التشكيل الحر : دراسة تطبيقية/أ.مالك بن فرحات

سبق أن عرفنا التشكيل الحر في كتابات سابقة بأنه إعادة قياس بحور الشعر العربي بغير الصيغة النظرية التي تواضع العروضيون على قياس البحور بها بشرط أن تكون الصيغة الجديدة التي أفرزتها إعادة القياس معادلة للصيغة الأصلية صوتيا لصيغ من صيغها المعترف بها التي تطرأ على تفعيلاتها تغييرات صوتية من زحافات و علل . و رغم غياب الوعي النظري بهذا المفهوم لا نعدم في محاولات الرواد المجددين لأوزان القصيدة العربية اقترابا من تطبيق آلية التشكيل الحر ، و من أبرز هؤلاء الرواد الشاعرة و الناقدة العراقية نازك الملائكة التي اقتربت كثيرا من تطبيق التشكيل الحر بمفهومه الذي ذكرنا ، فقد طبقت نازك ما يشبه التشكيل الحر على بحر مخلع البسيط لتنتج منه بحرا صافيا قابلا لأن ينظم عليه شعر حر و ذلك بإعادة قياسها لصيغة مخلع البسيط الشهيرة : مستفعلن فاعلن فعولن لتتحول إلى مستفعلاتن مستفعلاتن ، و قد فصلنا الحديث عن إجرائها هذا في مقال سابق منشور في صحيفة المنار الثقافية الدولية عنوانه نازك الملائكة و بحر مخلع البسيط التشكيل الحر ، و بينا أن نازك اضطرت إلى أن تعدل صيغة البحر الأصلية حتى تنتج وزنا صافيا لتنتج صيغة : مستفعلاتن مستفعلاتن المعادلة صوتيا ل : مستفعلن مفعولن فعولن ( مستفعلن مف = مستفعلاتن/ عولن فعولن: مستفعلاتن) ، فأخلت بشرط من شروط التشكيل الحر المتمثل في معادلة الصيغة الجديدة للصيغة الأصلية أو لإحدى صيغ البحر المعترف بها ، و كان يمكن لنازك أن تنطلق من صيغة : مفاعلن فاعلن فعولن التي تتضمن تغييرا صوتيا جائزا يطرأ على مستفعلن و يحولها إلى فاعلن ثم تعيد قياس الصيغة لتغدو : مفاعلاتن مفاعلاتن ( مفاعلنفا= مفاعلاتن / علنفعولن = مفاعلاتن ) ، و لعل نازك قد اضطرت لتعديل صيغة البحر الأصلية لأن إعادة قياسها لا لتفرز بحرا صافيا ف : مستفعلن فاعلن فعولن تساوي مستفعلانن مفاعلانن . و لو افترضنا أن نازك حافظت على هذه الصيغة في تحرير البحر ما كان الاختلاف اليسير بين مستفعلاتن مفاعلاتن مخلا بصفاء البحر ، لأننا ننظم أحيانا على البحور الصافية و لا نلتزم بتشابه تفعيلاتها التزاما تاما حتى في السطر الشعري الواحد و نغير في السطر الواحد تفعيلة ما بحسب ما يسمح به من جوازات و نحافظ على التفعيلة المجاورة لها على صيغتها الأصلية دون أي تغيير و لا يخل ذلك بالمشابهة و الصفاء ، فالناظم تجده و هو ينظم على الرجز مثلا ينتقل في حشو السطر الشعري و في ضربه من مستفعلن إلى متفعلن إلى مفتعلن، و لا يخرج به ذلك عن الرجز ، و هذا ما وجدنا نازك الملائكة تفعله و هي تنظم على مخلع البسيط في شكله الجديد من خلال ثلاث قصائد هي ” نجمة الدم” و قصيدتا زنابق صوفية للرسول و تمتمات في ساحة الإعدام المنشورتان في ديوانها يغير ألوانه البحر ، فوجدناها تنتقل من مستفعلاتن إلى مفاعلاتن إلى مفتعلاتن رغم إقرارها بأن المخلع في صيغته الجديدة بحر صاف ، و لكنه كغيره من البحور الصافية لا يلتزم الناظم أثناء النظم بالتشابه التام بين تفعيلاته . و الحق أن قابلية تفعيلات البحور الصافية لأن يختلف بعضها عن بعض اختلافا يسيرا أثناء النظم دون الإخلال بالسلاسة و المشابهة بينها سيسعفنا في إعادة تشكيل بعض البحور و بيان قابليتها لأن ينظم عليها شعر حر و كنا قد استبعدنا هذه القابلية ، و نعني بقولنا هذا بحر الطويل الذي سنفصل كيفية إعادة تشكيلنا له و تحريره في ما بعد في هذه الدراسة . و الهدف من التشكيل الحر هو النفاذ عبر إعادة القياس إلى بنى البحور العميقة الخفية وراء البنى الظاهرة قصد توليد الأوزان الجديدة منها أو إثبات قابليتها لأن ينظم عليها شعر حر بعد أن اعتقد امتناعها عن ذلك بسبب عدم توفر الشروط التي تجعلها صالحة للشعر و التي منها اندراج البحر ضمن البحور الصافية أو ضمن البحور متنوعة التفعيلات التي تتضمن تفعيلتين متشابهتين متجاورتين كالوافر و السريع . و قد طبقنا التشكيل الحر مثلا على الخفيف بصيغه المتنوعة و كانت نازك قد صنفته ضمن البحور التي لا تصلح للشعر الحر بسبب صيغته التي لا تتضمن تفعيلتين متشابهتين متجاورتين ، غير أن التشكيل الحر قد نجح في تعديل الصيغة ليتحقق فيها الشرط المذكور : فأعدنا تشكيل صيغة الخفيف التي تتحول فيها مستفعلن إلى مفاعلن لتصير : فاعلاتن مفاعلن فاعلاتن و تتحول بعد إعادة التشكيل إلى ( فاعلاتانُ فاعلاتانُ فعلُن = فاعلاتنم فاعلنفا لاتن) ، و تفرز لنا الصيغة الجديدة تفعيلتين متجاورتين متشابهتين ( فاعلاتان فاعلاتان) يمكن أن نتصرف في عددهما لننظم على الخفيف شعرا حرا ، و قد جربنا هذه الصيغة الجديدة في قصائدة عدة و لم تقرها أذننا إلا بعد التأكد من سلاستها و محافظتها على هوية الخفيف الصوتية رغم التعديل :
فاعلاتان فاعلاتان فعلن
فاعلاتان فعلن
فاعلاتان فاعلاتان فاعلاتان فعلن..
و حررنا الخفيف المجزوء و راعينا في إعادة تشكيلنا لصيغة الخفيف تاما و مجزوءا التغييرات الصوتية التي تطرأ على تفعيلات البحر الأصلية كالتغيير الذي يطرأ على الضرب مثلا فتتحول به فاعلاتن إلى مفعولن ( فاعلاتن مفاعلن مفعولن) ، فيمكن في الصيغة الجديدة أن نراعي هذا التغيير بتحويل فاعلاتان التي تسبق فعلن مباشرة إلى فاعلاتن فعوض أن تكون الصيغة : فاعلاتان فاعلاتان فعلن ( فاعلاتن مفاعلن فاعلاتن) تصير فاعلاتان فاعلاتن فعلن ( فاعلاتن مفاعلن مفعولن) . و راعينا غير هذا التغيير .
