آسا كما عاشها بيران/محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربي

ليست كل الكتب التي اتخذت من الصحراء موضوعا لها مجرد كتب عن المكان؛ فبعضها يتجاوز حدود الوصف والتوثيق، ليغدو شهادة على زمن كامل، وعلى وجوه وأماكن وعلاقات إنسانية كادت أن تطويها يد السنين. ومن هذا المنظور، يكتسب كتاب «مقامي بآسا»، الموسوم بـ«محكي حي»، أهميته الخاصة؛ فهو لا يقدم آسا للقارئ باعتبارها مجرد نقطة على خريطة الأقاليم الجنوبية، وإنما يستعيدها من خلال تجربة عاشها الضابط الفرنسي هنري بيير بيران خلال إقامته بها، منذ أواخر أكتوبر 1955 إلى عودته إلى بلاده سنة 1957. وقد تولى الكاتب والإعلامي مارسيل جوليون صياغة هذه التجربة اعتمادا على شهادة الضابط وذكرياته، قبل أن يصدر الكتاب سنة 1979، أي بعد وفاة بيران. ويتألف الكتاب من خمسة عشر فصلا، خصص تسعة منها لآسا، في دلالة واضحة على المكانة التي احتلها هذا الفضاء في تجربة الرجل، وعلى عمق الأثر الذي تركته آسا في ذاكرته ووجدانه.
أول ما استوقفني وأنا أقرأ الصفحات الأولى من هذا العمل للمرة الأولى، في نسخته الفرنسية أولا ثم في ترجمته الأنيقة للعربية، أنه يقف في منطقة وسطى بين السيرة الذاتية، والوثيقة التاريخية، والحكاية الأدبية؛ فهو لا يكتفي بسرد الوقائع العسكرية والإدارية التي ارتبطت بإقامة بيران بوصفه ضابطا لشؤون الأهالي، بل ينفذ بالقارئ إلى صميم الحياة الصحراوية، حيث التفاصيل اليومية الصغيرة هي التي تمنح المكان روحه، والحكاية صدقها ودفئها الإنساني. هناك صباحات الصحراء، ووجوه أهلها، والمكاتب، والرحلات، والقرى، والعابرون، ورجال القبائل، واللقاءات التي قد تبدو في ظاهرها عابرة أو هامشية، لكنها سرعان ما تستقر في الذاكرة بوصفها شواهد حية على زمن مضى.
ومن ثم، يغدو الكتاب أكثر من مجرد شهادة على إقامة ضابط فرنسي في آسا؛ إنه شهادة على آسا نفسها، كما كانت ذات يوم، وعلى عالم صحراوي بكل تفاصيله ووجوهه وعلاقاته، عالم مضى منه الكثير، وبقيت منه في هذا «المحكي الحي» ظلال وصور وحكايات تقاوم النسيان.
جدير بالذكر أن بيران لم يكن يؤدي في آسا دورا واحدا؛ فقد جمع بين المهمة العسكرية والعمل المدني والإداري. فمن الناحية العسكرية، كانت تحت إمرته كتيبة من أهل الجمال، وفق التسمية التي كانت سائدة آنذاك، كما كان يرافق بعض الفرنسيين والأهالي في رحلات الصيد، الأمر الذي أتاح له التعرف إلى عدد من رجال المنطقة، وحفظ أسمائهم، والاقتراب من عوالمهم وعاداتهم وتقاليدهم. ومن ناحية أخرى، اضطلع بمهام مدنية وإدارية إلى جانب قائدي آسا المعروفين، وهو ما أتاح له احتكاكا أوسع بالمجتمع المحلي، وقرّبه من تفاصيل الحياة اليومية في المنطقة، بعيدا عن حدود مهمته الرسمية.
