البحث العلمي من خلال برامج واضحة.
وتصبح الجامعة شريكًا في حل مشكلات الشركات، وليس مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.
ثامنًا: تحرير الباحث من البيروقراطية
الباحث الذي يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في المعاملات الإدارية لن يستطيع أن ينافس باحثًا يعمل في جامعة عالمية تضع المختبر والبحث في مركز اهتمامها.
لذلك تحتاج الجامعات العراقية إلى نظام خاص للباحثين المتميزين:
حرية أكبر في اختيار موضوع البحث، وإدارة أسرع للمنح، وشراء المعدات، واستقدام الباحثين، والمشاركة في المؤتمرات والمشاريع الدولية.
تاسعًا: إنشاء مكتب وطني للبيانات والتصنيفات
لا يكفي أن نعرف ترتيبنا بعد صدور النتائج.
ينبغي أن تعرف وزارة التعليم كل عام:
كم بحثًا عراقيًا نشر في المجلات الكبرى؟
كم باحثًا عراقيًا دخل قائمة Highly Cited Researchers؟
كم بحثًا عراقيًا حصل على استشهادات مرتفعة؟
كم تعاونًا بحثيًا حدث مع جامعات عالمية؟
وأين تقف كل جامعة في مؤشرات ARWU وQS وTHE وغيرها؟
فالمنافسة الحديثة تقوم على البيانات، لا على الانطباعات.
عاشرًا: وضع هدف وطني قابل للقياس
لا ينبغي أن تقول الحكومة:
«نريد جامعات عراقية ضمن التصنيفات العالمية».
هذا هدف فضفاض.
بل يجب أن تقول:
نريد جامعة عراقية واحدة على الأقل ضمن أفضل 1000 عالميًا خلال ثلاث سنوات، وثلاث جامعات خلال خمس سنوات، وجامعة عراقية واحدة على الأقل ضمن أفضل 500 خلال عشر سنوات.
ثم يُعلن تقرير سنوي يوضح مقدار التقدم.
كم نحتاج من المال؟
لا أعتقد أن الحل هو إعلان رقم ضخم بلا خطة.
الأفضل أن تخصص الدولة نسبة ثابتة ومتزايدة من الناتج المحلي للبحث والتطوير، وأن تكون الزيادة مرتبطة بنتائج قابلة للقياس.
والأهم من حجم المبلغ هو طريقة إنفاقه.
فإنفاق مليار دولار على عشرات البرامج المتفرقة قد ينتج أثرًا أقل من إنفاق جزء من هذا المبلغ بصورة مركزة على مختبرات ومراكز بحثية وباحثين متميزين.
وأخيرًا: لا تجعلوا «شنغهاي» الهدف
هذه هي النقطة الأهم.
إذا جعلت الحكومة دخول قائمة شنغهاي هدفها الوحيد، فقد تنجح في تحسين بعض الأرقام دون أن تبني جامعة عظيمة.
أما إذا جعلت هدفها إنتاج المعرفة وحل مشكلات العراق واستعادة العلماء وإقامة مختبرات حقيقية وربط الجامعات بالعالم، فإن دخول التصنيفات العالمية سيصبح نتيجة طبيعية.
العراق لا يحتاج إلى المزيد من الجامعات بقدر ما يحتاج إلى جامعة تستطيع أن تنتج شيئًا يحتاج إليه العالم.
وقد أثبتت تجارب دول أخرى أن الطريق ليس مستحيلًا. ففي تصنيف شنغهاي 2026، على سبيل المثال، ظهرت ست جامعات إيرانية ضمن أفضل ألف جامعة عالميًا، من بينها جامعتا طهران والعلوم الطبية بطهران في الفئة 501–600.
المسألة إذن ليست قدرًا محتومًا.
إنها قرار دولة.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح في بغداد بعد نتيجة 2026 ليس:
«لماذا لم تنصفنا شنغهاي؟»
بل:
«ماذا فعلنا خلال السنوات العشر الماضية لكي تستحق جامعة عراقية أن تكون بين أفضل ألف جامعة في العالم؟»
إذا لم نجب عن هذا السؤال ببرنامج واضح ومال حقيقي وإدارة علمية مستقلة، فسوف تتكرر النتيجة عامًا بعد عام.
أما إذا قررت الدولة أن تجعل البحث العلمي مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، فقد يكون تصنيف 2026 هو لحظة الانطلاق، لا لحظة السقوط.
اذا توفرت الارادة الاكاديمية الوطنية الصادقة بقيادة عقول متخصصة بعيدا عن السياسة والمحاصصة يتحقق هذا بأذن الله.
والمنار الثقافية الدولية مستعدة لتقديم الدعم العلمي والاكاديمي للجامعات في حالة توفر الارادة الحقيقية لذلك بصفة جهة استشارية.