و لاحظنا أنه يمكن أن ننتج من بحر الخفيف وزنا صافيا يصلح لأن يكون من أوزان الشعر الحر السلسة و العذبة بشرط أن نغير تغييرا يسيرا في صيغة من صيغ الخفيف بأن نحول فاعلاتن التي في العروض و الضرب إلى فاعِ المعادلة لفعْلُ بحذف لاتن التي تلحقها و نحول مستفعلن إلى مفاعلن لتصير الصيغة : فاعلاتن مفاعلن فاع ، و إعادة تشكيلها تنتج لنا تفعيلتين متشابهتين هما فاعلاتان فاعلاتان ( فاعلاتنم فاعلنفاع ) ، و سبق أن ولدنا هذا الوزن و أسميناه بالسياب و نظمنا عليه قصائد شتى أبرزها قصيدة ( عابر الآلب ) المنشورة في ديواننا أناشيد الجنة المرعبة ، و قصيدة مرئية القرنين التي نعرضها في ما يلي :
كنتُ في روضةِ السماوات رائيا طائرا و حُلما
لي جناحان ، لا يراني بها سوى الحالمينَ
في نوَمةٍ و صحوٍ و إنّ لي مارِدا يراني
عليه قرنان و هو يبدو على تصاويرَ
طِرت يوما على قُرى شِقْوَةٍ و منها
علا بناءُ به ندوب من الخرابِ
البناء منه علتْ بروج لها قرون
و لاح من منفذٍ به طيفُ آدمي له أنين
و أدمُع
فانحدرت أنحوهُ من مراقِيَّ راحِما
و هو غاب لمّا رأى انحداري على حياءٍ
وراء ظلماء ذلك المنفذ الذي في البناء
حتى لحقْته داخلا فألفيْته على ركبتيه يجثو
و يستر الوجه باليدين
اقتربت منه مواسيا و هو صامت
ليت أنني ما فعلتُ
ذاك الخبيثُ ذاك الخبيث
أمضى قرونهَ فيّ
شاكَ صدْري بحدّ قرنَيهِ شاك صدري
الذي له رَقّ فجّر الرحمةَ التي فيه منه دما و أدمعا
ثم قدّم الكأس لي و قال اشرب الشَراب الذي
ستهذي به و تغفو و لن تُحسّ العذابَ
هذي التي بها نارُ رومَةٍ قد خبتْ
و أهرقتُ كأسه في فمي لأني عدمت صبْرا
و غِبت حتى رأيتُ أني أطير و الماردُ
الذي كان منه هذيي بدت له غيْبتي
فأمضى يديه كاللصّ في جناحيَّ
ثمّ أرخاهما على ظهره و قد حطّ
عنه قرْنيه ثمّ أعلاهما على رأسيَ الذي
غابَ تاجَ شرّ
و طارَ من حيث كان حتى غدا بمرقايَ
طائرا راقيا على صورتي
و صرت الخبيث من حُمرتي بدمي
و قوس قرنينِ فوقَ رأسي .
و طبقنا التشكيل الحر على المديد فحررناه و على المنسرح و البسيط و قد نشرنا في ذلك مقالات عدة ، و ما زلنا نكتشف من خلال التشكيل الحر قابلية بحور ظن أنها لا تصلح للشعر الحر لأن ينظم عليها شعر حر . و سنذكر في هذا المقال بحرين تمكنا من تحريرهما ، أولهما كان تحريره يسيرا و هو بحر المضارع في شكله التام ، و ثانيهما أجهدنا كثيرا و ظللنا زمنا نقلب صيغته الأصلية و نشكلها تشكيلات متنوعة حتى اهتدينا إلى تشكيلة تجعله صالحا للشعر الحر ، و هذا البحر هو بحر الطويل :
أما بحر المضارع فصيغته التي أعدنا تشكيلها صيغة مهملة و هي صيغته تاما لأن أكثر الذين ينظمون على المضارع ينظمون على صيغته المجزوءة التي نراها هي الأخرى قابلة للتحرير . و كنا في مقال سابق قد أشرنا إلى إمكانية تحرير المضارع بإجراء بسيط في صيغته المجزوءة التي وزنها : مفاعيلن فاعلاتن يتمثل في تكرار مفاعيلن بما يطرأ عليها من تغييرات و إثبات فاعلاتن قياسا على بحور أخرى لها التركيبة نفسها ، غير أننا لم نقتنع بهذه التركيبة و لم تستسغها أذننا، ثم جربنا أن نطبق التشكيل الحر على صيغة البحر تاما بما أنها صيغة رسمية تعترف بها كتب العروض و إن كانت مهملة في الاستعمال , و هذه الصيغة هي : مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن ، فأنتجت لنا إعادة التشكيل صيغة جديدة لا تصلح لتحرير البحر و هي : مفاعيلانُ مفاعيلنا فعلن ، ثم جربنا أن نجري على مفاعيلن الأولى زحافا مسموحا به تتحول بموجبه مفاعيلن الأولى إلى مفاعيلُ ، و بإعادة تشكيل البحر بعد إجراء هذا التغيير تحصلنا على الصيغة المناسبة التي كانت : مفاعيلنا مفاعيلنا فعلن ( مفاعيلفا علاتنمفا عيلن) ، و هي صيغة تتضمن تفعيلتين متشابهتين متجاورتين يمكن التصرف في عددهما لننظم شعرا حرا على المضارع التام :
مفاعيلنا فعلن
مفاعيلنا مفاعيلنا فعلن
مفاعيلنا مفاعيلنا مفاعيلنا فعلن
و قد جربنا نظم قصيدة على الصيغة الجديدة المحررة عنوانها : ثمار الرؤيا و نعرضها في ما يلي :
نجوم السماء حمراء و الليل
نشيط نهاري
كأني أرى به الشمس بعد أن غيبت عادت
و أصغي إلى الورى يلغطون من بعد أن ناموا
و أستشعر الجماعات في مدى غرفتي حولي
على أنني وحدي
و جسمي على السرير ارتمى أرضا
لسرب البعوضات
خراطيمها هوت فوقه تحسو
دمي حسو أعناب
قوانٍ قتيلة في يد العاصرْ
و في ناره تدمى
و في مبرد الموتى
و قد عبئت ثلجا
إلى جيئة القابر
إلى حين دفنها في بطون موتى بها راموا
حياة بظلماء
حياة أماتتها
رؤوس ثقيلات
دم الكرمة التي يشربونها يشرب الرأسا
فيغدو كطيف وهم و أرياح
و رأسي بلا كرم
يرى ما يرى الرائي
لأني بسكرة من خيالاتي
بعوضاتُ أرقتني إلى حين
علا بي إلى مراقي الرؤى التي في العلى روحي
و فوضى التصاوير
و قد ولت الفوضى
فبانت لي الرؤيا
بعوضات قد أغارت على جسمي
براياتها الحمر
و صاحت لنا الجسم
و صاحت لنا دمه
و قد دثرت خراطيمها لحمي
و غشت مدى جسمي
الذي لم يعد جسمي
و مصت دمي الذي لم يعد دمي
خراطيمها نبات على لحمي
و دمي مساقيه
و إذ سلت الخراطيم من لحمي
هوى الروح في جسمي
و ولت رؤى الغيبه
و ألفيت بعد عودي على مدى الجسم أثمارا
نتاج البعوضات
التي فرقت عني
بقاني دمي سكرى
و قد خلفت على جسمي الوزرا
و رأينا قياسا على الطريقة التي حررنا بها المضارع التام أن نحرر المضارع المجزوء بهذه الطريقة : نعيد قياس مفاعيل فاعلاتن لتصير مفاعيلنا فعولن، و نتصرف في عدد مفاعيلنا و نثبت فعولن و هذا أخف في السمع و أقرب إلى هوية البحر الصوتية . و نلاحظ أن حذف فعلن من مفاعيلنا مفاعيلنا فعلن ينتج لنا بحرا صافيا سلسا خفيفا سبق أن ولدناه و أسميناه الرنم ( مفاعيلنا مفاعيلنا) و نشرنا مقالا يعرفه في جريدة الدستور العراقية .
و أما بحر الطويل فقد جهدنا كما أسلفنا كثيرا لنجد من خلال التشكيل الحر صيغة تقربه من أن يكون صالحا للشعر الحر و كنا قد اقترحنا في مقال سابق صيغة ثم عدلنا عنها لأننا لم نقتنع بها و لأننا رأينا أنها تفسد الوزن، و هي صيغة : فعولن فعولن فعولن فاعلن متفاعلن التي يتصرف فيها في عدد التفعيلتين الأوليين ( فعولن فعولن) مع إثبات فاعلن متفاعلن . و يوجد من يرى بأن بحر الطويل يصلح بصيغته الأصلية للشعر الحر و لا يستحق إعادة التشكيل ، لأن فعولن مفاعيلن التي تتكرر مرتين في صيغة البحر تصلح لأن تعامل معاملة التفعيلة الواحدة و يتصرف الناظم في عددها ، و نذكر أننا قرأنا للشاعر العراقي سعدي يوسف قصيدة نظم فيها على الطويل بهذه الطريقة . و رغم جواز ذلك فتحرير الطويل عندنا بهذه الطريقة لا يكون إلا إجراء خطيا لا عروضيا ، فالناظم لا يعدو أن يحافظ على تركيبة البحر في شكله العمودي ( خاصة إذا جعل عدد فعولن مفاعيلن في قصيدته زوجيا) و يعيد توزيع بناء نصه خطيا بطريقة تشبه طريقة الشعر الحر . و طريقة تحريرنا الطويل تتصرف في البناء العروضي لا البناء الخطي باعتماد التشكيل الحر و التصرف في بنية البحر العميقة التي أفرزها التشكيل . و أقرب تشكيل وجدناه يقرب صيغة الطويل من الشعر الحر هو الآتي : مفاعلتانن فاعلاتان فاعلن ( فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن = فعولمفاعي لنفعولنم فاعلن = مفاعلتانن فاعلاتان فاعلن )
و قد يسألنا من يعاين الصيغة الجديدة : كيف تجعل هذه الصيغة الطويل صالحا للشعر الحر و هي لم تفرز تفعيلتين متجاورتين متشابهتين ؟ فنجيبه بأن التشابه بين التفعيلات لا يشترط التطابق التام ، و لذلك ذكرنا في مفتتح المقال ما يطرأ على تفعيلات البحور الصافية المتجاورة في السطر الواحد إذ لا يفقد البحر الصافي المشابهة الصوتية و السلاسة
بتغير تركيبة بعض تفعيلاته دون بعض أثناء التجاور في السطر أو البيت ، و ذكرنا إمكانية أن تتجاور مستفعلن و مفاعلن و متفعلن في الرجز دون أن يفقد هويته الصوتية . و نحن إذ نتأمل صيغة الطويل الجديدة التي أفرزها التشكيل الحر نلاحظ تجاور : مفاعلتانن و فاعلاتان ، و لو قارنا بين التفعيلتين لما وجدنا اختلافا بينا بين تركيبتيهما و لوجدناهما متقاربتين بالأذن ، و بالتغييرات الصوتية التي تطرأ على الطويل يمكن أن يتقلص الاختلاف بين التفعيلتين ، فحين نقيس مثلا شطرا من معلقة امرئ القيس بالصيغة المعاد تشكيلها و هذا الشطر هو : و قيعانها كأنه حب فلفل نجده على وزن : مفاعلتانُ فاعلاتانُ فاعلن و لا تتميز التفعيلة الأولى عن الثانية إلا بحرف قصير الحركة في مفتتحها و اللام ذات الحركة القصيرة مقابل اللام ذات الحركة الطويلة في التفعيلة الثانية و بقاؤهما ضروري للمحافظة على بصمة البحر و هويته الصوتية ، و ثبات التفعيلة الأولى يشكل هذه البصمة ، و لهذا يكون التصرف في عدد فاعلاتان الثانية أسلم لتحرير الطويل و المحافظة على هويته الصوتية في آن واحد ، و قد جربنا ذلك و استنتجنا قابلية التفعيلة الثانية للتدفق و الانسياب بما يجعل الطويل قابلا للتحرر و محافظا على هويته الوزنية التي يضمن بقاءها ثبات التفعيلة الأولى : مفاعلتانن و التفعيلة الأخيرة فاعلن ، و تكون صياغة الطويل على نمط الشعر الحر بهذه الطريقة :
مفاعلتانن فاعلاتان فاعلن
مفاعلتانن فاعلاتان فاعلاتان فاعلن
مفاعلتانن فاعلاتان فاعلاتان فاعلاتان فاعلن
و يمكن إيجاد صيغ تساير تشكيلات مفاعيلن التي في العروض و الضرب ، فالصيغة التي ذكرناها سابقا تساير صيغة ( فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن) ، و لنساير مثلا صيغة البحر الأصلية المتمثلة في ( فعولن أو فعول مفاعيلن فعولن مفاعيلن) يمكن أن نشكل الوزن على الصيغة الآتية ( مفاعلتانن فاعلاتان مفعولن) و يبقى التصرف في عدد فاعلاتان . و قد جربنا أن ننظم على الطويل في تشكيله الحر قصيدة عنوانها : شلال النور و نعرضها في ما يلي :
أنا كأس إثم نورك انساب غاسلا
لها من ينابيع العلى المهرقات زهراء منك جودا و رحمةٓ
أنا كأس بلور ترى كنهها المآقي و ما بها من سرائر
بنورك ولى إثمها و تطهرت
و قد دنست من نار حقد و نقمة سودت بريقا يزينها
