يأتي الحبّ… بلا استئذان/سوزانه زين الدين

يأتي الحبّ إلينا دون سؤال، يعبر الزمن، ويتخطّى الحدود، ويطرق أبواب أرواحنا دون موعد أو استئذان. يدخل القلب كما تدخل الشمس من نافذة لم نكن نعلم أنها مفتوحة، فيبدّل ملامح الأشياء، ويمنح التفاصيل العادية معنى لم نعهده من قبل.
لا يعرف الحبّ منطق الحسابات، ولا يعترف بقوانين المسافات، ولا ينتظر إذنًا من العقل كي يستقرّ في الوجدان. يأتي محمّلًا بألف سؤال لا إجابة لها، وبدهشة لا تشبه سواها، ويترك في أعماقنا شعورًا نعجز عن تفسيره، مهما حاولنا أن نضع له تعريفًا.
إنه ذلك الشعور الذي يجعل الغريب مألوفًا، والبعيد قريبًا، والصمت لغةً مكتملة المعاني. يجعلنا نرى في شخص واحد عالمًا كاملًا، ونجد في حضوره ما عجزت الأيام عن منحه لنا.
الحبّ لا يسأل كيف التقينا، ولا لماذا اختارنا القدر دون سوانا، ولا كيف استطاعت روح أن تتعرّف إلى روح أخرى وسط ملايين الوجوه. إنه يتجاوز المصادفات، ويعبث بمقاييس الزمن، ويصنع من لحظة عابرة ذكرى قد تعيش فينا عمرًا كاملًا.
وحين يسكن القلب، لا يعود العالم كما كان؛ تصبح المسافات مجرد أرقام، والغياب امتحانًا للحنين، وتغدو أبسط الكلمات قادرة على إيقاظ عواطف نامت طويلًا.
لكن أجمل ما في الحبّ أنه لا يحتاج إلى معجزة كي يكون استثنائيًا؛ تكفيه روح صادقة، وقلب لا يتقن الزيف، واهتمام يجعل الإنسان يشعر بأنه مرئيّ ومفهوم ومقدّر.
فالحبّ ليس امتلاكًا، ولا قيدًا، ولا محاولة لتغيير الآخر كي يشبهنا؛ إنه مساحة نكون فيها على حقيقتنا، دون خوف من الاختلاف، ودون حاجة إلى ارتداء أقنعة ترضي أحدًا.
يأتي الحبّ بلا استئذان، نعم، لكنه لا يستحق البقاء إلا حين يجد الاحترام، ولا يزهر إلا حين تسقيه الثقة، ولا يصبح وطنًا إلا حين يمنحنا الأمان.
فيا أيها الحبّ، أيّ سرّ تحمله حتى تستطيع أن تعبر كل هذه المسافات، وتختصر كل هذه السنوات، وتجمع في لحظة واحدة ما عجز العمر عن جمعه؟
ربما لأنك لست مجرّد شعور نعبر به الحياة، بل تجربة تجعلنا نكتشف في أنفسنا أرواحًا لم نكن نعرف أنها تسكننا.



