العبديلة أباه.. سيرة فنان خرج من بيت الفقه/محمد عالي الحيرش

حين نكتب عن العبديلة أباه، الفنان الذي اختار للكلمة أن تكون مقامه، وللموسيقى فضاءها الحميم، لا يستقيم أن نسبر أغوار تجربته الفنية المتميزة من غير أن نعود إلى البيت الذي ترعرع في كنفه، وإلى الرجل الذي كان عماده وقوامه: والده الشيخ النعمة ولد الشيخ محمد أباه، الإمام والفقيه والقاضي. ولعمري، إن في المأثور العربي ما يلخّص عظيم أثر الأب في تكوين أبنائه، ويكثّف في عبارة بليغة معنى القدوة والتنشئة: «أب واحد خير من عشرة مربين».
فالأشخاص، مهما بدا مسارهم فرديا ومستقلا ؛ يحملون، في تكوينهم وملامحهم وخياراتهم، شيئا من المناخ الذي احتضن طفولتهم، ومن القيم التي تشربوها في البدايات، وظلت، على نحو ظاهر أو خفي، تترك بصماتها في منعطفات العمر وتعيد تشكيل علاقتهم بالعالم وبأنفسهم.
لابد، قبل المضي في استعادة هذه السيرة، من التنويه إلى أن معظم ما نستند إليه من معطيات وتفاصيل استقيناه من شقيقه الأصغر الدجيه أباه، الذي يعتبر، هو الآخر، من أبناء الفن؛ فقد أسس مجموعة موسيقية خاصة به، وظل قريبا من تجربة شقيقه، رفيقا لمساره، ومواكبا لتحولاته الفنية والإنسانية. ولعله كان أكثر إخوته التصاقا بالفنان الراحل، وأشدهم قربا من تجربته وأحواله، بما أتاح له أن يحتفظ بالكثير من التفاصيل التي لا تسعف بها الذاكرة العامة، ولا تنقلها المصادر المتداولة.
ومن ثم، فإن شهادة الدجيه لا تقتصر على استعادة وقائع متفرقة من سيرة العبديلة، ولا تقف عند حدود المعلومات العامة عن مساره الفني، وإنما تفتح لنا نافذة على عالمه الخاص، وتتيح لنا أن نقترب من شخصيته من الداخل، وأن نستعيد بعض ملامحه الإنسانية والفنية كما عرفها من عاش إلى جواره وشاركه شيئا من الطريق. وهي تفاصيل ربما كان كثير منها سيظل طيّ النسيان، لولا ذاكرة الأخ المتقذة التي احتفظت بما لم تحفظه الأوراق، وشهادة من عايش التجربة عن قرب، وعرف صاحبها في لحظات الصعود والانكسار، وفي الفن والحياة.
نشأ العبديلة في بيت محافظ، كان للفقه هيبته، وللكلمة الدينية سلطانها، وكان الوقار جزءا أصيلا من نسيج الحياة اليومية، لا مظهرا عابرا من مظاهرها.
غير أن العبديلة، منذ بواكير شبابه، كان ذلك الفتى المتمرد بطبيعته، الذي ظل قلبه مشدودا إلى أفق آخر؛ إلى عالم الشعر والموسيقى والفن الحساني، حيث وجد ما يوافق ميوله ويستجيب لنزوعه الإبداعي. هناك أدرك أن للكلمة التي ألف سماعها في بيت العلم وجها آخر، وأن للصوت الذي يسكنه مجالا أرحب للتعبير، وأن موهبته لم تُخلق لتظل حبيسة الميل الداخلي أو أسيرة ما يختلج في النفس، وإنما لتخرج إلى الناس، وتجد في الفن فضاءها الرحب، وفي الشعر والموسيقى لغتها الخاصة.
وهكذا، رويدا رويدا، أخذ الفنان المبتدئ يشق لنفسه طريقا مغايرا لذلك الذي كان يُنتظر منه، بحكم بيئته الأسرية ونشأته المحافظة، أن يسلكه. ولم يكن انحيازه إلى الفن نزوة عابرة، ولا افتتانا ببريق الشهرة ووهجها، وإنما كان استجابة لنداء داخلي أخذ يتنامى في أعماقه حتى غدا الفن، مع مرور الأيام، اختيارا وملاذا، بل وجها أصيلا من وجوه ذاته التي لم يكن قادرا على التنكر لها. ولعل المثل العربي القديم «الطبع غلاب» يلخص، في بساطته، شيئا من حكايته؛ فما استقر في الطبع، ورسخ في الوجدان، لا تملك القيود طويلا أن تحجبه، ولا تستطيع سلطة البيئة أن تطفئ جذوته.
