في مملكةٍ من نسيم/إنتصار الخشت

كان للهواء في تلك المملكة مذاقٌ آخر، وللنسيم لغةٌ لا يفكّ طلاسمها إلا من أتقن الإصغاء إلى همس الطبيعة، ورحل بخياله إلى ما وراء أسوار المألوف.
هناك، حيث الحدائق غنّاء، كانت أشجار النخيل تسرّح ضفائرها في مهبّ الريح، وتتمايل كأنها عرائس خضراء في موكب الربيع. وكانت الظلال تفترش الممرات بأرديةٍ من حرير، فيما تتدلّى عناقيد التوت كحباتٍ من الياقوت، تختزن في حلاوتها مذاق البهجة الأولى.
وعلى ضفاف جدولٍ فضيّ، كانت الكؤوس تُملأ بشراب الياسمين، كأن الصباح قد أذاب بياض أزهاره في الماء، وترك للندى أن يوقّع على حوافه رسائل العطر. وكان الورد الجوري ينثر شذاه في الفضاء، فتغدو الأنفاس حدائق، وتصبح الرائحة قصيدةً لا تحتاج إلى حروف.
أما ليالي البنفسج، فكانت حكايةً من سحرٍ لا ينتهي؛ ينسدل الليل فيها بوشاحٍ أرجواني، وتتناثر النجوم كحبات ألماسٍ على وسادة السماء. هناك، تلمّ الأشواق أطرافها، وتتعانق الأجفان في خجل، وتبوح العيون بما عجزت عنه الشفاه.
وفي قلب تلك المملكة، كنتُ كجنيّةٍ أفلتت من كتاب الأساطير، أو حوريةٍ لفظتها أمواج الخيال إلى بستانٍ لا يعرف الذبول. تنساب جدائلي الذهبية على كتفيّ كشلالٍ من ضوء، وتختبئ بين خصلاتها حكاياتُ شمسٍ لم تغب. أما عيناي، فكانتا سفينتي أماني، تبحران في مرافئ المستحيل، وتحملان على موجهما أحلامًا لا تعرف المراسي.
كنتُ أستعير من الغيم وسادة، ومن النجوم أقراطًا، وأرتدي من ضوء القمر وشاحًا، وأمضي بين الحقول كأن الأرض تعرف خطاي، وكأن الزهور تفتح لي أبوابها كلما مررت.
كنتُ سابحةً في سماءٍ لا تحدّها الجهات، أتنقّل بين الغيوم كفراشةٍ نسيت أنها خُلقت للأرض. وكان الجوّ مطيرًا، تتساقط قطراته على النخيل كأن السماء تنثر عقودها اللؤلؤية، فيما تعزف الريح على أوراق الشجر سيمفونيةً لا يسمعها إلا العاشقون.
وحين انهمر المطر، لم أبحث عن سقفٍ يحميني؛ مددتُ كفّي لألتقط حبات الماء، كأنني أجمع نجومًا صغيرةً سقطت من عرش الغيم، وتركتُ للسماء أن تغسل عن روحي غبار المسافات.
ثم مضيتُ أتمايل في بحرٍ لا شاطئ له، كحوريةٍ تعرف أسرار الموج، وتأتمنها الأعماق على أصدافها. كانت الأمواج تتهادى بي، تارةً ترفعني إلى عناق السماء، وتارةً تضمّني إلى صدرها الأزرق، فأغدو بين المدّ والجزر حلمًا لا يريد أن يستيقظ.
وكان الأفق يفتح ذراعيه كلما اقتربت، والريح تسرق من جدائلي خيوطًا ذهبية، تنثرها فوق صفحة الماء، فتبدو البحار كأنها ترتدي حُلّةً من الشمس.
لم يكن للزمن عقارب تطاردني، ولا للأرض قيودٌ تستردّ بها خطاي. كنتُ أملك من الخيال مملكة، ومن الأمل أجنحة، ومن الأحلام مفاتيح أبوابٍ لا يعرفها إلا من ظلّ قلبه طفلًا، مهما أثقلته السنوات.
فقفْ يا زماني،
رويدًا، فلا توقظْ صباحي من نشوته، ولا تطفئْ مصابيح أحلامي. واملأْ كأسي بالأماني، ودعْ من رحيق العمر ما يكفي لانتشاء الروح؛ فما زلتُ أرتشف من الغيم أمنياتي، وأغزل من خيوط النجوم حكاياتي.
وهناك، في ذلك الفردوس المعلّق بين السماء والماء، أدركتُ أن بعض الأرواح لا تسكن الأماكن، بل تخلقها؛ وأن في أعماق كلٍّ منا جنّةً مستترة، إذا أغمض عينيه أزهرت، وأشرقت في روحه عوالم لم تطأها الأقدام، ولم توقظها الحياة بعد.
فيا لروعة عالمٍ لا تُقاس مسافاته بالخطى، ولا تُرسم حدوده على الخرائط؛ عالمٍ يكفي أن نغمض أعيننا لنسكنه، وأن نفتح نوافذ الروح لنشمّ عطره… ثم نترك أحلامنا تبحر، دون أن نسألها عن شاطئ العودة.



