📰 آخر الأخبار
في التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايلاللقاء الأخير/بدر شاكر السيابالذكاء الفائق والوحوش ونهاية العالم بالذكاء الاصطناعي/مارك كوكلبيرج-ترجمة هبة عبد العزيز غانم الأواد وحرمة الأجواد / جواني عبدالالشجرة والنعش/د.ميسون حنا-الأردنناهدة الحلبي .. حينما تكتب لبنان قصيدتها/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلTime Is Not a Coat Hanger - Haibun Poem By Salim Elias Madaloآسا كما عاشها بيران/محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيSadness Caused by Trisuli River/Til Kumari Sharma- Nepalلماذا يهرب البشر إلى العبودية؟ يوسف علاريتفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه/إبراهيم أبو عواد / الأردنقهوة وتمر/حسام عبد الحسينوفاء للشاعر " محمد السرغيني"/نجيب طــلالخمسينية/ سنيا الفرجانيأحادثه - تغريد نديم عمران - سورياناتالي بوكلاند .. أرضية ترابية : قصيدة هايبون معاصرة-ترجمة : بنيامين يوخنا دانياللماذا جنين؟ لأنها جنين / د.محمد نبيل كبهاما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السياب
في التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايلاللقاء الأخير/بدر شاكر السيابالذكاء الفائق والوحوش ونهاية العالم بالذكاء الاصطناعي/مارك كوكلبيرج-ترجمة هبة عبد العزيز غانم الأواد وحرمة الأجواد / جواني عبدالالشجرة والنعش/د.ميسون حنا-الأردنناهدة الحلبي .. حينما تكتب لبنان قصيدتها/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلTime Is Not a Coat Hanger - Haibun Poem By Salim Elias Madaloآسا كما عاشها بيران/محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيSadness Caused by Trisuli River/Til Kumari Sharma- Nepalلماذا يهرب البشر إلى العبودية؟ يوسف علاريتفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه/إبراهيم أبو عواد / الأردنقهوة وتمر/حسام عبد الحسينوفاء للشاعر " محمد السرغيني"/نجيب طــلالخمسينية/ سنيا الفرجانيأحادثه - تغريد نديم عمران - سورياناتالي بوكلاند .. أرضية ترابية : قصيدة هايبون معاصرة-ترجمة : بنيامين يوخنا دانياللماذا جنين؟ لأنها جنين / د.محمد نبيل كبهاما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السياب

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

فحولة الشيطان/أ.مالك بن فرحات 

Gemini Generated Image 6ri9446ri9446ri9 300x233 1

أسفرت الحرب الطاحنة بين مملكة تورا البربرية و مملكة لوبا الرومية عن نصر ساحق للبرابرة و هزيمة مذلة للروميين تقهقروا إثرها إلى أرضهم بعد أن أقبلوا غزاة ، و تغنى أبناء تورا بهذا النصر دهرا حتى سكن الجيل الذي حققه بيوت الفناء و خلفه جيل آخر لا يشبهه في التزامه و انضباطه و رصانة عقله و متانة أخلاقه ، فلقد كان أبناء الجيل الجديد خفافا و حمقى و مندفعين اندفاع الجهالة ، و يسير على من يريد أن يضلهم إضلالهم . و رأى الشيطان أنه من الحماقة أن يفوت أمثال هؤلاء دون يسلك بهم طريق الهاوية ، و الشيطان لا يحب أن يدوم سلطان مملكة تورا على الأرض و يحب أن تبسط مملكة لوبا الرومية سيطرتها لأن هذه المملكة أقرب إلى نهجه و أهدافه من مملكة تورا و لأسباب أخرى تخصه . و ليمكن اللوبيين من بسط هذه السيطرة عليه أن يضعف مملكة تورا و يجعل تدميرها أيسر على الروميين من تدمير بيت العنكبوت . و لأنه الشيطان لم يكن من الصعب عليه أن يهتدي إلى تدبير يبلغ به غرضه ، فتمثل في هيئة شيخ طاعن في السن عليه عباءة داكنة . و رغم أنه نجح في جعل ملامحه منبئة بالوقار و الحكمة حتى يخدع بها الملأ الذين يريد مخاطبتهم بقي على ملامحه شيء من الخبث الشيطاني الذي لا يراه إلا ذوو البصائر النافذة و الأنوار الإلهية السماوية . و قصد الشيطان مملكة تورا و حشر رجالها أبناء الجيل الجديد و وقف على مرتفع من الأرض ليخطب فيهم ، و حتى يثقوا فيه و تزول غربته فيهم زعم لهم أنه الإنسان الوحيد الذي لم يدركه الموت من رجال الجيل الذي سبقهم  الذي هزم مملكة لوبا ، و جعلهم هذا الزعم يستبشرون به لأنهم شعروا بأنهم في حاجة إلى من هو في مثل مكانته في زمانهم الذي لاحظوا فيه أن مملكتهم بدأ يصيبها الوهن ، و أملوا أن يعيدهم إلى مجد الأسلاف ، و سهل عليه هذا أن يجعلهم على المذهب الذي يشاء ، و خطب فيهم خطبة عصماء أقنعهم فيها  بأن نصر أسلافهم على اللوبيين كان بفضل أسلوب تنشئتهم و غذائهم و سلوكهم و عوائدهم التي وهبوا بفضلها بنى جسمية متينة و قوى جنسية لا يصمد أمامها أحد و بشرة سمراء ترهب من يراها ، و بأن الروم كانوا رقاقا بيضا شقرا أقرب إلى المخنثين في أعمالهم و أن هذه الأوصاف هي التي جرتهم إلى الهزيمة لأنهم لم يصمدوا أمام قوة التوريين و فحولتهم ، و أخبرهم بأنه قدم إليهم ليحيي فيهم طرق أسلافهم في العيش حتى يكتسبوا قوة جسمية كالتي اكتسبوها . و وقع سحره في قلوب شعب مملكة تورا حتى صاروا يهذون بذكره و يكثرون ذكر اسمه و يستعدون لطاعته في كل ما يأمر به و فدائه بأنفسهم و أموالهم و أهاليهم . و نجح بفضل سيطرته على شعب تورا في الانقلاب على ملكهم الذي لم يكن يرجى منه نفع في إعادة المملكة إلى مجدها لأنه كان يحيى حياة ترف غير عابئ برعيته . و صار الشيطان ملك تورا المبجل . و يوم تتويجه جمع الحشود و خطب فيهم و سطر لهم التعاليم التي زعم أنها ستعيد المملكة إلى قوتها و تحميها من انتقام رومي غير مستبعد و يمكن إجمال هذه التعاليم في السطور الآتية 

التوري لا يكون إلا أسمر قوي البنية له شهوة جنسية لا تشبع و قضيب بين الطول و كل من لا يكون على هذه الأوصاف في المملكة يستضعف و يهان و يذل و يتخذ عبدا. 

التوري لا يرق للنساء و لا يلين لهن بل يجعلهن وعاء للشهوة و لا يتخذ التوري زوجة بل يطفئ شهوته في كل امرأة تعرض له و إن كرهت.

التوري لا مشاعر له فلا يخاف و لا يشفق و لا يحزن و لا يسعد و كل من تبدو منه عاطفة يحسب في الضعفى و يهان

التوري لا يتلطف في المأكل و المشرب و لا يتأنق في الملبس و لا يتطهر و يجعل الخشونة مذهبه فيفرط في أكل اللحوم و يأكل كما تأكل الوحوش في البرية و يجرع اللبن من ضرع المحلوبة ثم يأكلها ميتة و لا يعاف أكل الوسخ و لا يجعل مأكله و مشربه موقوتين و يلبس الخشن و ينام في العراء.

التوري لا يعبد إلها لأنه يغنى بقواه عن الإله و يطيع ملكه  في القوة طاعة البهيمة و لا يجادله.

التوري لا يطلب علما و لا يحسن صنعة ينشئ منها آلات عيشه لأن آلات التوري هي أعضاؤه الجسمية و لأن العلوم و الصنائع أمارات على الحضارة و الحضارة للضعفى.

التوري سكير يجرع براميل الخمر و لا يشبع و يعدو بعد سكره على من يعرض له.

التوري الذي لا يتبع شيئا مما علمناه يقتله التوريون قتلة يشتهونها…..