يبدو أن في ذلك سرا كامنا من أسرار شخصيته؛ فالفنان الذي خرج من بيت العلم لم يكن غريبا عن سلطان الكلمة، بل كان مأخوذا بها على نحو آخر، يستمد منها مادته وفضاءه، ويمنحها في المقابل حياة جديدة في الشعر والموسيقى والغناء. وكأن الكلمة التي كانت في بيت أبيه سبيلا إلى العلم والفقه والقضاء، قد وجدت على لسان الابن مسارا آخر، لا يقل صلة بالروح والوجدان.
وأستحضر هنا ذكرى شخصية لا تزال عالقة في الذاكرة، كلما عدت إلى الحديث عن الشيخ النعمة أو عن البيت الذي نشأ فيه العبديلة. قبل وفاة الشيخ النعمة بأشهر، صحبتُ أخي إلى منزله رفقة والدي، الذي كان صديقا له، ويكنّ له تقديرا خاصا. وكان اللقاء، في بساطته، يحمل شيئا من تلك المهابة التي تحيط بالرجال الذين صنعتهم المعرفة وألبسهم الوقار برنسه.
يومها أمدّ أخي بمخطوط نادر لديوان الشيخ ماء العينين، وقد صار ذلك المخطوط، فيما بعد، مادة لبحثه لنيل الإجازة في الأدب العربي. ولم يكن إهداء المخطوط مجرد التفاتة عابرة، وإنما كان، في تقديري، تعبيرا عن صلة عميقة بالكتاب والمعرفة، وعن رجل كان يرى في الكلمة ميراثا ينبغي أن يُصان، وفي المخطوط ذاكرة تستحق أن تنتقل من يد إلى يد.
ولا تزال صورة الشيخ النعمة كما رأيته يومها ماثلة أمامي بكل تفاصيلها: رجل أنيق، مهيب، هادئ الحضور، يتحدث بلسان عربي فصيح، ولا يحتاج إلى رفع صوته كي يفرض احترامه. كانت الهيبة فيه طبيعية، لا أثر فيها للتكلف، وكان العلم يبدو في حديثه وهيئته كما لو أنه بعض من تكوينه، لا صفة أضيفت إليه. وفي مجلسه كان للسكينة معناها، وللكلمة وزنها، وللصمت أحيانا ما للكلام من دلالة.
وكان في ذلك اللقاء كله ما يشي ببيت عريق الصلة بالكتاب والكلمة والمعرفة؛ بيت لم تكن فيه الثقافة زادا عابرا، وإنما كانت جزءا من ملامح أهله وطرائق عيشهم. ومن هذا البيت خرج العبديلة، حاملا معه، وإن في صورة مختلفة، شيئا من ذلك الإرث؛ فاختار أن يجعل من الكلمة أغنية، ومن الشعر فضاء للبوح، ومن الموسيقى لغة أخرى يقول بها ما لم يجد له في الكلام العادي متسعا.
من ذلك البيت خرج العبديلة إذن.
ولد سنة 1974 بأخزان، ونشأ في كنف أسرة محافظة، غير أن عشقه للفن والموسيقى الحسانية والشعر كان أقوى من التحفظات التي كانت تحيط بهذا العالم. ويروي لنا شقيقه الأصغر الدجيه أن والده لم يكن يحب أن يراه منخرطا في الفن، وربما كان ذلك طبيعيا في بيئة كان يُنظر فيها إلى طريق العلم بوصفه الطريق الأضمن والأكثر اتساقا مع مكانة الأسرة. لكن العبديلة كان قد وجد ضالته، وحين يجد الإنسان الطريق الذي يشبهه، يصعب عليه أن يعود أدراجه.
حصل على شهادة البكالوريا، والتحق بجامعة القاضي عياض، لكنه لم يُكمل مشواره الجامعي. وفي الوقت الذي لم يكتمل فيه مساره الأكاديمي، كانت موهبته الفنية تجد طريقها إلى النضج والظهور. وكانت البداية مع مجموعة «رك لبياظ»، التي ضمت الغزال المحجوب، وبوگنين محمد، وعمر كعاب، ولحبيب بلا. ثم انتقل بعد ذلك إلى مجموعة «شباب أسا»، إلى جانب عدد من الفنانين، من بينهم ون وني بن أمان، والترفاس سليمان، وفراجي أيوب، والوالي بلغيث، والنيگرو بوجمعة، وواكجى محمد سالم، والدجيه أباه، والسالك منصور، وإبراهيم الطواهر، وغيرهم.
