مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

نازك الملائكة و بحر مخلع البسيط و التشكيل الحر✍أ.مالك بن فرحات

صورة بالأبيض والأسود لامرأة ذات شعر يميل إلى اللون البني، مبتسمة، مع وضع يدها تحت ذقنها. ترتدي سوارًا على معصمها. خلفية الصورة تتضمن خطوطًا بلون فاتح.

كنا قد نشرنا سابقا سلسلة من المقالات أثبتنا فيها قابلية بعض البحور التي أقرت الشاعرة العراقية نازك الملائكة أنها لا تصلح للشعر ، و استعملنا آلية التشكيل الحر و طرحنا إمكانية أن تكون هذه الآلية منطلقا لتوليد شكل شعري جديد يمكن تسميته بشعر التشكيل الحر ، و من بين هذه البحور التي أعدنا تشكيل صيغتها النظرية بحر مخلع البسيط لنحرره ، فأعدنا تشكيل صيغته النظرية التي يطرأ فيها على مستفعلن الأولى تغيير لتصير مفاعلن ، فتكون الصيغة مفاعلن فاعلن فعولن و تصير بالتشكيل الحر ( مفاعلانن مفاعلانن) فيتحول مخلع البسيط إلى بحر صاف يصلح أن ننظم عليه شعرا حرا بالتصرف في عدد مفاعلانن بالزيادة و الإنقاص ، و هذا ما طبقناه على الخفيف فأعدنا تشكيل فاعلاتن مفاعلن فاعلاتن و هي صيغة نظرية معترف بها تتحول فيها مستفعلن إلى مفاعلن لتصير ( فاعلاتان فاعلاتن فاعِلْ) و يمكن التصرف في عدد فاعلاتان و إثبات فاعل لتحرير بحر الخفيف التام ، و ما ينطبق على التام ينطبق على المجزوء فيمكن إعادة تشكيل صيغته النظرية: فاعلاتن مفاعلن بعد تحويل مستفعلن إلى مفاعلن لتتحول إلى فاعلاتان فاعلن ( فاعلاتنم فاعلن) و يكون التصرف في عدد فاعلاتان زيادة و إثبات فاعلن قياسا على التام :

فاعلاتان فاعلن

فاعلاتان فاعلاتان فاعلاتان فاعلن

فاعلاتان فاعلاتان فاعلاتان فاعلاتان فاعلاتان فاعلن 

و يحسن أن يكون عدد فاعلاتان فرديا لا زوجيا حتى لا يفسد الوزن.

و حررنا المديد في صيغته النظرية الأصلية بالتشكيل الحر فحولنا ( فاعلاتن فاعلن فاعلاتن) إلى ( فاعلاتن فاعلاتن فعولن ) و هي معادلة للأولى و يكون واجبا التصرف في عدد فاعلاتن و إثبات فعولن ، و حررناه في في صيغته التي يطرأ فيها تغيير على فاعلاتن الأخيرة لتصير فاعلن أو فعلن فتتحول الأولى من ( فاعلاتن فاعلن فاعلن ) إلى ( فاعلاتن فاعلاتن فَعَلٔ) و يتصرف في عدد فاعلاتن مع إثبات فَعَلٔ و تتحول الثانية من ( فاعلاتن فاعلن فعِلٰنٔ) إلى ( فاعلاتن فاعلات فعل) ، و في هذه الصيغة يجب الانتباه إلى أن التصرف في العدد يشمل فاعلاتن الأولى المنونة و تثبت فاعلات غير المنونة مع فعل التي تليها حتى لا يفسد الوزن و قد نظمنا قصيدة على هذه الصيغة عنوانها آخر خدعة و هي الآتية :

قلت للطير الذي رمقت 

عيني اهبط إن لي بشرى لك اهبط لا تكن حذرا

ادن مني و اسمع الخبرا 

و دنا مني و حط على 

كفي المبسوطة…. اسمع أيها الطير الذي بيدي 

أنت دوما في السماء و ما

كنت تطفو فوق هذي الأرض إلا مثل لمع سنا

برق مشتى في قرار دجى

أنت تخشى المكث فوق الأرض كي لا تستبيك يدا 

ذلك الإنسي حين عدا 

ذلك الإنسي إن يرمق ضئيل الحجم مثلك ما

كان يفلته.

أنت حر عند من لم يدر أن الحر يحسن أن

يتمشى ثم يعلو لاحقا ركب السحاب إذا

شاء أن يعلو و يقضي الليل إما شاء في ظلم

خفيت في أبحر بعدت.