و لك أن تتخيل كيف صار العيش في تورا بعد أن نفث الشيطان في بنيها هذه التعاليم ، النساء و الشيوخ و الأطفال و الرجال الذين ليسوا على ما في التعاليم في أوصافهم و أعمالهم يجرعون العذاب نهارا و لا تذوق أجفانهم النوم ليلا ، و منهم من قتل و منهم من فر و منهم صار يقضي زمنه مختبئا يسترق أوقات غفلة المعتدين ليخرج إلى الاقتيات ، و كان من هؤلاء التوأم نجم و شهاب ، و هما ابنا سيدة من أشراف جيل التوريين السابق تدعى قمرا ، و قمر مشهورة في تورا لأنها زوجة بطل المعركة التي سحق فيها التوريون اللوبيين ، و لهذا لم تكن شهرة نجم و شهاب في تورا بالأمر الغريب ، و  هما مشهوران بلقب ابني القمر و قلما يناديان باسميهما ، و لم تكن شهرة أمهما العلة الوحيدة ليوسما بهذا اللقب ، بل توجد علة أخرى و هي جمالهما الذي اشتق من جمال أمهما ، بياض ناصع مشوب بحمرة قانية و شقرة ذهبية أشعة الشمس مرآة لها ، و أعين كمروج تونس و الشام . و كيف للتوريين أن يقبلوا بأن يكون رجلان على صورة كالتي وصفنا بعد أن قبحها الشيطان في أعينهم ، و الحق أن التوأم كان قبل أن ينقث سمه محترما لمكانة أبيهما و أمهما ، و بقي احترامهما في قلوب التوريين يسيرا حتى بعد أن بسط الشيطان سلطانه حتى حل اليوم الذي أجمعوا فيه على 

 أن نجما و شهابا عدوان ، اليوم الذي وقعت فيه أعينهما و هما يسيران على امرأة تحت مخالب توري شهواني يريد اغتصابها و هي تستغيث صارخة ، و كان اسم هذا التوري ” لوفيرو” و هو رأس من رؤوس التوريين و  أكثرهم عدوانا و شهوة ، و اعتداؤه على النساء بوحشية أمر معتاد ، و “لوفيرو” مشهور في تورا بالتباهي بعضوه الذكري و فخره بطوله و خشونته ، يكشفه للنساء و للرجال رفاقه و يتحداهم في أن تتفوق أعضاؤهم على عضوه طولا و ينتصر دوما ، و لم ير شهاب ” لوفيرو فوق المرأة حتى اندفع لنجدتها و حاولت قبضة نجم أن ترجعه فلم تفلح ، أخذ شهاب من أبيه البطل الشجاعة و الاندفاع دون خوف و تفكير في العواقب ، و أما حظ نجم فالذكاء الوقاد و حسن التدبير ، و اختار شهاب نهج الفرسان و كان من دأبه أن يخلص المستضعفين من قبضة التوريين العادين ، و اختار نجم نهج العلماء فكان مخططا بارعا و صانعا ماهرا ينشئ آلات لم يسبقه إلى إنشائها أحد . و بعد أن خلص شهاب المرأة من قبضة لوفيرو و حاول قتله انتصارا للمرأة فنجا منه و صار قتل شهاب ضرورة لوقوفه في وجه التوريين ، اضطر التوأم إلى الاختباء حيث لا يعثر عليهما. و ازداد عدوان التوريين على من يخالفهم يوما بعد يوم ، تعصب أعمى لتعاليم الشيطان ، تقتيل و اغتصاب و نهب ، تباه بالفحولة و القوة الجنسية ، أكل و شرب بنهم شديد ، فساد دون شفقة و رحمة و خوف و هم يظنون بذلك أنهم يزدادون مناعة ضد اللوبيين الذين يفلصهم عنهم بحر عريض . و على الجانب الآخر من هذا البحر كانت مملكة لوبا تمهد لأيام عز و مجد قادمة ، و يجهد أبناؤها في بناء قوة لا تقهر و يتبحرون في العلوم و الصنائع و ينشرون معالم العمران و الحضارة و ينأون عن اللهو و الترف و إضاعة العمر في ما لا ينفع حتى أيقنوا أنهم صاروا جاهزين للثأر لأسلافهم اللوبيين و عزموا على أن يقودوا حملة تعصف بتورا و تمحو ذكرها . و علم ملك تورا الشيطان من أتباعه الشياطين بشأن لوبا و ما جهزوه لتورا ففرح فرحا غامرا . و جمع أتباعه التوريين دون أن يعلمهم بشأن الحملة و خطب فيهم خطبة أنشأها من النار التي خلق منها ليحمسهم حماسا يزيدهم به ضلالا و غرورا و أعلمهم أنهم بفضل اتباعهم للتعاليم التي سطرها لهم أصبحوا قوة عظمى لا تصمد الممالك أمامها مهما كانت قوتها، و زعم لهم أن مملكة لوبا يرتعد أبناؤها البيض الشقر الرقاق المخنثون رعبا لعلمهم بما بلغه التوريون من فحولة و قوة . و بعد هذا الخطاب فجرت براميل الخمر و سكر التوريون و كان “لوفيرو” أشدهم سكرا و عربدة ، و خرج بعد انفضاض اجتماع التوريين و هام في أرض المملكة ليلا  على غير نهج حتى بلغ ساحلها المشرف على البحر الفاصل بين تورا و لوبا ، و جلس على صخرة مشرفة على البحر و هو يمني نفسه بلقاء اللوبيين و يجيل نظره في ما حوله حتى وقعت عينه على شخصين مجتمعين على نار في صخرة مجاورة بعيدة عنه فنهض يجوز الصخور بصعوبة قاصدا مكانهما حتى إذا دنا من حيث يسمعهما و لا يريانه انزلقت قدمه من إحدى الصخور و وقع ، و لأنه مرخى من السكر كسل عن النهوض و لزم مكانه و هو يجهد في سماع محاورة الشخصين التي لم يفقه منها شيئا لغرقه في السكر :