فعادت كغربان المقابر في الشتا
و ها الآن منها نورك المعجز السماوي ساطع للذي يرى
و يبهت رائيه و يُعظم حسنه
مواهب مني ساطعات و معجزات يظنني الناس مبدعا
لها و أنا ما كنت إلا زجاجة
هوت وسطها شلال نور من السماء التي رأى الروح سرها
من المبدع الأعلى الذي دونه العلى
من المبدع الخلاق باري الذي يظن الورى بأني صانع
له و هو باريه و و باريهمُ و باري من فراغ و من عدم
مواهب منه لم أكن غير ناقل
لها و هو منشيها و ما كنت منشئا
و نلت ثناء و الثناء ثناؤه
رأى من زجاجي الناس آيات مبدع
فقالوا لقد أنشأت ما لم يكن عليه سواك منا بقادر
و لفوا على رأسي أكاليل أبرقت
تحوم على رأسي أباريقها كما
على رأس طود حامت الطير و النجوم التي ترامت على الدجى
و ألقوا على جسمي مزارع أرضهم
لتندى بنور فاض مني مضمخا
و قد طيبوني بالدواخين و الشذى
من الأوريغانو مع رياحينهم و ذروا علي مسكا و عنبرا
و أرسوا على الأفق البعيد قواعدي
لكي لا أغيب الدهر عن أعين لهم
و ما كف صرخي ليلهم و نهارهم
” ألا ليس مني ما سحرتم به و أكبرتم به اسمي
الوضيع حتى سرقت من آدميتي
من القوة العظمى منابع ما ترى
عيونكم فارنوا إلى ربها العلي
مددت إلى عليائه صاغرا ذراعي حالك اللون معتما
منكس رأسي مثل راية هارب
و ليس على أنحاء جسمي ذرة
من النور بل آثار حرق بدوت منها كما بدا الظل في اللظى
لبست رداء النار نار رميت نفسي بها مرارا لأنكم
جعلتم مقامي بينكم مثل كعبة الثلج في الدجى
و قد أنفذ الشيطان في صدري الذي ضج بالمحارق شوكة
و فجر من صدري لهيبا به تدفأت في مقامي ببردكم
فصير جسمي جسم ميت مجمد
و ألقى إلي الكأس فيها دماء كرم سخينة ثم قال لي
ألا احس شرابا كان من ناري التي قد خلقت منها عصيره
و طر من حماس و اطغ و ابلغ سقوف تلك السماء و اسمع غيوبها.
و أغويت حتى ذقت منه شرابه
و طرت حماسا من لهيب جرى بجسمي بشربه
و صارت عروقي في دمائي صواعقا
و ذقت مرارا كأسه كي أزيل بردي فسودتني مشاعل
لها فقصد الأعظم المتفضلا
فررت إليه و ارتميت ببابه
كما يرتمي ذئب ضعيف أمامه و هو بالدماء مخضب
و قد نهش القطعان و امتص دمها
أفاض سماء فوق جسمي ملاحفا
من الماء رقت و السحاب السني ثلجا و رغوة طاب ريحها
و ألقى علي النور منه سبائكا
من التبر سرت
و الرؤى المعجزات سلى بها ظلامي و وحشتي
و أشهدها الرائين حولي و أوهموا
بأني أنا صناعها و هي منه لكنه بها شاء رفعتي
و أطلق مني ألسن السحر لم تصخ
إلى مثلها الآذان إلا بغيبة الروح في الرؤى
فقوموا على رأسي و صلوا بقمتي
تنزل عليكم من سماه عجائب
و قد يرى البعض في تركيبة الصيغة الجديدة التي أفرزها التشكيل الحر تعارضا مع ما يتطلبه الشعر الحر من صيغ البحور غير الصافية حتى تكون صالحة للشعر الحر ، فتركيبة هذه البحور يجب أن تتكون من تفعيلتين متشابهتين متجاورتين و تكونان معا قابلتين لأن يتصرف في عددهما مع تثبيت التفعيلة الأخيرة التي تكون مختلفة عنهما ، فلم اقتصر في تركيبة الطويل الجديدة على التصرف في عدد التفعيلة الوسطى مع إثبات التفعيلة الأولى فضلا عن الأخيرة ؟ و لم لا نعدل ببساطة مفاعلتانن الأولى و نجعلها فاعلاتان كالتفعيلة الثانية فتكون الصيغة بعد التعديل : فاعلاتان فاعلاتان فاعلن ؟ سبق أن ذكرنا أن التفعيلة الأولى في الصيغة الجديدة لا تختلف عن التفعيلة الثانية إلا اختلافا يسيرا و بأن تعديل الأولى قد يذهب بهوية البحر ، أما عدم مطابقة التركيبة الجديدة لما يقتضيه الشعر الحر فنجيب عنه بواسطة التشكيل الحر : لنعد تشكيل بحر الخفيف مثلا على غير صيغته الأصلية و على غير الصيغة التي أنتجناها بواسطة التشكيل الحر : سبق أن أعدنا تشكيل فاعلاتن مفاعلن فاعلاتن لتصير : فاعلاتان فاعلاتان فعلن ، لكن هذا لا يعني أن التشكيل الحر لا يمكن أن يفرز من التشكيلات الجديدة غير هذه الصيغة ، سنفرز صيغة أخرى و سنقيسها على صيغة الطويل المحررة : يمكن أن نعيد صياغة الخفيف ليكون وزنه : فا مفاعيلنا مفاعيلنا فا و هي تعادل فاعلاتان فاعلاتان فعلن و فاعلاتن مفاعلن فاعلاتن : نلاحظ أن التفعيلتين المتشابهتين المتجاورتين ( مفاعيلنا مفاعيلنا) وقعتا بين حركتين مبتورتين ( فا) و لم تقعا في أول الصيغة ، و مع ذلك فإننا بالتصرف في عددهما مع المحافظة على ثبات الحركتين المبتورتين نكون كأننا قد تصرفنا في عدد فاعلاتان التي في صيغة ( فاعلاتان فاعلاتان فعلن ) :
فا مفاعيلنا مفاعيلنا فا
فاعلاتان فاعلاتان فعلن
فا مفاعيلنا مفاعيلنا مفاعيلنا فا
فاعلاتان (فامفاعيلُ) فاعلاتان (نامفاعيل) فاعلاتان (فامفاعيلُ) فعلن ( نافا)
و يمكن تطبيق الأمر نفسه على السريع مثلا رغم قابلية صيغته الأصلية للشعر الحر فنحول عبر التشكيل الحر : مستفعلن مستفعلن فاعلن إلى مس فاعلاتن فاعلاتن فعل
لنجد أنا بتصرفنا في عدد التفعيلتين اللتين تتوسطان الحركة المهملة (مس) و التفعيلة ( فعل) لا نعدو أن نكون قد تصرفنا في عدد مستفعلن مستفعلن في الصيغة الأصلية مع إثبات فاعلن و لكن بطريقة غير مباشرة ، لنجرب :
مس فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فعل
مستفعلن (مسفاعلا) مستفعلن ( تنفاعلا) مستفعلن (تنفاعلا)
فاعلن ( تفعلن) ( 3 فاعلاتن مقابل 3 مستفعلن)
و ما طبقناه على الخفيف و السريع يدفعنا إلى الاستنتاج الآتي : حتى ننظم على بحر متنوع التفعيلات شعرا حرا لا يشترط أن تكون التفعيلات المتشابهة المتجاورة في مفتتح البحر و تكون التفعيلة المميزة عنهما في آخر الصيغة ، بل يمكن أن تقعا في الوسط بعد تفعيلة تامة أو حركة مبتورة من تفعيلة و يمكن أن تقعا آخر البحر و ذلك يظهر في تشكيلة من تشكيلات الخفيف ، فيمكن أن نعيد تشكيل : فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن لتصير فا مفاعيلانن مفاعيلانن و يمكن التصرف في عدد مفاعيلانن .
و لنقس ما ذكرناه على صيغة الطويل الجديدة التي أفرزها التشكيل الحر : مفاعلتان أو (مفاعلتانن) فاعلاتان فاعلن
إذا افترضنا أن حركة مفاعلتانن الأولى يمكن أن تكون حركة مبتورة منفصلة عن مفاعلتان صارت صيغة البحر :
م فاعلتان فاعلاتان فاعلن ، و صارت فاعلتان فاعلاتان في حكم التفعيلتين المتشابهتين المتجاورتين الواقعتين بين حركة مبتورة (م) و تفعيلة تامة ، لأن الاختلاف بينهما يسير لا يذكر و حتى إن حولنا فاعلتان إلى فاعلاتان لتصير الصيغة : م فاعلاتان فاعلاتان فاعلن فلن يفسد هذا الوزن و لن يذهب بهوية البحر ، و تصير فاعلاتان في حكم فاعلاتن التي تتوسط حركة مبتورة و تفعيلة في السريع و التي أفرزها التشكيل الحر و مفاعيلنا التي تتوسط حركتين مبتورتين في الخفيف . و هكذا يكون نظم شعر حر على الطويل ممكنا…