أنت مسجون السماء كما

كنت مسجونا بهذي الأرض لا أعلو على قدم 

لزمتها غير لمع سنا

برق مشتى في قرار دجى 

قفزة مني عليها حطة منك ارتمت و علت

كارتماء الجفن فوق الجفن في العين التي طرفت 

هاك جسمي أولج الروح الذي تحوي سعدت به

و امش فوق الأرض في عز و أمن غير مقتنص

و دع الروح الذي أحوي يكن من بين ريشك كي

يحسن التحليق منتشيا 

و استساغ الطير مني فكرتي و انسبت ممتطيا 

موكب الأرياح طيرا و استعار الطير صورتنا 

ها أنا آبى حلول الأرض و هو الآن في ندم 

و يناديني ألا اهبط و أعد لي ما أطير به

و أنا عنه لفي صممِ.

و حررنا المنسرح بتحويل( مستفعلن مفعلات مفتعلن) إلى ( مستفعلانن مستفعلان فعل) و يكون التصرف في عدد مستفعلانن. و حررنا غير ما ذكرنا من البحور بواسطة التشكيل الحر.

ثم وقعت أعيننا صدفة على فصل من إحدى طبعات كتاب قضايا الشعر المعاصر لنازك الملائكة ( أظنها الطبعة الأخيرة) لم نكن قد قرأناه من قبل لأننا اعتمدنا على الطبعات الأولى في التعرف على وجهات نظر نازك في الشعر الحر و قضاياه ، فاكتشفنا أن نازك قد طبقت ما طبقناه على بحر مخلع البسيط و قد حسبنا بسبب تقصير منا و جهلنا بالتعديل الذي أحدثته الشاعرة العراقية في الطبعة المتأخرة من الكتاب و في فصله الذي تميز فيه ما يصلح من البحور للشعر الحر مما لا يصلح له أننا كنا سباقين إلى تحرير بحر البسيط و تحويله إلى بحر صاف فتبين خلاف ذلك مما يجب أن نبينه حتى ننسب الإنجازات إلى أصحابها التزاما بالأمانة العلمية ، و ها نحن ننقل ما ذكرته في هذا الشأن من كتابها و نعلق عليه :

.. كما أنني في سنة 1974 قد وفقت إلى ابتكار وزن صاف جديد يجري هكذا : مستفعلاتن مستفعلاتن مستفعلاتن مستفعلاتن 

و قد اشتققته من الوزن الخليلي المعروف المسمى مخلع البسيط لأنني لاحظت أن هذا الوزن لو قسمناه إلى قسمين لكان كما يلي : 

مستفعلن فا

علن فعولن

…. و لقد لاحظت أن هذا الوزن بزيادة حرف واحد على مخلع البسيط يكون بحرا صافيا وحدته تفعيلتان و يمكن نظم الشعر الحر منه باعتبار الوحدة تفعيلتين اثنتين ، غير أن توحيد التفعيلتين ممكن بإضافة سبب خفيف إلى التفعيلة مستفعلن و بذلك تصير مستفعلاتن ، و يصبح الوزن كما يلي :

مستفعلاتن مستفعلاتن .

و هو وزن صاف يمكن استعماله في الشعر الحر …. ( قضايا الشعر المعاصر)

و لقد صدرت نازك الملائكة ديوانها ” يغير ألوانه البحر ” الصادر سنة 1977 بمقدمة قدمت فيها هذا الوزن الجديد إلى جمهور القراء العربي ، و تضمن هذا الديوان قصيدتين نظمتا على هذا الوزن هما “زنابق صوفية للرسول” و ” تمتمات في ساحة الإعدام” و نضيف إلى القصيدتين قصيدة ” نجمة الدم” التي أقرت في مقدمة الديوان و في قضايا الشعر المعاصر بأنها نظمتها على هذا الوزن. و هذا مقطع من قصيدة ” زنابق صوفية للرسول : 

البحر إغماء لحن حب .. البحر زرقه

البحر طفل مسترسل الشعر للضحى فوق مقلتيه

انكسارة رقة و شهقه 

و ما ذكرناه سابقا يقودنا إلى جملة من الملاحظات : أولاها أن فكرة توليد الأوزان الجديدة قد كانت من الأهداف التي رام رواد القصيدة الحرة تحقيقها و قد أردنا المضي قدما في هذه الخطوة

ثانيا : الأوزان المولدة تولد من بحور سابقة و هذا ما راعيناه في توليدنا.