هنا، على وجه التحديد، تتجاوز قيمة الكتاب حدود الحكاية الفردية، لتغدو شهادة على زمن بأكمله. فالضابط الذي جاء إلى آسا في سياق استعماري، سرعان ما وجد نفسه، مع توالي الأيام، منخرطا في شبكة من العلاقات الإنسانية المتشعبة، لا تختزلها الرتب ولا تحدها المناصب. فأسماء الرجال التي تتردد في ثنايا الحكاية، والرحلات التي جمعت بينهم، والمجالس التي تبادلوا فيها الحديث، والطرائف الصغيرة التي ولدت على هامش تلك اللقاءات، كلها تمنح النص بعدا إنسانيا يتجاوز التجربة الشخصية لصاحبها، وتجعل منه شهادة حية على مرحلة مفصلية من تاريخ الجنوب الصحراوي، عرف خلالها تحولات عميقة، ووقف على عتبة زمن جديد.
فمشهد الصيد الذي يرويه بيران، مثلا، يكشف، في بساطته، عن طبيعة هذه العلاقات وعن تفاصيل الحياة اليومية التي جمعت الضابط برجال المنطقة، بعيدا عن لغة التقارير الرسمية ورتابة الوثائق الإدارية. يقول :
«”برزت الغزلان، مجتمعة، على بعد مائة متر من أعلى المرتفع الذي كان يحيط بها. خمسة من ضمنها رشا. تتقدم نحونا على مهل وبرشاقة. سمعت صوتا على يساري يحاكي صوت ذكر ينادي أنثى. توقفت الغزلان وأخذت تنظر إلينا. وضعت سلاحي على كتفي وأطلقت النار. قبل أن أنظر إلى حيث رميت، مر بالقرب مني ما يشبه البرق. اخترقت الغزلان الخط الذي كنا رسمناه بأجسادنا.
-أصبت غزالا في الرقبة، صرخ النفاع وهو يحمل سكيننا.
-حصلنا على اثنين. النفاع قد أصاب الآخر في الرأس. الصحراوي، لو أنه رام ممتاز، قد أخطأ هدفه. بالرغم من ابتسامته كان مغتاظا. نظر إلى النفاع وعيناه تلمعان من الفرح.”
حين تتجاوز العلاقة حدود المهمة
غير أن القيمة الأبرز في هذا النص ربما تتجلى في الحضور الطاغي للإنسان الصحراوي، الذي لا يظهر فيه بوصفه شخصية فولكلورية أو صورة نمطية صيغت لإرضاء القارئ الأوروبي، وإنما بوصفه إنسانا كامل الحضور، له يومه العادي، وعلاقاته، وعاداته، وطرائق تعبيره، وعالمه الخاص الذي لا تكشفه النظرة العابرة.
يقترب الكتاب منه في تفاصيل حياته: في الحديث والعمل والسفر والصيد والضيافة، وفي تلك الوقائع الصغيرة التي قد تبدو للوهلة الأولى عابرة، لكنها سرعان ما تتضافر لترسم ملامح مجتمع كامل، بقيمه وأعرافه وطريقة نظره إلى الحياة والآخر. وحتى اللغة نفسها تتحول، في مواضع كثيرة، إلى جزء من الحكاية؛ إذ يجد الضابط نفسه مضطرا إلى فك رموز كلام الرجل الصحراوي واستجلاء مراميه، فيدرك، شيئا فشيئا، أن الكلمات وحدها لا تكفي دائما لفهم الإنسان، وأن وراء العبارة عالما من الإشارات والإيماءات والعادات والتقاليد، ومن الثقة التي لا تمنح دفعة واحدة، وإنما تنشأ رويدا رويدا، مع الزمن والمعاشرة.ومن اللافت كذلك ما يشيع في هذه العلاقات من مروءة وألفة إنسانية تتجاوز، في لحظات كثيرة، حدود المهمة الرسمية. ويبلغ هذا البعد ذروته في مشهد المغادرة؛ فبعد أن اكتملت الاستعدادات للرحيل، يتجمع عدد من أهل القصر حول الطائرة، وتبدو في الوجوه مسحة حزن لا تخطئها العين، كأن لحظة الفراق أكبر من مجرد نهاية إقامة. ثم يأتي الوداع محمّلا بالأسماء والذكريات والعبارات التي تختصر علاقةً إنسانية نشأت في ظروف استثنائية، لكنها استطاعت أن تتجاوز تلك الظروف.