” لا تزدني كلمة واحدة يا شهاب فقد عزمت و قضي الأمر”

” إذا لم يعد يهمك أن تضيع مجد أبيك يا نجم فخف على حياتك ، إنهم أغدر مما تظن لا تغتر بوعودهم ..

” إنهم لن يكونوا أغدر من الذين شردونا و جعلونا غريبين في أرضنا و قد حسبناهم أهلنا”

” أهلنا مازالوا في هذه الأرض يا نجم و هم مثلنا يعانون الويلات و الذين شردونا ما هم إلا شر عابر سيفني نفسه بنفسه ، و سيمن الإله على الذين استضعفوا و يمكن لهم في الأرض و نعود أعزاء فيها، ما علينا إلا الصبر “

” الصبر ! مازال يقول لي الصبر ! ماذا تعرف أنت عن الصبر يا شهاب ؟ لقد صبرت حتى نفد صبري كما نفدت الرحمة من هذه الأرض , سنوات جهدت فيها في تحصيل العلوم و صقل ذكائي و حرمت فيها النوم حتى صرت قادرا على صنع ما لا يقدر عليه غيري لأجدني في أرض يسودها جهلة و حمقى أخرجوني من داري و أنا عملت ما عملت لأجلهم فلم يقدروا لي قدري، و يوم أوقعني حظي على من يعظم ذكائي و صناعتي و يعدني بالجزاء عليهما و على صبري تقول لي الصبر ، اسمع يا شهاب إني لم أتردد لحظة في تنفيذ ما عزمت عليه و سأكون أسعد من في الأرض بأن أكون يدا في سحق أولئك الذين أفسدوا أرض تورا”

” أتخال يا نجم أن الذين عزمت على أن تعينهم سيفدون لصلاح تورا ؟ ألا تدرك مع من تتعامل ؟ إنهم اللوبيون اللوبيون عدو أرضنا الأبدي..”

” الزمان يجري و لا يشبه جيل آخر ، لوببو اليوم ليسوا كلوبيي الأمس ، إنهم أعقل منهم و أوغل في الحضارة و لا يحبون الحروب أصلا ، و قد أخبرني رسولهم أنهم سيشنون حملتهم لإسقاط الملك و القضاء على لوفيرو و أتباعهما لأنهم يخشون من تعاظم خطرهم ثم يعودون من حيث جاؤوا دون أن يقتلوا بريئا أو يخربوا بينا  “

” و أنت صدقته ؟ ذكاؤك و علمك اللذان تتباهى بهما لم يبصراك بأنهم يطمعون في الأرض و خيراتها و في الثأر من مملكتنا!

” خيرات؟! عن أي خيرات تتكلم ؟ أو ترك ذلك الجراد المنتشر في الأرض شيئا؟ بمكانة أبينا عندك يا شهاب دعني أنا ذاهب و أبونا نفسه لا يردني لو كان حيا .. هذا آخر كلامي”