ثالثا : نازك الملائكة قد طبقت ما أسميناه بآلية التشكيل الحر على مخلع البسيط دون أن تتوصل إلى الوعي النظري بهذه الآلية لأنها لو وعتها لحررت بحورا أخرى غير بحر البسيط كما فعلنا مع الخفيف و المديد و المنسرح…

و هذه الملاحظات التي ذكرنا تثبت أن لنا سندا نظريا في تجربتنا في مواصلة تجديد القصيدة العربية بتوليد الأوزان و بتطبيق آلية التشكيل الحر. 

و لكن لنا بعض الملاحظات النقدية حول طريقة توليد نازك للبحر المذكور و هي تتعارض مع مفهوم التشكيل الحر الذي يقتضي إعادة قياس البحور بغير الصيغة النظرية التي تواضع عليها العروضيون شرط أن تكون الصيغة الجديدة مساوية للصيغة النظرية الأصلية أو لإحدى الصيغ التي تطرأ عليها التغييرات من زحافات و علل . تقول نازك إنه حتى يصير المخلع بحرا صافيا علينا أن نضيف سببا خفيفا إلى مستفعلن في مخلع البسيط لتصير مستفعلاتن فتصير صيغة البحر الجديدة : مستفعلاتن مستفعلاتن ، و الإشكال في الصيغة الجديدة أنها لا تعادل صيغة المخلع الأصلية أو إحدى صيغه المعترف بها : لأن مستفعلاتن مستفعلاتن تساوي مستفعلن مفعولن فعولن ( مستفعلاتن / مستفعلن مف : مستفعلاتن : عولن فعولن) ، و الحال أن إعادة قياس صيغة المخلع بصيغة نظرية قريبة من صيغة نازك و تساوي صيغته الأصلية ينتج لنا الصيغة الآتية ( مستفعلاتن مفاعلاتن/ مستفعلفا علنفعولن) ، و لعل نازك الملائكة أعرضت عن هذه الصيغة لأن التفعيلتين فيها غير متشابهتين ، فحولت مفاعلاتن الثانية إلى مستفعلاتن ، و بذلك لم تضف سببا خفيفا إلى مستفعلن بل هي ضمت السبب الخفيف الذي يتصدر فاعلن إلى آخر مستفعلن ثم استبدلت الحركة القصيرة التي تتوسط فاعلن بحركة طويلة فتحولت من فاعلن إلى فاعيلن أو مفعولن ، و فكان إجراؤها أقرب إلى تعديل البحر لتوليد وزن جديد و هي تقر بذلك في مقدمة ديوانها ” يغير ألوانه البحر ” ، و إجراؤها يشبه ما فعلناه مع بحر الهزج إذ أضفنا إليه حركة قصيرة فصارت فيه مفاعيلن مفاعيلانُ لنولد وزنا أسميناه المنطلق ، و ليس تشكيلا حرا بالمعنى الدقيق ، و لو استعملت نازك التشكيل الحر لما اضطرت إلى أن تضيف سببا خفيفا إلى البحر و لاعتمدت على إحدى صيغه المعترف بها و التي يطرأ فيها على مستفعلن الأولى زحاف فتصير مفاعلن و تصير الصيغة ( مفاعلن فاعلن فعولن) و تشكيلها فتصير مفاعلانن مفاعلانن عوض مستفعلاتن مستفعلاتن الصيغة الأصلية بعد التشكيل ، و يجوز في هاته الحالة أن تكون مستفعلاتن تغييرا عارضا على التفعيلة ، و قد وجدنا نازك تخرج في قصيدتها زنابق صوفية للرسول إلى مفاعلانن . و هذا ما فعلناه في تحرير المخلع إذ أعدنا قياس صيغة معترف بها و لم نضف شيئا . و وجدنا نازك بعد تحريرها للمخلع ليصير على صيغة مستفعلاتن مستفعلاتن تكتفي في إقرارها بالتغييرات التي تطرأ على التفعيلتين السابقتين بالتغييرات التي تطرأ على الرجز فتتحول مستفعلاتن بالخبن إلى ( مفاعلاتن) التي اعتبرناها التفعيلة الأصلية بالتشكيل الحر و تتحول بالطي إلى مفتعلان ( و هذا وارد في مقدمة ديوانها) ، و هذا على ما فيه من وجاهة يغفل تغييرات أخرى تطرأ على المخلع في صيغته النظرية الأصلية غير المعاد تشكيلها و تساهم في إنتاج وزن سلس و منها تحول فعولن إلى فعَلْ لتكون الصيغة مستفعلن فاعلن فعل و قد جربنا هذا التغيير في مقطع شعري :

