الذين مرّوا من هنا ولم يرحلوا/إنتصار الخشت

لم تكن الحياة يومًا طريقًا مستقيمًا كما تخيّلنا، بل كانت براري ممتدة، تتعاقب فيها الفصول على غير موعد، وتتناوب الرياح على اقتلاع ما نظنّه راسخًا في أعماقنا. نمضي فيها أحيانًا على مهل، كأننا نصغي إلى حفيف الغيب، وأحيانًا نركض خلف سرابٍ يلوّح لنا من وراء الأفق، حتى إذا بلغناه وجدنا أن المسافة لم تكن بيننا وبينه، بل بيننا وبين أنفسنا.
في أعماقي براري لا تعرف أسماء العابرين، وشطآنٌ خبّأت الأمواج في جوفها أسرارًا لم تبح بها، وعلى امتدادها تتدلّى من ذاكرة الزمن مصابيحُ حكاياتٍ لم تجد ليلًا أخيرًا لتنطفئ فيه. هناك، تتناثر على الرمال بقايا حكاياتٍ لم تجد من يدفنها، وتنهض من صمتها جماجمُ الأحلام القديمة، لا لتفزع العابرين، بل لتشهد أن وراء كل ابتسامةٍ معركةً لم يرها أحد.
أحيانًا، يمرّ بنا نسيمٌ عنبريّ، فيوقظ في الروح عطرًا لم نعد نعرف صاحبه؛ فتتسع الذاكرة كبحرٍ أفلت من ضفافه، وتعود الوجوه من منافذ الغياب، كأن المسافات لم تكن سوى ستارٍ رقيق أسدله الزمن على مسرحٍ لم ينتهِ عرضه بعد.
ما أغرب الإنسان! يحمل عمرًا كاملًا في ملامحه، ثم تعجز مرآته عن إخباره أين خبّأ كل تلك السنوات. يضحك وفي ضحكته أصداء بكاءٍ قديم، ويصافح الحياة بيدٍ، بينما تقبض الأخرى على رماد أحلامٍ لم تستسلم للريح. وفي عينيه عنفوان فارسٍ لم يخلع درعه، وإن أثقلته جراح الطريق.
ولعلّ أكثر ما يحيّرني أن بعض الغياب لا يحتاج إلى موتٍ كي يصبح أبديًّا؛ فقد يجلس المرء إلى جوارك، ويكون أبعد إليك من شاطئٍ ضلّت سفنُه طريق العودة. وقد يرحل آخر إلى أقاصي الأرض، ثم تلمحه في تفصيلةٍ صغيرة، فيعود أقرب مما كان، كأن روحه كانت تعبر إليك على جناح طائرٍ لا تعرفه.
أحمل بين ضلوعي أرشيفًا لا تطاله يد النسيان؛ رفوفه من أعمارٍ مضت، وأوراقه من وجوهٍ غيّبها المدى، وفي زواياه حكاياتٌ كلما أطبق عليها الزمن، أخرجت من صمتها جناحين. وما أكثر ما نظن أننا تجاوزنا الأشياء، بينما هي، في حقيقة الأمر، تنتظر التفاتةً عابرة لتستعيد حضورها كاملًا.
وللأيام مواسمها الغريبة؛ قد تطول ليلةٌ حتى نظن أن الفجر نسي عنواننا، ثم تطلّ نجمةٌ من شرفة السماء، تصطحب الشمس في رحلةٍ عجيبة، كأنها لا ترضى أن يجيء النهار وحيدًا.
وحين يخلع الصمتُ عباءته عن كتفي الأفق، يعانق الهمسُ آخرَ ظلاله، كأنهما عاشقان فرّقتهما المسافات، ثم جمعتهما لحظةُ وداعٍ لا تخلو من الحنين.
وكان الليل يعانق النهار عند حافة الأفق، فلا هذا يملك الرحيل كاملًا، ولا ذاك يجرؤ على المجيء كاملًا؛ وبين عناقهما تتوهج نجمةٌ تصطحب الشمس، كأن السماء تأبى أن تترك أحدهما وحيدًا.
كنت أظن أن الزمن يأخذ كل شيء معه، حتى اكتشفت أنه لا يأخذ الأشياء، بل يغيّر هيئتها فحسب؛ يحوّل الصوت إلى صدى، واللقاء إلى ذكرى، والوجوه إلى ملامح تسكننا دون استئذان. ويترك على أرصفة العمر آثار أقدامٍ لا تمحوها الأمطار، كأن أصحابها أوصوا الأرض ألا تنساهم.
وفي ليلةٍ تشبه الليالي التي لا تنتهي، وقفت أمام نافذةٍ مفتوحة، أرقب مصباحًا وحيدًا يقاوم العتمة في آخر الشارع. كان ضوؤه خافتًا، لكنه يحمل عنفوان الممالك التي لا تسقط، ويقف في وجه الليل كفارسٍ يعرف أن الهزيمة ليست في انكسار السيف، بل في أن تتخلّى اليد عن قبضته.
تأملتُه طويلًا، وفكرت أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى أن تنتصر كي تستحق البقاء؛ يكفيها أنها لم تنطفئ، وأنها لم تبع آخر ما لديها من ضوءٍ للظلام.
ثم أدركت أن الإنسان ليس مجموع ما عاشه، بل مجموع ما ظلّ حيًّا فيه بعد أن انتهى كل شيء. وأن في الروح براري لا تطؤها الأقدام، وشطآنًا لا تبلغها السفن، وغرفًا لا يدخلها الزمن، وأسماءً لا تشيخ، وحكاياتٍ كلما ظننا أننا طويناها، نهضت من بين الصفحات حيّةً، كأن الزمن لم يستطع أن ينتزع منها نبضها.
وعندئذٍ، كأنني أعبر عمرًا آخر خلف هذا العمر؛ أترك على رماله آثارًا لا تذروها الرياح، وأحمل من عواصفه ما يكفي لإيقاظ ألف حكاية، دون أن أبوح بسرّ واحدة منها.
لهذا، لم أعد أسأل الذين غادروا: لماذا رحلتم؟ ولا أسأل الأيام: ماذا أخذتِ منّي؟ فقد عرفت أن بعض الأسئلة أبوابٌ تطلّ على هاوية، وأن بعض الإجابات شواهدُ لقبور حقائق ماتت قبل أن نجرؤ على تسميتها.
أغلقت النافذة، وتركت المصباح في مكانه.
وفي البعيد، كان البحر يردّد أسماء الغائبين، وكانت البراري تستقبل خطى العابرين، وكانت نجمةٌ صغيرة تمضي بصحبة الشمس، لا تخشى اتساع السماء ولا وحشة الطريق.
أما الذين مرّوا من هنا، فما زالت خطاهم تترك في الروح صدى لا يخفت؛ فقد غادروا الأماكن، لكنهم لم يغادروا الحكاية.