و أعرض نجم عن شهاب و ولى وجهه البحر و من عينيه يبدو العزم على أن يجوزه إلى الأرض الأخرى ثم انهمرت الدموع منهما و التفت إلى شهاب فوجده يبكي و تعانقا باكيين ، أما لوفيرو الذي لم ينتبه إلى ذكر اسمه و موته في المحاورة و لم يفقه ما دار من حديث فظل مستلقيا على سكره حتى أصحاه ضوء النهار و عاد يمارس عاداته في طرق المملكة، قتل و نهب و أكل للأطعمة و للنساء بنهم و تباه بطول قضيبه ،. و بعد أسابيع فطن لوفيرو إلى ضياع وسامه الذي كان يعلقه على ثوبه و هو مصنوع من الذهب على هيئة رأس الثور ، و قد علقه الملك الشيطان على صدره لبلوغه الدرجات العلى في القوة و الفحولة و الشراسة ، و قرر لوفيرو أن يقصد الساحل الذي نام فيه سكران ليلة الاجتماع ظانا أنه أوقع الوسام حيث استلقى ، و كان ظنه في محله ، و لما رفع رأسه بعد أن حناه ليلتقط الوسام من الصخرة المشرفة على البحر ، رأى على البحر ما ارتعدت منه فرائصه : أساطيل تكاد تغشى البحر كله محملة بخلق كثير ، و إذ هو يمعن النظر في المشهد من دهشته ، رأى الراية التي لم يشك في أنه يعرفها ، الراية الحمراء الداكنة التي يتوسطها رأس ذئب ذهبي : راية لوبا !

و هرول لوفيرو ليعلم التوريين بالمصيبة ، و أعلن النفير في تورا و حشد الملك الشيطان فحول تورا ، أما المستضعفون في  فانقسموا بين مستبشر بخبر قدوم اللوبيين ظنا منهم أنهم سيخلصونهم من عدوان أتباع الشيطان و أتباع لوفيرو و بين مرتعب ارتعاب من سمع بغزو عدو خارجي . و رست أساطيل لوبا و انتشر رجالها على ساحل تورا ، و شكل التوريون جيشا للتصدي لهذه الحملة المباغتة ، و تراءى الجيشان على رقعة واسعة تفصل بين ساحل المملكة و حواضرها ، و من يرى الجيشين يستطيع أن يميز حسن تنظيم جيش لوبا و كثرة عدته و عتاده و آلاته الحربية من فوضى جيش تورا و غياب الجهاز ، و الأغرب من ذلك غياب القائد : فلم ير التوريون ملكهم الشيطان في المقدمة و بقوا ينتظرون أن يظهر على رأس الجيش الذي كان لوفيرو بارزا في صفه الأول ، و بقي الأمر على تلك الحال حتى انشقت الصفوف عن أبيض أشقر يحمل سيفا طويلا و يقف رأسا للجيش كما وقف أبوه قديما و التوريون يهمسون: شهاب ابن البطل ابن قمر . أما اللوبيون الذين لم يريدوا أن يضيعوا الوقت و أن يحسموا المعركة في أقصى سرعة فانشقت صفوفهم عن آلة عظيمة لم ير لها مثيل في العصر و في سالف العصور , يجرها خمسون رجلا يتقدمهم أشقر أبيض يشبه شهابا ، نعم إنه نجم ، نجم هو صانع هذه الآلة الفتاكة و هو من سماها مدفع القمر و ليس في التسمية مبالغة ، ففضلا عن أنها تمثل تخليدا لذكرى أمه ففيها تعبير عن قوة المدفع الذي يستطيع أن يرسل قذائف نارية قادرة على بلوغ القمر من سرعتها ، و وضع المدفع على رأس الجيش و تقدمه نجم و نكس رأسه حين رأى أخاه شهابا في مقدمة الجيش المقابل و أسفرت عيناه عن تردد و ندم ، و ارتعد التوريون مما رأوه و اصفرت أبشارهم السمراء و شخصت عين لوفيرو من الرعب : ها هو يرى قضيبا يفوق قضيبه طولا ، و ها هي قضبان التوريين التي تباهوا بها ترتخي أمام طول المدفع و بعد مداه و قدرته على سحقهم جميعا في لمح البصر ، لكن سرعان ما حاول لوفيرو أن يشجع قلبه و قلوب الجيش ، فرفع سيفه و ضرب به عنق شهاب و رفع رأسه في وجوه اللوبيين ليبلغهم رسالة مفادها أن رؤوسهم البيضاء ذات الشعر الاشقر ستسقط من على أعناقهم مثلما سقط رأس شهاب الأبيض الأشقر ، و أثار عمله هذا الحمية في التوريين ، و نقم نجم من حسرته على أخيه المغدور نقمة جعلته يسارع في إطلاق جحيم مدفعه الفتاك الذي أباد نفوس التوريين كما تبيد النفس الواحدة ، و انقض اللوبيون على سكان تورا صغارهم و كبارهم و نسائهم و رجالهم و أبادوا أكثرهم بادئين بنجم و رفعت راية لوبا في تورا و ابتسم ذئبها الذهبي بعد أن لبس الشيطان صورته..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة