كيف وصلتَ إليّ؟ سوزانه زين الدين

لم يكن لقلبي، قبل أن يلقاك، عنوانٌ في خرائط الهوى، ولا كانت له عادة الانتظار، أو حنينٌ يوقظه من سكونه. كان يمضي في الحياة مكتفياً بنبضه، لا يعرف أن للروح وطناً آخر، ولا أن لقاءً واحداً قد يغيّر ملامح العمر بأكمله.
حتى جئتَ…
فحدث ما لم يكن في الحسبان؛ ارتبك القلب أمام حضورك، وتعثّرت خطواته في دروب لم يعرفها من قبل، وكأن شيئاً في داخله كان ينتظرك منذ زمن، دون أن يعرف اسمك أو ملامحك.
كيف وصلتَ إلى أعماقي بهذا الهدوء؟ وكيف استطعتَ أن تعبر المسافات بين نبضي وروحي، وتستقر في مكان لم تطأه أقدام أحد قبلك؟
منذ عرفتك، لم يعد الشوق مجرد شعور عابر، بل صار لغةً تتحدث بها روحي حين يعجز الكلام، وصار الغياب مساحةً تتسع فيها الأسئلة، ويضيق فيها احتمال النسيان.
كم من عاشقين التقيا، ولم يعرفا أن الأقدار كانت تخبئ لهما حكاية، وكم من قلبين جمعتهما المصادفة، ثم فرّقتهما المسافات، وبقيت بينهما مشاعر لا تعرف كيف تنتهي!
فهل تكون لي في زحام هذا العمر طمأنينة؟ وهل تمنح هذا القلب أمناً لا تهزّه تقلبات الأيام؟ هل تقيم في حكاية العمر، لا كعابرٍ يترك خلفه ذكرى، بل كحضورٍ يجعل للغد معنى، وللانتظار نهاية؟
لا أريد من الأقدار وعوداً مستحيلة، ولا من الحب كلماتٍ تلمع ثم تنطفئ؛ أريد صدقاً لا يتبدل، وقرباً لا تحكمه المصالح، وروحاً تعرف أن أجمل ما في الحب ليس أن نمتلك أحداً، بل أن نجد معه تلك الطمأنينة التي نفتقدها في العالم بأسره.
فبعض اللقاءات لا تشبه سواها، وبعض الأشخاص لا يمرّون في حياتنا مروراً عابراً؛ إنهم يتركون في أعماقنا أثراً يجعلنا نعيد اكتشاف أنفسنا من جديد.
ولعل أجمل ما حدث لي لم يكن أنني التقيتك، بل أنني اكتشفت معك أن القلب، مهما طال صمته، قد يجد يوماً اللغة التي تشبهه، والوجهة التي كان يبحث عنها دون أن يدري.
فكيف وصلتَ إليّ؟ وكيف اختصرتَ كل تلك المسافات، حتى أصبحتَ سؤال القلب حين يصمت، وإجابة الروح حين تتمنى؟
بعض الحكايات لا تبدأ حين نلتقي… بل تبدأ حين نشعر، للمرة الأولى، أن شيئاً في داخلنا لم يعد كما كان.