وكان العبديلة يكتب الكلمات ويلحنها، وإن لم يكن يجيد العزف. وهذه مفارقة أخرى في تجربته: كان قريبا من الموسيقى دون أن يكون عازفا، وكان يملك صلته الخاصة بها من خلال الكلمة واللحن والإحساس. أما الكلمة، فلم تكن عنده مجرد أداة فنية، بل كانت شغفا يتجاوز الشعر والغناء؛ فقد كان، بحسب شهادة أخيه، مولعا بالكلمات المتقاطعة، يجد في مطاردة الكلمات وتركيبها وفك أسرارها متعة خاصة. ولعل هذا التفصيل الصغير يكشف شيئا كبيرا: رجل كانت الكلمات تستوقفه، أينما وجدها، وكان يجد في ترتيبها واكتشاف علاقاتها لذة ذهنية لا تختلف كثيرا عن لذة الشاعر وهو يبحث عن الكلمة التي تستقر في موضعها الصحيح.
ثم جاء الرحيل على نحو مبكر.
في الخامس والعشرين من مارس 2021، أسدل العبديلة أباه الستار على رحلة لم تكن قد استنفدت كل ما كان يمكن أن تمنحه. ويروي شقيقه الأصغر أنه تولى نقله من المستشفى العسكري بكلميم إلى المستشفى الجهوي، وأنه طوال الطريق كان يردد: «يا مغيث أغثني». كانت تلك الرحلة الأخيرة، رحلة بين مستشفيين، لكنها في معناها الأعمق كانت العبور الأخير من عالم إلى عالم؛ من حياة ترك فيها كلمات وألحانا ورفاقا وذكريات، إلى غياب لا يملك الفن أمامه إلا أن يحفظ صاحبه في الذاكرة.
واللافت في هذه السيرة أن حكاية العبديلة لم تنته عنده، فقد كان شقيقه الأصغر الدجيه قد اختار بدوره طريق الفن، وأسس مجموعة موسيقية خاصة به. غير أن العبديلة، وهو الذي خبر صعوبة الطريق، كان يشجعه على الفن ويحثه في الوقت نفسه على المثابرة في الدراسة وتحصيل العلم.
وفي هذه المفارقة شيء يستحق التأمل طويلا: ابن الفقيه الذي اختار الفن، لم يرد لأخيه الفنان أن يتخلى عن العلم.
وكأن العبديلة، رغم ابتعاده عن الطريق الذي رسمه الأب، لم يفقد صلته بذلك الإرث؛ وكأن صوت الأب ظل، بطريقة ما، حاضرا في نصيحته لأخيه. اختار الفن لنفسه، لكنه لم يضع العلم في خصومة معه. وربما كان في ذلك أبلغ تعبير عن المصالحة العميقة بين عالمين ظلا يبدوان متعارضين في ظاهر الأمر.
رحم الله الشيخ النعمة ولد الشيخ محمد أباه، ورحم الله ابنه الفنان العبديلة أباه، وحفظ لأسرته ورفاقه ذاكرتهم، وفي مقدمتهم شقيقه الأصغر الدجيه أباه، الذي أسهم في إبقاء هذه السيرة حية، ونقل إلينا شيئا من تفاصيلها.
فليست الذاكرة، في مثل هذه الحكايات، مجرد وفاء للأشخاص الذين رحلوا؛ إنها وفاء للأمكنة التي أنجبتهم، وللأزمنة التي احتضنتهم، وللأصوات التي مرت ذات يوم من هنا ثم خفتت. وحين نستعيد العبديلة أباه، فإننا لا نستعيد فنانا غاب فحسب، وإنما نستعيد صفحة من الذاكرة الفنية والإنسانية للمكان، ونستعيد صوتا شجيا من أصواته التي، وإن غاب أصحابها، تظل بعض أصدائها معلقة في الوجدان.
كنا نتمنى أن يحظى فنان في قامة العبديلة أباه بما يستحقه من تكريم وتقدير وهو بيننا، قبل أن تتخطفه يد المنون. ليث هذا النداء يبلغ اليوم من يعنيهم الأمر، فتلتفت الجهات المسؤولة إلى أمثال هؤلاء الذين أسهموا في إثراء الذاكرة الفنية والثقافية للمكان، وتعيد إليهم بعضا مما لهم في ذمة هذا البلد الأمين من اعتراف وتقدير؛ لعل النداء يجد آذانا صاغية، إن لم يكن في الآذان صمم.