نقيّة أنت مثل ثوب

بياضه هابه الدنٓس

طهورة لم يصبك رجز

و لا من الخبث بعضُ مس

بريئة الوجه بابتسام

يغشاه طرّا فما عبٓس

رقيقة القلب إن يصبه

دبيب نمل به أحس

إذا رأت مشهدا حزينا

فدمعها سابقُ الفرس

على خدود بها احمرار

كحمرة النار في القبٓس

و إذا أردنا تحرير المخلع بتطبيق آلية التشكيل الحر حولنا مستفعلن إلى مفاعلن لتصيرالصيغة ( مفاعلن فاعلن فعل ) ثم تصير بالتشكيل الحر مفاعلانن مفاعلن. و هنا يصبح المخلع في حكم البحور الممزوجة و يكون التصرف في عدد مفاعلانن بالزيادة و الإنقاص دون مفاعلن على النحو الآتي :

مفاعلانن مفاعلانن مفاعلن

مفاعلانن مفاعلن

مفاعلانن مفاعلانن مفاعلانن مفاعلن 

و بهذا نخلص إلى أن نازك الملائكة قد وعت بالأذن بقابلية المخلع لأن ينقسم إلى تفعيلتين متشابهتين و أعادت تشكيله مقتربة من آلية التشكيل الحر و لكنها اضطرت إلى أن تزيد مقطعا إلى البحر حتى يصير صافيا و لم تعد قياس صيغة من صيغه عملا بمفهوم التشكيل الحر فكانت أقرب إلى توليد وزن محدث ، و طريقتها في التحرير تشبه طريقتنا مع اختلاف ، فنحن استعملنا التشكيل الحر و لم نغير في صيغة المخلع إلا ما يسمح به البحر في صيغته الأصلية ، أما نازك فاضطرت إلى تعديل صيغة البحر تعديلا خارجا عن تغييراته المعترف بها ، فالطريقتان مختلفتان و النتيجة واحدة و لكن فضل السبق في التحرير لها ، و أنا أفترض أنها كانت قادرة على تحرير بحور أخرى و لكنها لم تكن تمتلك الأدوات النظرية كأداة التشكيل الحر التي اقتربت منها و طبقتها على المخلع استنادا إلى الحدس و الأذن الموسيقية التي دلتها على قابلية المخلع للانقسام دون وعي نظري منها بهذه الأداة. و لكن هل يصح أن نقول إن هذا الوعي السمعي بانشطار المخلع قد سبقت إليه نازك غيرها ؟ ألا يوجد في التجارب الشعرية السابقة وعي به و إن كان يسيرا ؟ بحكم انتمائنا إلى المدرسة الشعرية التونسية و هي تعتبر امتدادا لمدرسة الأندلس و الغرب الإسلامي فإن لنا اطلاعا مكثفا على الموشحات الأندلسية و نستند إليها و نحن نروم تجديد الأوزان . و لقد وقعت أعيننا على موشح اقترب صاحبه من أن يشطر مخلع البسيط نصفين في مقطع من مقاطعه و قد مزج في هذا الموشح بين البسيط و مخلع البسيط ، و هذا الوشاح هو ابن سناء الملك و المقطع الذي ذكرنا هو الآتي و تحته ميزانه:

نعم أنا منك في عذاب. و أشتهيك

و أبذل الروح فيك بذلا. و أشتريك

مفاعلن فاعلن فعولن. مفاعلان

نلاحظ أن الوشاح يعتمد أسلوب التذييل ، و عوض أن يذيل كل شطر بالتفعيلة الأخيرة ( فعولن) عدل إلى مفاعلان التي تعادل ( مفاعلن فا ) و ( علن فعولن) أي تعادل النصف الأول من المخلع و النص الثاني و تكرار مفاعلانن مرتين يساوي شطرا على مخلع البسيط ، إذن يمكننا القول إن ابن سناء اقترب من التفطن إلى أن المخلع قد ينشطر و يكون بحرا صافيا في ممارسته. و بعيدا عن سؤال من الأسبق و عن الجدل الذي يلحقه ، أود أن انطلق مما أحدثته نازك الملائكة لأنبه ممارسي الشعر و منظريه إلى ألا يتوهموا أن تجربة الشعر الحر زالت إمكانات التجديد فيها بزوال روادها و كان منها ما يجب أن يكون و أن هذه التجربة تقتصر أهدافها على الإجراء العروضي الذي يسمع بكسر القالب القديم بالتصرف في عدد التفعيلات ، فهي تجربة ذات أهداف أخرى غير هذا الإجراء البسيط ، ففيها دعوة صريحة إلى توليد الأوزان و القوالب الموسيقية الجديدة. يجب ألا يوهمنا تنثير الشعر أن إمكانات التجديد استوفيت و يجب ألا نترك تجربة الشعر الحر مبتورة دون أن نستأنفها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading