بين الكمّ والجوهر/زيان معيلبي-الجزائر

في زمنٍ تكاثرت فيه الكتب وتناسل الحبر على الورق، بات المشهد الأدبي يعاني من تضخمٍ كميٍّ لا يوازيه عمقٌ نوعي. ترى اليوم رفوف المكتبات تزدحم بإصدارات لا تحمل في طياتها ما يُغري المتلقي بالبقاء في رحابها، كتبٌ أشبه بأغلفة جميلة تخفي فراغًا داخليًا، خالية من الروح ومن الدهشة التي تُحيي النص.
ليست الغاية من الكتابة أن تُضاف رقعة جديدة إلى سوق النشر، بل أن تُمارس غواية القراءة، أن تلمس القلوب وتستفز العقول. الكاتب الحقيقي هو من يجعل من كلماته حياةً تُنبت قارئًا جديدًا كل مرة. فالكتابة ليست حبرًا فحسب، بل إحساس وروح، ومن لا يتقيد بمفاهيمها الصادقة، يكتب جسدًا بلا روح، وصوتًا بلا صدى.
إنَّ الأزمة الحقيقية ليست في نقص الموهبة بقدر ما هي في غياب الصدق الإبداعي، ذلك الصدق الذي يمنح النص نَفَسَه ويجعله حيًّا في وجدان القارئ. كثيرون يكتبون اليوم طمعًا في الظهور أو في نيل لقبٍ أدبي، لكن القليل فقط يكتبون لأنهم لا يستطيعون إلا أن يكتبوا، لأن الكلمة في داخلهم صرخة وجود وليست سلعة تُسوَّق.
الكتابة الحقيقية تُشبه البذرة، تنمو ببطء في تربة الفكر والوجدان، تسقيها التجربة، ويضيئها الوعي. لا يهم أن تكون كثيرة، بل أن تكون صادقة وفاعلة. فكتاب واحد ينبض بالحياة، قادر على أن يخلّد اسم صاحبه أكثر من مئة كتاب باردٍ بلا روح.
لهذا، يبقى السؤال قائمًا:
هل نكتب لنُقال؟ أم نكتب لنُقال فينا شيء؟
فبين الكمّ والجوهر، لا ينتصر إلا من جعل من حرفه حياة تُقرأ لا صفحات تُعدّ.