وحين تقلع الطائرة، فيما يبتعد الراوي عن المكان، تتكثف في هذه الصورة البسيطة مفارقة إنسانية وتاريخية شديدة الدلالة: رجل جاء إلى آسا في سياق استعماري، وأقام فيها بحكم وظيفته، ثم غادرها ذات يوم عائدا إلى بلاده؛ غير أن آسا، بما حملته من وجوه ووقائع وذكريات، لم تغادره بالقدر نفسه، بل مضت معه، واستقرت في مكان ما من ذاكرته ووجدانه.
وربما كان أبلغ ما يختصر هذا الشعور تلك الكلمات التي يوردها في ختام مقامه: “أقلعنا. بعد استدارة أخيرة، حلقت اليونكرس 52 على ارتفاع منخفض فوق المركز. يرفرف العلم المغربي وحيدا على البرج. لم يلبث بيب أن قاء في ركن من الطائرة. إلى اللقاء يا آسا وإنك لتعرفين كم أنا حزين.”
في هذه الجملة الأخيرة، لا يعود الرحيل مجرد مغادرة لمكان، بل يتحول إلى لحظة وداع لإنسان ترك وراءه عالما كاملا من الوجوه والأيام والتجارب. والمفارقة أن الرجل الذي دخل آسا موظفا في جهاز السلطة الاستعمارية، يخرج منها محملا بشيء يتجاوز ما جاءت به الوظيفة: ذكرى المكان وألفة الناس وحنين لا يبدو أن السياق الذي جمعه بهم كان قادرا على محوه.وهنا تصبح عبارة «محكي حي» ذات دلالة عميقة. فالكتاب ليس مذكرات جافة مرتبة على طريقة السجلات، ولا تقريرا عسكريا باردا، وإنما هو حكاية تستعيد ما عاشه صاحبها من خلال الذاكرة. ومن ثم فإن ما يهم ليس فقط ما حدث، وإنما كيف بقي ما حدث في الذاكرة: كيف تحولت الوقائع إلى صور، والأسماء إلى وجوه، والأمكنة إلى حنين، والرحلة إلى قصة تستحق أن تُروى.
إن قراءة «مقامي بآسا» اليوم لا تعني استعادة الماضي بحنين ساذج، ولا النظر إلى شهادة صاحبها بمعزل عن سياقها التاريخي والسياسي؛ بل تعني، قبل كل شيء، استعادة تفاصيل مكان كان حاضرا في الذاكرة الأجنبية كما كان حاضرا في ذاكرة أهله. فالكتاب، في جوهره، يتيح لنا أن نرى آسا من زاوية مختلفة، وأن نلتقي برجالها في لحظاتهم اليومية، وأن نلمس شيئا من طبيعة الحياة فيها خلال منتصف خمسينيات القرن الماضي.
وفي النهاية، يظل «مقامي بآسا» أكثر من حكاية ضابط فرنسي أقام في منطقة نائية ثم غادرها؛ إنه أثر من آثار زمن مضى، وشهادة إنسانية على آسا في لحظة من تاريخها، ومحاولة لإنقاذ تفاصيل صغيرة من يد النسيان. وبين صفحات الكتاب، حيث تتجاور الخرائط والوجوه والرحلات والوداعات، تستعيد الصحراء صوتها القديم، وتقول للقارئ إن الذاكرة لا تُبنى دائما من الأحداث العظيمة؛ أحيانا يكفي أن نتذكر وجها، أو طريقا، أو صباحا صحراويا، حتى يعود زمن كامل من بعيد.



